ماذا ينتظر المرأة تحت حكم طالبان؟
ماذا ينتظر المرأة تحت حكم طالبان؟

قبل أسبوعين تقريبا، على إحدى القنوات الفضائية التي كانت ترصد إحداثيات دخول طالبان لكابل، تسأل المذيعة بعض عناصر طالبان: هل سيكون الرئيس القادم من طالبان؟

يجيب أحدهم ـ فيما يبدو وكأنه قائدهم: هذا ليس مستبعدا.

تسأل المذيعة: هل هذا سيضمن حقوق المرأة والديمقراطية؟

يجيب الطالباني: الحقوق ستطبق وفق الشريعة الإسلامية.

المذيعة: حسنا، هل أنتم على استعداد لقبول الحكم الديمقراطي الذي يصوّت فيه الناسُ لنساءٍ سياسيات؟

هنا، لا يتمالك الطالباني نفسه، فينفجر ضاحكا، ويغطي وجهه بيده، ويقول: أوقف التصوير، أوقف التصوير.

الملاحظ، أنه في اللحظة التي يسمع فيها عن "تصويت الناس للنساء في عملية ديمقراطية"، لا يضحك لوحده، بل يتحول المشهد كله (بعناصره الطالبانية المبتهجة بعودتها إلى السلطة) إلى ضحك متواقِتٍ، ضحك جماعي ممزوج بحياء شفيف؛ وكأنما ثمة عورة قد انكشفت عن "نكتة" تتضمن أشد المفارقات غرابة وسخرية وإدهاشا !

تبدو المذيعة ـ إذ تطرح مثل هذا السؤال ـ كأنها من كوكب آخر. ليس ـ فقط ـ ثمة ما هو مستحيل في سؤالها، بل هو سؤال يتضمّن استحالة مُضَاعَفة/ مُرَكّبة، تصل به إلى أعلى درجات المستحيل، إلى درجة تجعله سؤالا ـ إذ يُطْرح على مثل هؤلاء ـ يبدو وكأنه يمارس بحقهم أقصى درجة العنف في الاستهزاء والسخرية والاستحقار، إنه كأن يقول لك أحدُ الأطفال ـ بكل براءة، وبكل فخر أيضاـ: أنا قوي، فتقول له ـ فيما تبدو جادًّا ـ : إذن، حرّك هذا الجبل بيدك !

المرأة لوحدها مشكلة كبرى في الوعي الطالباني. والديمقراطية مشكلة أكبر وأشد تعقيدا في هذا الوعي. يكفي أن تتحدث مع طالبان/ الوعي الطالباني عن المرأة وحقوقها لتكون قد دخلت في شبكات المستحيل، فكيف وقد وضعت المستحيلات (=الحقوق النسوية) في سياق المستحيل الديمقراطي؟ هم يُجادِلون على أمور أبسط من هذا بمراحل: هل يحق للمرأة أن تتعلم ؟ هل يحق للمرأة أن تخرج لوحدها دون مَحْرم؟ هل يجوز لها أن تظهر بغير غطاء وجه كامل؟ وأنت تسأل عن: انتخابها وترشيحها وتوليها المناصب القيادية !!

عندما ضحكت العناصر الطالبانية بتلقائية، وعلى إيقاع واحدٍ، فإن ما أضحكهم هو أن السؤال الذي طرحته المذيعة عن "تصويت الناس لنساء يعملن في السياسية"، رسم لهم صورة فانتازية يعجز خيالهم عن الإمساك بها. هؤلاء الرجال الذين يسجنون النساء في البيوت، يتزوجونهن وهن أطفال دون موافقتهن، ويُغطّون وجوههن قسرا، ويمنعوهن من التعليم ومن العمل بوصفهما حراما...إلخ.

هؤلاء يرسم سؤالُ المذيعة في خيالهم ما يفوق قدرات هذا الخيال، يرسم لهم مشهدا مرعبا لتلك النساء المسحوقات وهن يخرجن سافرات لتقرير السياسيات العامة على الملأ، وفي بلد الأربعين عاما من حروب الرجال الأشداء، يُصْدِرن الأوامرَ، ويقدن الأحزاب، ويتحكمن في خيارات الرجال !

لا يمكنك تصوّر حجم المفارقة في سؤال المذيعة (وهو سؤال محوري وكاشف)؛ مالم تستوعب حقيقة الموقف الطالباني من طَرَفي السؤال: المرأة والديمقراطية.

 موقف طالبان المبدئي من الديمقراطية ليس مَبْنيًّا على "رأي" فقهي يُقَرِّر أنها حرام، بل هو ـ عندهم ـ مَبني على "أصل" عقائدي يُقَرِّر أنها "كفر بواح".

يقول حفيظ الله حقاني: "يعتقد طالبان أن لا مجال للديمقراطية في الإسلام لأنهم يرون أن معنى الديمقراطية أن يكون التشريع المطلق بيد الشعب" (طالبان من حلم الملا إلى إمارة المؤمنين، ص 133). وهذا موقف جميع السلفيين/ الأصوليين الذين يرون أن الديمقراطية كفر صريح؛ من حيث هي ـ في تصورهم ـ أداة لتفعيل الشرك/ نقض توحيد الحاكمية، حتى وإن حاول الذرائعيون منهم التوسّل بها من أجل الوصول إلى الحكم الذي يُمْكِنهم ـ من خلاله ـ إعادة بناء هذا "التوحيد" في الواقع على نحو أكمل وأشمل وأحكم.

ويتناول بعض الباحثين موقف طالبان من الديمقراطية وكأنه موقف سياسي (أي كأنه مجرد محاولة لاحتكار السلطة)، بينما هو ـ في جوهره ـ موقف عقائدي ديني. ومبررات رفض طالبان للديمقراطية كثيرة، وهي وإن تعدّدت صورُ التعبير عنها، إلا أنها ـ جميعا ـ تعود إلى جذر ديني. يذكر فهمي هويدي أن أحد أعضاء اللجنة الإسلامية التي زارت طالبان عام 2001، طرح على "علماء طالبان" سؤالا محددا: لماذا ترفضون الديمقراطية ؟ فكان جوابهم أن الديمقراطية، أولا: بضاعة غربية، وثانيا: أن من يطالبهم بها يريد أن يفرض بها عليهم الشيوعيين وغيرهم من الملحدين والكفرة، وثالثا: أنها مدخل إلى الفساد والتحلل وتهديم القيم/ قيم الإسلام؛ بدليل ما جرّته على الغرب من فسق وفجور، ورابعا: أنها تصبح مصدرا لفتنة المسلمين وتهديدا لمعتقداتهم (طالبان، فهمي هويدي، ص153 ).

كل المبررات المذكورة هنا ترجع إلى أصل أن الديمقراطية مرفوضة دينيا وليس سياسيا. هنا، يتضح أن طالبان ترى الديمقراطية فعالية/ آلية لا تمنح الشرعية لغير المسلمين فحسب (وسنرى أنهم يرون أنفسهم الممثلين للإسلام حصرا، على الأقل، في أفغانستان)، وإنما ـ أيضا ـ تمنحهم الفرصة للاعتراض على الإسلام، ومعاندة أحكامه من داخل نظام الحكم الإسلامي.

تعي طالبان أن الحكم الديمقراطي يقتضي وجود أولئك الذين لا يؤمنون بالإسلام من أبناء الشعب الأفغاني في كل مفاصل الدولة. إذن، كيف تقبل بالآلية التي تُجْبرها على القبول بهم كشركاء، وهي أصلا لا ترى الإسلام إلا ما تراه هي إسلاما. يقول حفيظ الله حقاني: "يعتقد طالبان أن من يعاديهم إنما يعادي الإسلام لأنهم يعملون للإسلام، فمن حاربهم فهو في الحقيقة يحارب الإسلام، ولذلك يرون قتالهم ضد المعارضة جهادا في سبيل الله"(طالبان من حلم الملا إلى إمارة المؤمنين، ص 140) فإذا كانت طالبان لا تقبل المسلمين الآخرين (الـ"غير طالبانيين") الذين هم مثلها يقبلون الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع، ولكنهم لا يتبنون الخيار الطالباني في تحديد ما هو شرعي، ولا في تحديد كيف يُنَزّل الشرعي على الواقع، فكيف ـ حينئذٍ ـ يقبلون بمن لا يُؤمن بالخيار الإسلامي أصلا.

إن طالبان لا تؤمن إلا بالقوة. وحتى عندما تحاور لهذا السبب أو ذاك، فإنما تستند على حق القوة؛ لا على قوة الحق، الحق الذي يستلزم الاعتراف بالآخرين كشركاء فاعلين مؤثرين، لا مجرد مواطنين خاضعين؛ حدود قبولهم/ تقبّلهم في الفضاء الطالباني أن يعيشوا في سلام، مقابل الخضوع التام للقوانين والتعليمات الطالبانية في كل ما يخص الشأن العام، وفي كل ما يحدث في الفضاء العام.

هذا الإيمان بالقوة، واتخاذها وسيلة وحيدة لحسم المواقف، حتى المواقف التي يتعذر حسمها بالقوة، هو ما يعضد رفض الديمقراطية؛ باعتبارها خيارا توافقيا ينبع من خارج معادلات القوة. وقد كان عبد القيوم مهنمد على حق؛ عندما قال: "إن رغبة طالبان بتحقيق نصر حاسم تبقى غير واقعية وطموحة أكثر من اللازم، وستقود إلى مزيد من الموت والدمار في أفغانستان" (معضلة أفغانستان، طالبان والولايات المتحدة، ص43).

إن التجربة السابقة لطالبان (ما بين عامي 1996ـ2001)، لا تُوْحِي برفضها الديمقراطية فحسب، وإنما تُوحي ـ أيضا ـ بسلطوية شمولية لا تترك للآخرين حتى الفتات. ويكفي أن نتذكر أن المناصب الحيوية في التجربة الأولى كانت من نصيب الطالبانيين حصرا، حتى إن أدى ذلك إلى عمليات تنصيب بهلوانية/ كاريكاتورية.

ويذكر حفيظ الله حقاني شواهد واقعية على هذا الهوس السلطوي الذي يقود إلى كوارث، فيقول: حتى المؤسسات العلمية عينوا رؤساءها من غير المؤهلين، فقد عينوا "مولويا" عميدا لكلية الطب مع أنه لا يعرف شيئا عن الطب، وفي جامعة ننجرهار عينوا طالبا في الصف الثالث أو الرابع رئيسا للجامعة، مع وجود كوادر على درجة عالي من التأهيل (طالبان من حلم الملا إلى إمارة المؤمنين، ص157).

وهكذا يتضح أن المسافة الفاصلة بين التصورات الطالبانية الراسخة من جهة، والديمقراطية وإجراءاتها من جهة أخرى، شاسعة جدا، شاسعة بأكثر مما تحتمل التحولات الراهنة ـ إن وجدت ! ـ قطعها. ولكن، ماذا عن المرأة، التي هي الوجه الآخر للديمقراطية، أي لقياس مدى إمكانية القبول بالآخر ابتداء، ومدى القدرة على إجراء تحويرات للراسخ من القناعات الاجتماعية (المُؤَسِّسَة بالضرورة لقناعات سياسية) ثانيا.

يذكر فهمي هويدي أن الوفد الإسلامي سأل "علماء طالبان" صراحة عن سبب  قرارهم حرمان المرأة من العمل والتعليم، وأنهم أجابوا بـ:

1ـ العمل غير متاح للرجال في ظروفنا، فما بالكم إذا أضفتم إليهم النساء !

2ـ الاختلاط حرام، ولا نستطيع تخصيص أماكن لهن.

3ـ ثم يؤكدون ما نصه: "مسألة الاختلاط هي المشكلة التي أعاقت تعليم البنات في بلادنا".

غير أن هويدي يذكر في موضع آخر أن تبريراتهم للمنع غير مطردة، فمرة يقولون: بسبب الاختلاط، ومرة يقولون: إن حديث "العلم فريضة على كل مسلم" لا يشمل المرأة (طالبان، هويدي، ص154و182).

لاحظ أن التبريرات نفسها تحمل تمييزا واضحا ضد المرأة، فهم يُقرّرون أن الوظائف أصلا للرجال، وما بقي من فتاتها فيمكن ـ نظريا، وربما كافتراض جدلي ـ أن تُمْنَح للنساء. ثم لاحظ أن إرادتهم متوافرة على عدم تعليم المرأة كموقف حاسم، ثم يأخذون بعد ذلك في البحث عن مُبرّرات لهذا الموقف، فمرة: عدم توفر الإمكانيات، ومرة أخرى: يرون أن النص الشرعي يحصر طلب العلم بالذكور! ما يعني أنهم غير مقتنعين بشرعية تعليمها أصلا، وغير مقتنعين بجدواه تبعا.

لقد أصدرت طالبان آنذاك قرارا بأنه: "لا يُسْمح لسائقي السيارات والمواصلات العامة أن يُقِلّوا النساء اللواتي يرتدين الحجاب الإيراني دون محارم، ويُعَاقب أزواج وذوو النساء المخالفات لهذا القرار" (طالبان من حلم الملا إلى إمارة المؤمنين، ص146و147). ونص هذا القرار كاشف بعمق، وأكثر من أي نص آخر، عن كارثية الرؤية الطالبانية تجاه المرأة. المرأة لديهم غير جديرة حتى بالعقاب أصالة، فهي إذا خالفت التعليمات فخرجت من بيتها بلا محرم، أو كشفت عن وجهها، فلا تُعَاقَب هي؛ لأنها غير مسؤولة عن أفعالها أصالة، بل المسؤول عنها هو وَلِيّها: زوجها، أبوها، أخوها...إلخ محارمها، وهؤلاء هم الذين يُعَاقبون بأفعالها، تماما كما يُعَاقب صاحب الحيوان الذي يتركه ليفسد ممتلكات الآخرين، ولا يُعَاقب الحيوان ذاته، تماما مثلما أنت لن تعاقب الكلب، لن تطلب التعويض من الكلب، بل من صاحبه الذي أهمله، فلم يحبسه في البيت، ولم يخرج معه حين خرج!

بلا شك، هذه رؤية ممعنة في تقرير عدم أهلية المرأة، حتى في أبسط الأفعال وأكثرها خصوصية وتلقائية. وطبعا هنا يتضح لك لماذا ضحكت عناصر طالبان على سؤال المذيعة، فامرأة يتصورونها على هذا النحو من التبعية الكاملة للرجل، على هذا النحو من الفقدان التام للإرادة، كيف لها أن تُدِير وتُدَبّر مجتمعَ رجال!

إن الموقف من المرأة ومن الديمقراطية تحديدا هو المحك الذي نستطيع من خلاله قراءة مؤشر التغيرات في الرؤية الطالبانية التي يبدو أنها لم تتغير كثيرا. المرأة والديمقراطية هما عنوان قبول الآخر، الآخر قريبا والآخر بعيدا، هما عنوان الرؤية الفردانية التي تصنع الفرد/ المواطن، وبالتالي، التي تُحَتّم أن يتساوى كل المواطنين. وما يحدث من جمود أو تغيير في محوري: المرأة والديمقراطية سينعكس على جميع مفردات التدبير السياسي.

إن ما رسمنا بعض ملامحه آنفا، يبدو كصورة مظلمة مرعبة، إلى درجة يستحيل التعايش معها، لا في الداخل الأفغاني، ولا في الخارج. ولاستحالة أن تكون هذه الصورة نمطَ عيش، أي لِبُعدِها عن إمكانية التطبيق، يُرَاهن كثيرون على أن طالبان تغيرّت، وأنها ستتغير أكثر وأكثر بفعل ضرورات الواقع الذي تشتغل عليه ومن خلاله. وهذا متوقع، لكن، وكما قلت في المقال السابق: ثمة تغيير متوقع، لكن ما مداه وما مدته؟

قد نتفاءل، ولكن إلى أي مدى؟ خاصة أنه لو بقي فقط 10% من تطرف طالبان عام 2000 لكان كافيا لأن نتشاءم بالمستقبل الأفغاني على مستويين: على مستوى الاستقرار السياسي، وعلى مستوى نمط الحياة. ولنتذكر جيّدا في هذا السياق أن طالبان اليوم ترفض تحديد موقفها من أمور كثيرة هي موضع إشكال، وتكتفي بتصريح من هنا وهناك، تصاريح غير واضحة، غير مفصلة، غير مشرعنة، غير مؤكدة، بل هي متضاربة في كثير من الأحيان!

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.