جنود أميركيون في كابل
جنود أميركيون في كابل

معظم الجدل الحاد في الأوساط السياسية والإعلامية في واشنطن بشأن التطورات الأخيرة في أفغانستان، وخاصة عقب الهجوم الإرهابي الذي استهدف عملية إجلاء الرعايا الأميركيين والأجانب من مطار كابل، يتمحور حول الأخطاء والخطايا التي ارتكبت أولا خلال تنفيذ الانسحاب العسكري الأميركي، وثانيا بعد سقوط كابل في أيدي قوات طالبان، والهرولة الأميركية لتنظيم عملية الجلاء.

التركيز على أسلوب الانسحاب وإجراءات الجلاء والهفوات اللوجستية سمح لكل من له رأي في واشنطن، وما أكثرهم، ويقدر على الوصول إلى استوديو تلفزيوني لأن يصدر الأحكام القاطعة، والتحدث أحيانا بذلك النوع من الثقة المطلقة التي ترقى إلى مستوى إصدار الفتاوى السياسية، والادعاء أن له الحق بقول الكلمة الفصل في الموضوع.

خلال هذا الطقس الغريب، الذي يسمى بالإنجليزية cognitive dissonance التنافر المعرفي، وتكثر فيه المواقف المتناقضة خاصة حول كيفية تنفيذ الانسحاب وخطايا تنفيذ عملية الجلاء، ضاعت الخطيئة الأصلية، أي قرار احتلال أفغانستان لعشرين سنة خلال ولايات 3 رؤساء أميركيين، وكبار مستشاريهم السياسيين والعسكريين.

السبب الأساسي والمباشر لغزو أفغانستان في أكتوبر 2001، بعد أسابيع قليلة من هجمات سبتمبر الإرهابية كان معاقبة تنظيم "القاعدة"، ونظام طالبان الذي وفّر له الملجأ، كما أوضح آنذاك الرئيس جورج بوش الابن. وهذا ما يفسر التأييد الشامل لغزو افغانستان في أوساط الرأي العام والأوساط السياسية والإعلامية والأكاديمية في البلاد.

ولكن هذا الهدف المباشر والأولي، الذي يستطيع كل أميركي أن يستوعبه ويتفهمه، سرعان ما استبدل بقرار أخطر، يعكس طموحا سرياليا وخياليا للرئيس بوش وبعض مساعديه، أي محاولة بناء دولة حديثة من الصفر.

هذه هي الخطيئة الأصلية التي أوصلتنا إلى الانهيار المخزي لهذا الصرح الهش في أفغانستان، حين ذاب الجيش الأفغاني مثل مكعبات الجليد تحت شمس أغسطس الحارة، وما لحقه من "مؤسسات" الدولة الأفغانية المبنية على الرمال، وما نتج عنه من سفك دماء مئات الأفغان المدنيين، والعسكريين الأميركيين يوم الخميس الماضي.

ما لا يمكن استيعابه فكريا أو سياسيا أن غطرسة القوة التي انطلق منها صنّاع القرار الأميركيون منذ وصول القوات الأميركية إلى أفغانستان، هو إخفاقهم الكارثي في تعلّم أي درس من دروس هزيمة الغطرسة الإمبريالية للإمبراطورية البريطانية في أفغانستان في القرن التاسع عشر، أو – وهذا هو الدرس الأهم – هزيمة الغطرسة الإمبريالية السوفياتية في جبال أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي.

بعض اللاعبين وصنّاع القرار الحاليين، من أميركيين وأفغان، كانوا آنذاك في السلطة، في الكونغرس الأميركي على سبيل المثال، أو شاركوا عسكريا في هزيمة الاحتلال السوفياتي، وسارعوا في التعجيل بتفكيكه.

هناك انتقادات شرعية وعقلانية للطريقة السريعة التي نفذت بها إدارة الرئيس بايدن الانسحاب العسكري، وكيفية تنظيم عملية الجلاء، ولكن الادعاء بأن المشكلة الأساسية هي كيفية تنفيذ الانسحاب أو طبيعة عملية الجلاء، وتجاهل أو تناسي حقيقة أن جوهر الكارثة في أفغانستان هو تركة احتلال طويل استمر لعشرين سنة، يمثل تقصيرا خطيرا في تحكيم العقل، وتقصيرا عميقا في تحليل الواقع الأفغاني على مدى عقدين من الزمن.

كما يمثل أيضا إخفاق المخيلة في تحليل الفارق الضخم بين الطموحات الأميركية الخيالية في أفغانستان والقدرات المادية والمعرفية التي جلبتها أميركا معها إلى تلك الأرض القاحلة، العصية تاريخيا على طموحات القوى الخارجية التي غزت أرضا عصية حتى على البحار، لتعيد صياغتها وفقا لرؤاها الغريبة.

ما نراه اليوم من جدل بشأن أفغانستان هو صدى للجدل الحاد الذي شهدته الأوساط السياسية والإعلامية والأكاديمية عقب غزو العراق، عندما قررت إدارة الرئيس بوش الابن، بعدما تبين أن حجتها الأساسية لغزو العراق – التخلص من أسلحة الدمار الشامل، كانت باطلة ولا أساس لها من الصحة، أن تبقي على قواتها في العراق.

آنذاك قررت إدارة بوش البحث عن الديمقراطيين العراقيين، القليلين جدا، لوضع الأسس لدولة حديثة بدستور جديد يضمن تمثيل مختلف مكونات المجتمع وبرلمان ينتخب بنزاهة وحياة سياسية مفتوحة ومتسامحة.

وعندما بدا واضحا أن هذه الطموحات غير واقعية، أو ستكون مكلفة وتتطلب احتلالا طويلا، لن يكون مقبولا أو مرحبا به مثل الاحتلال الأميركي لليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية،  بدأت الانتقادات من مختلف الأطراف في الولايات المتحدة تركز على الأخطاء والهفوات التي ارتكبتها إدارة بوش خلال الأشهر الأولى التي أعقبت الغزو، مثل تسريح الجيش العراقي، واستئصال حزب البعث من مؤسسات الدولة، وعدم توقع انهيار الوضع الأمني فور سقوط بغداد وضبط عمليات النهب، والاستثمار سياسيا بشخصيات عراقية معارضة ذات تاريخ مشبوه مثل أحمد الجلبي وغيره.

هذه الانتقادات تجاهلت أيضا أن فكرة غزو دولة متوسطة الحجم، غزت جارين لها خلال عقد من الزمن، وتعيش في حالة توتر شديد مع بعض جيرانها واضطرابات سياسية ونزاعات إثنية ومذهبية داخلية منذ 1980، ويحكمها أكثر نظام قمعي في تاريخ العراق الحديث، هو ضرب من الغطرسة المجنونة.

خلال الجدل الراهن سمعنا من دبلوماسيين متقاعدين خدموا في أفغانستان، والعراق، انتقدوا الرئيس بايدن بحدة، وطالبوا ببقاء عدد محدود من العسكريين الأميركيين إلى أجل مفتوح، كأنهم سيكونون قادرين على إنقاذ البلاد من براثن طالبان، أو سيعيشون في مناخ آمن وفي مجتمع صديق.

التجارب العسكرية المؤلمة التي مرت بها الولايات المتحدة، منذ هزيمتها في حرب فيتنام، كانت بمعظمها في المنطقة الممتدة من أفغانستان في الشرق، حتى ليبيا في الغرب.

وهذه تشمل حربي أفغانستان والعراق (الأكثر كلفة بشريا وماليا منذ فيتنام)، والتدخل العسكري في ليبيا لإسقاط نظام معمر القذافي خلال العقدين الماضيين، والتورط العسكري في لبنان والصومال في النصف الثاني من القرن الماضي.

هذه الحروب والتدخلات العسكرية جرت في دول اعتقد المخططون الأميركيون أنهم يعرفوها، وأقنعوا أنفسهم بأن أهدافهم – الأولية على الاقل – قابلة للتحقيق.

في لبنان والصومال انسحبت القوات الأميركية بعد نكسات وهجمات إرهابية مكلفة ومحرجة.

في ليبيا، بقي التدخل العسكري محصورا بالغارات الجوية ولم يؤد إلى تورط برّي. ولكن ما جرى في حربي أفغانستان والعراق، أن الطبقة السياسية/العسكرية رفضت الاعتراف على مدى 20 سنة بالخطيئة الأصلية والتوبة السريعة، وقررت في حالات عديدة إخفاء الحقائق عن الشعب الأميركي، كما يتبين من كتابة تاريخ الحربين من قبل المحللين العسكريين في وزارة الدفاع الأميركية، والتمسك بمسلمات بالية حول هذه المجتمعات وقدرة واشنطن على تغييرها.

لا أحد يستطيع أن يقول بأي نوع من الثقة، في هذا الوقت المبكر الذي لا تزال فيه التطورات على الأرض في أفغانستان تتلاحق بسرعة، كيف ستؤثر تطورات الأسابيع الأخيرة على مكانة وسمعة إدارة الرئيس بايدن وقدرتها على مواصلة تنفيذ سياساتها الداخلية، من مواصلة مكافحة فيروس كورونا إلى الاستثمار الكبير في إعادة بناء البنية التحتية ومواصلة إنعاش الاقتصاد الأميركي، وما إذا كانت هذه التطورات ستؤثر سلبا على بايدن وحزبه الديمقراطي في الانتخابات النصفية في خريف 2022، أو حتى في انتخابات الرئاسة في 2024.

هناك رأي يقول إن بايدن تعثر في أفغانستان ولكنه لم يكب، وإذا نجح في مكافحة فيروس كورونا ونجح في تمرير خطته لإعادة بناء البنية التحتية، فإنه سينجح في تخطي الهفوات التي أحاطت بالانسحاب من أفغانستان، لان أغلبية الشعب الأميركي أيدت فكرة الانسحاب من أفغانستان، وإنهاء أطول حرب في تاريخ البلاد.

هذا الرأي يقول أيضا إن التاريخ سوف ينصف بايدن، لأنه تحلى بالشجاعة وقرر إنهاء حرب عبثية حاول سلفاه أوباما وترامب إنهاءها، لكنهما لم يتحليا بالجرأة الكافية على اتخاذ القرار الحاسم.

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.