الجيش الأميركي غادر أفغانستان بعد 20 عاما
الجيش الأميركي غادر أفغانستان بعد 20 عاما

ما هو الدرس المستفاد من انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، بعد قرابة عشرين عاماً من الاستثمار العسكري والأمني والسياسي، غير المسبوق لا زمنياً ولا مالياً؟

الإعلام العربي المعادي للتوّ للولايات المتحدة، ومعه بعض الإعلام الأكثر انفتاحاً على التقييم الإيجابي للأداء الأميركي في المنطقة، يذهب باتجاه نفي إمكانية الوثوق بواشنطن، وهي التي تخلّت عن حكومة كابل، بل أشبعتها الاتهامات وتحميل المسؤوليات عن الخاتمة الكارثية للوجود الأميركي في أفغانستان.

فبعد التخلي المفاجئ للرئيس الأسبق باراك أوباما عن الدور المفصلي للولايات المتحدة في العراق، وما أدّت إليه هذه الخطوة من تأجيج للصراعات السياسية الداخلية، ثم إلى استفادة تنظيم الدولة من الاختلال الحاصل للسيطرة على مدن رئيسية ومساحات واسعة من البلاد، وبعد إقدام أوباما نفسه على مغافلة الشركاء الخليجيين وهرولته إلى اتفاق مرتبك مع إيران، ثم بعد عبث الرئيس السابق دونالد ترامب بالخليج وعبث الخليج به، يأتي جو بايدن، صاحب الخبرة المفترضة بالشؤون الدولية لينجز انسحاباً من أفغانستان سوف تبقى صورته في التاريخ الاكتظاظ الهائل في المطار لجموع مستميتة للهروب، وصولاً إلى التشبث بالطائرات المغادرة والسقوط المريع منها عند الإقلاع.

السؤال الخطير، الذي يطرحه خصوم واشنطن سجالياً، فيما يتداوله أصدقاؤها بالريبة والخشية، هو أنه أليس بوسع من تخلّى عن أفغانستان أن يكرر الفعل في العراق ولبنان وحتى في الخليج؟ المقارنة، بل المعارضة التي يطرحها الخصوم، هي بين إيران، صاحبة النفس الطويل الملتزمة مبدئياً وبإصرار بدعم حلفائها، والولايات المتحدة، المتقلبة والمتذبذبة التي تعمد إلى توريط من يقع في مدارها، لتحقيق أدنى مصالحها، ولا تتوانى البتة عن التفريط بمن خدمها. فكل من توقع الفائدة منها احترق، وكل من صادقها عضّ أصابع الندامة.

المسألة ليست بالبساطة التي يتمناها التصوير المعادي للولايات المتحدة، وفي دقة التفاصيل ما ينقض الطرح السلبي بمجمله.

واقع الحال الذي يؤسس للتبدّل المتواصل في السياسات الأميركية أن الولايات المتحدة هي ذات نظام انتخابي تداولي، تتواجه فيه التصورات السياسية، ويخضع فيه المسؤولون السياسيون للمساءلة الدورية. أي أن الأفق المرتقب لأي سياسة أميركية محدود بالعهدة الرئاسية التي مدّتها أربع سنوات، قابلة للتجديد إلى ثمانية سنوات. أما ما يتبعها، فقد يتفق معها أو يختلف، وفق الرئاسة التالية، التي غالباً ما تكون ذات لون حزبي وتوجه عقائدي مغاير.

ولكن، في حين أن القراءات والتصورات لسياسات تحقيق المصالح الأميركية تتبدل بتداول الرئاسات، فإن المصالح نفسها تبقى أكثر استقراراً، إذ أن تبدلها لا يحسب بالسنين بل بالعقود. كما أن هذه المصالح لا تقتصر على الاعتبارات الأمنية والاقتصادية، بل تتعداها إلى الأوجه الإنسانية والاجتماعية، كما القيمية والمبدئية. وهذه الأوجه بدورها ليست انعكاساً لشخصية الرئيس أو طباع طاقمه، دون افتراض انعدامها هنا، بل هي تعبير عن الحضور في الوعي العام للمجتمع الأميركي، وعن التواصل بين أقسام من القاعدة الانتخابية والمجتمعات الخارجية التي تعود أصولها إليها.

وهذا الجانب الأخير، أي وجود جاليات فاعلة في الولايات المتحدة على تواصل وتسانُد مع مجتمعات في أنحاء العالم، يستفيد ويفيد في آن واحد القراءة الأولية المستقرة للمصالح الأميركية، التي مفادها بما يقارب الإجماع أن صالح الولايات المتحدة يتحقق بالتزامن مع صالح الآخرين، على أساس الحرية السياسية والحرية الاقتصادية والاستقرار الأمني على مدى الكوكب.

والخلاف السياسي في شأن السياسة الخارجية بين التوجهين المحافظ والتقدمي هو في خلاصته ما إذا كان على الولايات المتحدة التركيز على مصالحها وحسب، وتوقع أن يصاحب ذلك تحقق مصالح للآخرين تلقائياً، سواءً جاء السعي إلى تحقيق المصلحة بالصيغة الانطوائية أو الإقدامية، وهي الرؤية المحافظة، أو إذا ما كان على الولايات المتحدة الإشراف على منظومة دولية تضبط تطور مصالح الدول خارج افتراض التلقائية، وهي الرؤية التقدمية.

لا مكان، لا في الخطاب السياسي والنظريات الفكرية في الولايات المتحدة للأسطورة التسطيحية الأهوائية بأن أميركا تستفيد من تدمير العالم وسلب موارده، وأن الاقتصاد العالمي معادلة صفرية لا بد فيها من أن يخسر الآخرون كي تكسب أميركا.

بمطلق الوضوح، مع استعارة مؤسفة للهجة الاستئساد التي يعتمدها خصوم الولايات المتحدة، لو كانت تلك هي الرغبة الأميركية، لكان الأمر قد حصل، لما الولايات المتحدة عليه من جبروت عسكري وطاقة اقتصادية فائقة. ما يعترض هذه الحصيلة الوهمية ليست قدرة الخصوم على الصمود والتصدي، بل أولاً وجود الضوابط الداخلية في الولايات المتحدة لمنع التفاقم والسلوك الكارثي، انطلاقاً من القناعة الراسخة من أن الفائدة تعمّم، والضرر يعمّم على مستوى العالم.

فمن أراد التأثير على السياسة الأميركية، وإسماع صوت مصلحته في الولايات المتحدة، لن يصل إلى مبتغاه من خلال التشكي من إمكانية الوثوق بالولايات المتحدة من عدمه، بل من خلال الاعتماد على البنى السياسية الأميركية القائمة لإبراز مصلحته.

عقدان من الزمن على الانخراط المنقطع النظير للولايات المتحدة في أفغانستان، وقرابة العقدين على تواجد هام وكبير في العراق، صاحبها قصور صادح، أفغاني وعراقي، في الانتقال بهذه العلاقة من وجهها المرحلي السياسي الاستثماري إلى وجه الشراكة الاجتماعية البعيدة المدى. الأفغان معذورون إلى حد ما، حيث إن الحضور الأفغاني في الولايات المتحدة كان ضعيفاً ابتداءً. أما العراقيون، فلا عذر لهم.

الجالية العراقية، بل الأصح الجاليات العراقية، في الولايات المتحدة، وذلك لانقسام التواجد العراقي في الولايات المتحدة على أسس قومية وطائفية، لم تنجح بالارتقاء بصورة العراق إلى ما كانت هذه الصورة مؤهلة لأن تكون، بل بقيت على الغالب منكفئة.

وحده الحضور الكردي في واشنطن تمكن من نسج علاقات ومن تحسين نسبي في الصورة يجعل من الأكراد عامة، وكردستان العراق خاصة، حالة متميزة في التقارب الاجتماعي والثقافي مع بعض مقومات الواقع الاجتماعي هنا.

أما التقصير الفظيع فهو في الحالة اللبنانية. ذلك أن لبنان موضوعياً جزء لا يتجزأ من التجربة الأميركية، أي أن الإطار الفكري والثقافي للولايات المتحدة الذي صاغ الهوية والصورة الذاتية هنا ينضوي تاريخياً على حضور تكويني لبناني وعلى أوجه لبنانية، منهم على سبيل الذكر وحسب جبران خليل جبران، رالف نادر، داني توماس، كايسي قاسم، وعشرات من أعضاء مجالس النواب والشيوخ وحكام الولايات على مدى العقود.

والحضور اللبناني في الولايات المتحدة يعود إلى القرن التاسع عشر، وهو وازن عددياً. ورغم ذلك، فإن لبنان وقضاياه ليس حاضراً في الوعي الاجتماعي الأميركي، فيما يترك على عاتق بعض النشطاء السعي إلى إسماع صوت المواطن اللبناني، بنجاح متواضع محدود لا يتناسب البتّة مع القدرات والإمكانيات المعنوية قبل المادية المتاحة في لبنان والولايات المتحدة على حد سواء، وبما يتلوّن في العديد من الأحيان بلون طائفي قد يستقطب البعض القليل، ولكنه ينفّر العدد الكثير.

الخطوات التي تتخذها كل إدارة أميركية مقيّدة إلى حد ما بقراءتها للمصلحة الوطنية وفق منظورها العقائدي، ولكنها محكومة بالفائدة المباشرة لهذه الإدارة آنياً وانتخابياً وسياسياً. العلاقة البناءة مع الولايات المتحدة هي التي تنجح في توطيد المشترك بين المصالح الأميركية ومصالح الدول المعنية وإبرازه، والتي تعمل على تحصين الوعي المصلحي المتحقق من خلال تنشيط الأوساط المحلية في الولايات المتحدة، ذات الارتباط التاريخي مع الدول المعنية كما ذات الالتقاء القيمي معها، لإبراز الصوت المؤيد للمحافظ على التوافق بالمصالح.

هذا ما نجحت به بعض الدول والجاليات وما فشلت به أخرى. يطيب للبعض تشويه نجاح إسرائيل هنا من خلال تصويره على أنه استيلاء على الإرادة الأميركية. ليس الأمر كذلك. إسرائيل وحسب، من خلال تفاعلها مع الجاليات اليهودية والإنجيلية خاصة، تمكنت من تحقيق نجاح عميق ثابت نقل الهمّ الإسرائيلي إلى طليعة العناية السياسية في الولايات المتحدة. بل إن إسرائيل قد تفاعلت مع المجتمع والسياسة في الولايات المتحدة انطلاقاً من طبيعة التركيبة الأميركية، لا اعتماداً على أوهام تستدعي "الوحش الأميركي"، وكما نجحت إسرائيل، كذلك نجحت دول أخرى، غير أن العراق ولبنان ليسا من عدادهما.

فإذا كان تقييم الإدارة الأميركية الحالية أن انسحاباً من العراق أو تخلياً عن لبنان يجلب لها الفائدة الآنية، فباستثناء قلة تصرخ في البرية ليس ثمة من يذّكرها بخلاف ذلك، وبالثمن المترتب عن تلك الخطوة للمصلحة الوطنية من جهة، وللحظوظ الانتخابية في المرحلة المقبلة من جهة أخرى.

رئيس الحكومة العراقي مصطفى الكاظمي يدرك تماماً هذا النقص وهذه الحاجة، ويعمل جاهداً لتصحيح الأوضاع، وجهوده تنصب لمنع خطوة من الإدارة الأميركية تفرّط بالمصلحة العراقية. أما في لبنان، فثمة من يدرك ولا يبالي، وثمة من لا يدرك ابتداءً، والسعيد هو المتفرج على هذا وذاك، إذ يتحقق له ولوليه الفقيه في طهران المراد.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.