إيران.. تهديدات نووية مستمرة
إيران.. تهديدات نووية مستمرة

دعا وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، قبل أيام، 60 سفيرا أجنبيا، إلى بلورة خطة لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي لأنها حسب قوله على بعد شهرين من الحصول على مواد كافية لصنع قنبلة نووية.

وفي نفس الوقت توجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيت إلى واشنطن لبحث هذا الموضوع، وصرّحت مصادر صحفية أنه قدّم استراتيجية شاملة لمواجهة إيران، لكن مسؤولا أميركيا كبيرا قال إن الرئيس بايدن أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي أن واشنطن ستبقى ملتزمة في الوقت الحالي بالمسار الدبلوماسي مع طهران.

ولكن إذا كان ما يفصل إيران عن قنبلتها النووية شهران فقط، فما الذي سيفعله المسار الدبلوماسي، خصوصا مع حكومة إيرانية جديدة تتألف من متشددين اختارهم خامنئي شخصيا ليخاطب من خلالهم العالم في المرحلة المقبلة، مثل رئيس إيران الجديد، القاضي المتشدد إبراهيم رئيسي، المشمول بالعقوبات الأميركية، والذي دعت منظمة العفو الدولية إلى إجراء تحقيق رسمي في ما قام به من ممارسات خصوصا بشأن دوره في إعدام آلاف السجناء من خلال عضويته بما عرف باسم "لجنة الموت" في نهاية عقد الثمانينيات من القرن الماضي.

وكذلك في اختيار حسين أمير عبد اللهيان، الذي كان مقربا من قاسم سليماني لمنصب وزير الخارجية، كما أن سلوك إيران في جولات المفاوضات الأخيرة مع الدول الأوروبية حول شروطها للعودة للاتفاق النووي عكس تشددا غير مسبوق، بما يعني أن خامنئي ومستشاريه قد وصلوا إلى نتيجة أن التشدد هو الطريق الأمثل للتعامل مع الإدارة الأميركية الحالية التي تركت انطباعا بضعفها في سياستها الخارجية في كثير من الملفات، والتي كان آخرها ما حدث في أفغانستان.

كما أن النشاطات الإيرانية النووية الأخيرة، ورفع درجة تخصيب اليورانيوم لما فوق 60 في المائة، خلال فترة زمنية قصيرة أكّدت على أن الاتفاق النووي الذي وقّعه الرئيس أوباما مع إيران قد حافظ على وضعها كبلد حافّة نووية، أي على امتلاكها الخبرة العلمية والمنشآت والمفاعلات والمواد الخام التي تمكنّها من التحول إلى دولة نووية عندما تتخذ قرارا سياسيا بذلك، لأن هذا الاتفاق لم يتضمن تفكيك أي جزء من مشروعها النووي، وفوق ذلك فإن بعض بنوده ينتهي العمل بها بعد أربع سنوات فقط والباقي عام 2030، بحيث تتحرر إيران رسميا من كافة الالتزامات التي تمنعها من حيازة سلاح نووي.

وهذه المعطيات التي أشارت إلى أن إيران على بعد بضعة أسابيع فقط من حيازة سلاح نووي جعلت من الضروري تصوّر انعكاسات هذا التطور الدراماتيكي، ومع أن هذا السلاح معنوي، أي لا يوجد احتمال حقيقي لاستخدامه على أرض الواقع تحت أي ظرف، ولكن ذلك لا يقلل من الآثار النفسية التي ستترتب على مثل هذا الإعلان، والتي ستبدأ بمظاهرات مليونية في بعض المدن الإيرانية تتكون بشكل رئيسي من رجال الدين والعوام والمراهقين للاحتفال بهذا الانتصار التاريخي، ومن المرجّح أن يستغل النظام هذا المناخ في القيام بحركة قمع واعتقالات واسعة بحق مجموعات المعارضة السياسية والثقافية والقومية.

كما ستنتقل الاحتفالات إلى الدول الخاضعة للنفوذ الإيراني، وسيزداد تحكّم الميليشيات المرتبطة بإيران بالدولة العراقية، وليس من المستبعد زيادة عمليات الاغتيال وعدم اقتصارها على الشباب من ناشطي الحراك الشعبي بل توسّعها لتشمل شخصيات سياسية معروفة بمعارضتها للهيمنة الإيرانية حتى لو كانت من أتباع السيستاني أو مقتدى الصدر.

وفي لبنان ستتعزز سيطرة حزب الله وسيتغنّى عناصره وحلفاؤه بالانتصار الإلهي الجديد وستحمل استعراضاتهم تهديدا لكل من يختلف معهم سياسيا أو طائفيا، وسيقوى نفوذ حماس على حساب السلطة الفلسطينية وستزداد المظاهرات أمام السياج الفاصل وإطلاق البالونات الحارقة، وستعود شعارات "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة" لتطغى على الأصوات التي تدعو للحلول السياسية.

أما على المستوى الإسرائيلي فلن يطرأ تغيير ذو معنى على سلوك إسرائيل الإقليمي، فلن تتوقف غاراتها الجوية على الأهداف الإيرانية في الشرق الأوسط، بل إن علاقة بعض الدول العربية مع إسرائيل ستزداد قوة.

وقد يدفع تحوّل إيران إلى دولة نووية دول جديدة مثل السعودية للانضمام لمعسكر السلام الإبراهيمي، كما سينطلق سباق تسلح نووي إقليمي، وستسعى بعض الدول للحصول بأسرع وقت على سلاح نووي، وأولها تركيا حيث من المرجح أن يجد إردوغان في هذا الإعلان ذريعة لتسريع الحصول على قنبلة نووية يتوّج فيها سياسته الاستعراضية الشعبوية مما يرفع احتمال بقائه في السلطة حتى إشعار آخر.

وليس من المستبعد أن تحذو مصر حذو تركيا، أو حتى إنشاء مشروع نووي مشترك لدول مجلس التعاون الخليجي ورغم صعوبة ذلك في الظروف العادية ولكن ضعف الإدارة الأميركية قد يجعل كل شيء ممكن.

أما في الولايات المتحدة فإن إيران نووية ستضيف مؤشرا جديدا على ضعف الإدارة الأميركية وستجعلها في وضع لا تحسد عليه داخليا وعالميا، أما بقية دول الغرب فستكون ملزمة بالانضمام إلى الولايات المتحدة في فرض عقوبات اقتصادية واسعة على إيران مما سيفاقم من أزماتها الاقتصادية والمعيشية، وستتحول إيران عمليا إلى كوريا شمالية جديدة في قلب الشرق الأوسط، رغم أن هذا ليس بالأمر السهل، فالشعب الكوري الشمالي في عزلة تامة عن بقية العالم، بما يجعل التحكم به أكثر سهولة.

بينما هناك ملايين الإيرانيين المنتشرين في كافة دول العالم، خاصة في الولايات المتحدة التي يوجد فيها بين نصف مليون ومليون إيراني، يشكّلون واحدة من أكثر الجاليات تعليما، إذ يحمل 60 في المئة منهم شهادة جامعية، حسب مسح أجرته دائرة الإحصاء الأميركية، كما يحتلون أعلى نسبة من أصحاب الأعمال الحرة.

ولا يختلف وضع الإيرانيين في أوروبا كثيرا عن وضعهم في أميركا، والأغلبية المطلقة من هؤلاء بعيدون تماما ثقافيا وسياسيا واجتماعيا عن مفاهيم الجمهورية الإسلامية وتواصلهم مع أقاربهم ومعارفهم في داخل إيران سيكشف لهؤلاء عن حياة البؤس التي يعيشونها في بلادهم مما يرفع احتمال تمرّدهم على النظام، ولن تستطيع الحكومة الإيرانية فعل الكثير مع هؤلاء المغتربين لأنهم يشكّلون مصدر دخل كبيرا لإيران، لا تستطيع الحكومة المغامرة بخسارته.

ومن ناحية أخرى فإن المشاعر الجياشة التي ستحدث بعد الإعلان عن القنبلة النووية الإيرانية ستكون محدودة من ناحية مدتها الزمنية فخلال بضعة أشهر ستخف الاحتفالات تدريجيا في إيران والدول التي تدور في فلكها وستعود الأزمات الاقتصادية والمعيشية إلى الواجهة مجددا لشعوب جائعة تحتفل عبر استعراضات عسكرية بانتصارات مزعومة على الاعداء.

واليوم يستعرض المرشد علي خامنئي كل هذه المعطيات ليقرر بعدها: هل سيمضي قدما في المشروع النووي حتى الوصول للقنبلة النووية التي يأمل بأن تطيل من عمر نظامه مع جعل الشعب الإيراني يتحمّل تبعات هذا القرار اقتصاديا وسياسيا، أم سيتّبع سياسة مهادنة للعالم وإعطاء الأولوية لمعالجة الوضع الاقتصادي والأزمات المعيشية للإيرانيين، هذا ما ستكشف عنه الأسابيع المقبلة.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.