الكاتب مع المفكر سيد القمني
الكاتب مع المفكر سيد القمني | Source: MBN

درجت "مكتبة مدبولي" المصرية الشهيرة على إقامة معارض للكتاب بالعاصمة السودانية الخرطوم في تسعينيات القرن الماضي، وقد كنت من رواد تلك المعارض كلما أعلن عن قيامها.

وفي شهر يناير عام 1997، وفي أثناء جولتي داخل أحد تلك المعارض، لفت نظري كتاب بعنوان "حروب دولة الرسول" لكاتب لم أقرأ له من قبل، هو الدكتور سيد محمود القمني.

ما أثار انتباهي وأنا أقلب صفحات الكتاب قبل اقتنائه ما تبدى لي من منهج مختلف في تناول تلك الحروب بالتركيز على قراءة وتحليل الواقع الاجتماعي والسياق التاريخي الذي نشبت فيه، مما يضيء جوانباً معتمة وغير مطروقة في هذا الإطار، وبعد إكمال قراءة الكتاب بدأت في رحلة البحث عن كل كتب الرجل.

وفي سبتمبر 1998 أتيحت لي فرصة لقاء الدكتور القمني بشقته الكائنة بمدينة الرماية في ضاحية الهرم بالعاصمة المصرية، ولم أشأ أن ألتقيه دون أن أخرج منه بحوار يتناول بعض القضايا الفكرية التي مازالت تشغلني وتمثل محور اهتماماتي في القراءة والكتابة بعد مرور حوالي ربع قرن من ذلك الحوار.                                                                                                                                                                                                                             

بدأت الحوار بطرح السؤال التالي: هل يمكننا النظر للصراع بين التيار العلماني وتيار الإسلام السياسي، الذي هو امتداد طبيعي للصراع الذي نشأ قبل وقت طويل، ومثّل أحد أطرافه في مرحلة تاريخية الشيخ علي عبد الرازق مع الأزهر ثم الأستاذ سيد قطب وسلامة موسى في مرحلة لاحقة، وأخيرا نصر أبوزيد وعبد الصبور شاهين، كصراع ذي خصوصية مصرية لا يمكن تعميمه على كافة الأقطار العربية؟

وجاءت الإجابة من الدكتور القمني على النحو الآتي:

أنا لي رأي خاص في هذا الموضوع قد يستفز حتى بعض المستنيرين العرب. منذ الفتح العربي لبلاد الحضارات تمت التعمية والتغطية على تراث البلاد المفتوحة، حتى صرنا نعتقد أن ثقافتنا بدأت في الحجاز زمن الدعوة الإسلامية ومع عمرو بن العاص والصحابة الآخرين الذين فتحوا تلك البلاد.

بعد الفتح العربي تم تسييد الثقافة العربية وحدها رغم أن للعراق على سبيل المثال امتداده الحضاري العريق، وكذلك لبلاد الشام وفلسطين وكذلك السودان ومصر، وقد تم قطع الذاكرة التاريخية لتلك البلاد حتى يصبح التاريخ العربي تاريخا مقدسا ولكي يتم تثبيت هذه الرؤية كان لا بد من استبعاد السابق وتكفيره، وتم هذا بهاجس الخوف على الأمة من الفتنة فقبلنا سيادة الأمة وسيادة سلاطين الأمة وكثيرا من القمع والظلم والاضطهاد علي حساب الفرد وحقوقه خشية ما سُمى بالشعوبية والخطر الشعوبي وذلك علي الرغم من أنه كان بالإمكان، بل من العلمية، أن يكون هذا التوحد في إطار التعدد.

النموذج الماثل أمامنا في عالم اليوم هو أميركا التي هي بوتقة لمختلف الأجناس والأديان واللغات كلها تنصهر ولا يبقى بعد ذلك غير ماذا تعطي لأميركا كي تعطيك "قانون المنفعة".

هذا هو درس الإمبراطورية العربية في أوج قوتها وتفوقها، "عصر المأمون" كان عصر ازدهار وتطور. أنا أعتقد أن هذه هي المقدمات الصحيحة للصراع الذي تتحدث عنه في سؤالك، هو صراع مستبطن مكبوت بهاجس الحفاظ على وحدة الأمة وقد كان عصر النهضة أول رد فعل وطني ضد فكرة الأمة السيدة على اختيار الفرد. هذه الآراء تثير ضدي الكثير من المشاكل خاصة من الناصريين الذين هم في رأيي مجرد فاشيين.

في إطار تجربة النهضة التي بدأها محمد علي باشا، التي كانت تجربة محورها المواطن، وقد عزز هذا الاتجاه بروز جيل من مفكري النهضة مثل الطهطاوي، وفي رأيي أن الناصرية هي التي أجهضت مشروع النهضة هذا بتبنيها فكرة البطل الملهم.

هذه المعركة التي تسأل عنها هي في جوهرها صراع بين الفاشي والوطني وأهم الفروق بين الاثنين تتجسد في التالي: أولا: الوطني يطلب دولة مدنية للجميع، والفاشي يطلب دولة طائفية. ثانيا: الفاشي يطلب سيادة رأي واحد على بقية الآراء والوطني يفتح النوافذ لكل الآراء. ثالثا: الفاشي يفرض رأيه بالحديد والنار والوطني يفتح صدره للسؤال وللآخر ويعتبر الآخر مكملا له. رابعا: الفاشي يعجز عن المواجهة بالحجة والكلمة فيلجأ للتكفير والقتل، والوطني سلاحه التنوير والكلمة.

سؤالي الثاني للدكتور القمني كان: أهل الإسلام السياسي يعتبرون أن العالم الإسلامي يشهد صحوة كبرى تحتشد فيها الجماهير المسلمة وتتوجه لحسم معركة حضارية، وهي في وجهة نظرهم صحوة باتجاه التاريخ وليست ضده.. ما هو تعليقكم؟

وجاءت إجابته كالتالي:

نحن جربنا الفاشية طوال العقود السوالف ولم يعد بإمكاننا أن نستمر في التجربة، لا على مستوي الوطن ولا العالم ولا الزمن.

نحن تجاهلنا حركة الواقع ورفضنا التكيّف فتجاهلنا هذا الواقع وكانت النتيجة أن أصبحنا عبارة عن "حفرية حية" بينما أصبح العالم في مرحلة "السوبر هومو".

ثم ثانيا هل من علامات الصحوة هذه ما حدث في الجزائر مثلا؟ وهل هي ليست قوية لتلجأ للعنف كما في مصر؟ وهل الصحوة تعني إعادة المرأة للمحبس البيتي وحرمانها من التعليم كما فعلت طالبان في أفغانستان؟ ثم ماذا حققت هذه الصحوة؟ هل أفرزت عِلماً أو حريات أو تقانة أو إسلاما قويا لا يخشى على نفسه من المُخالف بل يحاوره ويناقشه؟ أم أفرزت إسلاما مرعوباً يلجأ للطلقة لإسكات الآخر.

وهل أفرزت الصحوة جماهير واعدة بإقامة أمة قوية؟ لقد وعى ذلك المصري القديم فقال إن "العدد في الليمون"، كناية عن أن لا جدوى من الكثرة بلا محتوى أو مضمون.

هذه الجماهير تم تسليحها وتمكينها من العتاد والصاروخ والدبابة في العراق، ومع أول دقيقة من بدء ضرب ذلك البلد انقطعت اتصالات الجندي بقواده ولو رحل المعتدون لاحتاج هذا الجندي لعدة شهور ليعرف ماذا يريد منه قواده أن يفعل في المعركة في حين أن الصاروخ الأميركي المصنوع من الحديد كان يستجيب للأوامر أولاً بأول!

فماذا فعلت الجماهير أمام العقل أو العلم؟ هل فتحت الجماهير المساحة بين العقل والعلم دون تكفير؟ أنا أفهم أن الإسلام القوي لا يخشى على نفسه، هل هذه الصحوة تلزم البنات بالحجاب والنقاب والعودة للبيت بينما يتفاخرون بأن الصحابيات الأوائل كن ممرضات في المعارك؟

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.