من مشاهد قمة بغداد
من مشاهد قمة بغداد

من دون أن يذهب المرء بتفسيرات قد لا تكون صلبة لأداء وزير الخارجية الإيراني حسين عبد اللهيان خلال مشاركته في مؤتمر بغداد للشراكة والتعاون الذي عقد الأسبوع الفائت في العاصمة العراقية، إلا أنه من المنطقي ان لا تكون طهران مرتاحة لدور عراقي يتعداها ويرسم لبغداد وظيفة غير هضم توتراتها الخاصة وإدارة النزاعات الأهلية التي تعيشها.

وهنا يصير مشهد عبد اللهيان وقد قرر أن يفتتح مشاركته في المؤتمر بزيارة لموقع اغتيال جنرال الحرس الثوري الإيراني بالقرب من مطار بغداد مفهوماً. فالرجل قرر أن يوجه رسالة للمؤتمرين مفادها أن هذه بغداده، وان لطهران "مرقداً" في العراق، وأن الضيوف وصلوا إلى مدينة سليماني.

ولم تقتصر الإشارات غير الدبلوماسية التي أرسلها وزير الخارجية على زيارته مسرح اغتيال سليماني، بل تعدتها إلى إصراره على الوقوف في صف رؤساء الجمهورية خلال التقاط الصورة التذكارية، وتضمينه خطابه في المؤتمر أرقاماً غير صحيحة عن حجم التبادل التجاري بين بلده وبين العراق، وهو ما اضطر رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي إلى تصويبها.

الواضح أن المؤتمر عقد بغير رغبة طهران. وشكلت مشاركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فيه ثقلاً سياسياً ومعنوياً تمكن الكاظمي من توظيفه في رصيده العراقي والإقليمي، وهذا ما لم تعهده طهران بعلاقتها مع ما تعتبره منطقة نفوذ قبلت أن تتقاسمه مع واشنطن، لكنها لن تقبل بسهولة أن تتبلور إرادة عراقية خارج معادلة النفوذ التي صاغتها ضمنياً مع عدوها الذي تحتكر معه المشهد السياسي في بلاد الرافدين.

لا شك بأن المؤتمر كان لافتاً لجهة استعادة بغداد موقعاً كانت فقدته في العقدين الفائتين، وربما في العقود الأربعة الفائتة. فما جرى على هامش المؤتمر من خروق لمشهد الانقسام الإقليمي، يُحسب لرئيس الحكومة العراقية، وصحيح أن هذا الأخير ليس خصماً لطهران، إلا أنه رسم مسافة لدور بغداد تتعدى الوظيفة التي حددتها طهران لها. بالإضافة إلى أن المؤتمر كشف عن رغبة وحاجة دولية وإقليمية في أن يكون لبغداد دور غير هضم النزاعات وتصديرها. وتنطوي هذه الرغبة من دون شك على طموح بانتزاع بغداد من المعادلة القاتلة التي اختارتها لها كل من طهران وواشنطن.

يصبح لهذا الكلام وقع أكبر إذا ما وضعناه في سياق الرغبة الأميركية بالانكفاء، لا سيما في ظل ما مثله وما جره الانسحاب من أفغانستان من مشاهد. فطهران وعلى رغم مرارات الخصومة والصدام مع واشنطن في العراق، سيطرح عليها انكفاء واشنطن مشهداً مختلفاً من المرجح ان لا تشعر بالراحة له. ذاك أن نفوذ واشنطن في العراق لم يشكل عائقاً أمام تمددها في ذلك البلد. لا بل أن توازناً فرضته واشنطن أمن لطهران قواعد انتشار صلبة لطالما جعلت توازنها مع عدوتها على نحو دقيق.

واقعة اغتيال قاسم سليماني جرت ضمن هذه المعادلة، وكذلك وقائع إطلاق الصواريخ على القواعد الأميركية في العراق. طرفا النزاع والنفوذ خاضا حروباً صغيرة لكنها محسوبة بدقة. وما كرس هذه المراوغة التي استعيض فيها عن احتمالي الحرب والسلام بين أميركا وإيران، هو الحرب التي اشتركا فيها على "داعش"، والتي ما كان يمكن لطهران أن تنتصر فيها من دون أميركا، في وقت تولى الحشد الشعبي ملء الفراغ الميداني الذي تمددت إيران عبره في العراق، وهو ما لم يثر حفيظة واشنطن!

انكفاء واشنطن، طالما أن الانسحاب الكامل صار مستبعداً في ضوء فضيحة كابل، لن يكون بالضرورة فرصة لطهران لتبتلع العراق. هذا لا يعني أن بلاد الرافدين ستكون بخير إذا ما انسحبت أميركا منها. فما الذي يضمن للنظام الإيراني "ستاتيكو عراقياً" يتيح له مواصلة نفوذه.

الأمثلة العراقية على هذا الاحتمال عديدة. فبعد قرار الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما سحب القوات من العراق في العام 2013 تدفقت "داعش" واحتلت أكثر من ثلث مساحة العراق ووصلت إلى مشارف بغداد. وفي الشمال العربي والكردي صارت تركيا شريكاً إقليمياً.

وبهذا المعنى يبدو مؤتمر بغداد بمثابة انطلاقة أخرى خارج المعادلة التبادلية بين طهران وواشنطن. وهنا يبرز الدور غير المريح لفرنسا، الذي كشفه ايمانويل ماكرون عبر حرصه على إنجاح المؤتمر بشروط غير مريحة لطهران. هو من ربط مشاركته بعدم دعوة بشار الأسد إلى المؤتمر، وهو من بذل جهوداً موازية لجهود الكاظمي لضمان مشاركة خليجية واسعة فيه، وهو من رسم، عبر زيارتيه إلى الموصل السنية وإلى أربيل الكردية، ملامح مشهد عراقي لا يخاطب الموقع الذي ترغبه طهران للعراق.   

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.