العاهل الأردني
العاهل الأردني

الحلقة الأولى.. "بقرة معلمو لأكرم"

في السلسلة الدرامية التلفزيونية "الخربة"، وهي أحد أكثر الأعمال الدرامية السورية ذكاء وسخرية، أبدع الكاتب السوري العربي الدكتور ممدوح حمادة في ابتكار وخلق "طوطم الرعب" المخيف لأهل الخربة البسطاء، المشغولين بخلافاتهم العائلية وسلطاتهم الموزعة بين مراكز قوى محلية وأكبر، فكان الجميع في تلك القرية الوادعة والوهمية يتحدثون بخوف واضح عن "بقرة معلمو لأكرم".

وأكرم.. هو عنصر أمني يعمل في المخابرات، وهو في أدنى السلم الوظيفي في تلك المؤسسة الأمنية، ومعلمه لأكرم، ليس أكثر من مدير فرع أمني في تلك المنطقة التي تقع فيها قرية الخربة التي يتنازع أهلها على كل شيء، لكنهم يتعاطفون مع حالة الرعب التي يعيشها الراعي فياض بوقعقور، الذي يقضي ساعات يومه ولياليه قلقا على صحة ونفسية وحياة بقرة "معلمو لأكرم" الذي وضعها بين أبقار الراعي ليرعاها، والبقرة على "بهيميتها" تدرك أنها مدعومة أمنيا، فلا تقف إلاّ وسط الشّارع وتتحدّى الرّاعي وسائقي السّيّارات والقرية بأكملها.

في مراحل نهائية من القصة، نكتشف أن كل هذا الرعب لم يكن له أساس ولا معنى، فمعلمو لأكرم شخصيا كان قد نسي أمر البقرة ووجودها كله، لكن نفوذه الأمني بقي حاضرا في البقرة المنسوبة إليه، والتي حظيت بامتيازات فوق الآخرين باسم الأمن الذي يمثله شخص "معلمه لأكرم".

مختصر القول..

بعد أربع أسابيع مثيرة ومتخمة باللقاءات المكثفة بدأت من أقرب نقطة ممكنة للملك، ومن الملك، وجلسة خاصة في بيت رئيس الوزراء الأردني ومنفردة معه، ولقاءات مع كثير من رجال الدولة وأركانها في السياسة والأمن والاقتصاد، ونخب أعضاء اللجنة الملكية التي ملأت الدنيا ولم تشغل الناس، وطبعا في تفاصيل الحياة اليومية مع الناس وبينهم، وجدتني كل يوم، أتذكر بقرة معلمو لأكرم.

وكل يوم في الأردن، أدرك أن الإصلاح قد يكون شاقا لأن فكرة البقرة ومفهوم معلمو لأكرم بالإضافة إلى حضور "وهمي" لأكرم نفسه لا يزال يعيش في عقول الناس ووجدانهم، بل إن خبثاء نخب السياسة والأكاديميا والتسلق الشعبوي كانوا دوما أكثر المستفيدين من ترسيخ فكرة الرعب من بقرة معلمو لأكرم، ويعلقون كل ما يمكن تعليقه على رقبة البقرة وصاحبها.

--

المشهد الأردني لا يزال يحمل ذات الصورة الفانتازية، لكن هذه المرة كان واضحا أن هناك رغبة في التغيير، ليس عند الملك وحده، بل عند كثيرين ممن يرغبون بالتغيير ويسعون إليه.

المشكلة أن هؤلاء" الكثيرين" لدى كل تيار منهم رؤيته الخاصة للتغيير المنشود، مما يعيد إنتاج صراع مراكز القوى بين أطراف، كل طرف فيها يدعي التقرب من الملك، وكل طرف يضع الملك في خطابه الرسمي ليواجه به خصمه الذي يستخدم الملك أيضا في دفاعاته.

حكومة الملك تحاربها مؤسسات الملك، وطاقم مكتب الملك يواجه مؤسسات أخرى تقول إنها تعمل بأمر الملك، وهذا يتضمن بعض أجهزة امنية يترأسها جميعا الملك، ومنها من تبحث عن "صكوك ولاء" عبر مدراء يسعون لإثبات حضورهم "فوق الأمني" في معارك طواحين هواء مفتعلة أمام الملك، خارج سياق عملهم الأمني الواضح.

بين كل هؤلاء وهؤلاء، يبرز المعترضون والمنتقدون أصحاب الصوت المرتفع وطموحات التنفيع المرتفعة أيضا من متسلقي الحراكات وجنرالات البث المباشر (ومنهم نسخ قبلية جديدة برتب أكاديمية) طبعا بالإضافة إلى جهلة يحملون أجهزة ذكية وفقاعات عوالم الفضاء الإلكتروني وكلهم طرحوا أنفسهم معارضين للملك، وفي أحسن الأحوال معارضين لحكومات الملك.

في المنتصف بين الجميع.. وقد التقيتهم في الأردن وتحدثت إليهم، أناس عاديون أغلبهم من فئة الشباب ومنهم تجار ورجال اعمال وموظفون في القطاعين العام والخاص، يؤمنون ان لا حل إلا دولة مؤسسات غابت " عجل الله بعودتها" ومنظومة قوانين تحكم تحت مظلة دستور لا يعلو عليه أحد.

وأثناء ذلك كله.. وبالتزامن مع كل تلك الفانتازيا الأردنية، يجتمع أعضاء لجنة ملكية لتطوير وتحديث تشريعات الحياة السياسية والحزبية، كل يوم وبساعات عمل ونقاش مكثفة وبومضات إثارة لا تخلو من الطرافة التي وجد البعض فيها مساحة لاستعراضاته المسرحية أمام جمهور أردني، تحول أغلبه بفعل عوامل التجوية والتعرية السياسية والاقتصادية ولسنوات تراكمية طويلة إلى جمهور مفترس يبحث عن أبطال من ورق يقدمون له قرابين الدم عبر التشهير والفضائحية والدس والنميمة والصحافة الصفراء المرتزقة.

--

خلال عشاء كانت نسبة الدسم السياسي في تركيبة حضوره من ذوات محترمة تتفوق على دسم الطعام الذي تم تقديمه، كنت أنا القادم من بعيد محملا بأسئلة عامة لها إطارات شمولية عن الدولة والمواطنة أكاد أضيع في متاهات الحديث في تفاصيل الجلسة التي غلبت عليها التفاصيل الفنية والتقنية والجدل حول نسب المشاركات في الأحزاب وأرقام" العتبة" ونسب الكوتا، وما قد تفضي إليه كل تلك التفاصيل كطريق مرصوف إلى جحيم سياسي كما يراه البعض!

كان الخلاف في الجدل "الدسم" واضحا وجليا في تحديد مصير الدولة من خلال أحزابها "المفترضة"، التي يرى الملك منذ سنوات أنها يجب أن لا تتجاوز الأربع أحزاب سياسية أو ثلاث تيارات عريضة تنجح في البرلمان، وتتشكل الحكومات على أسس الأغلبية والتوافقات.

تلك رؤية عصرية وحالمة ونموذجية لأردن تدخل الدولة فيه مئويتها الثانية - بارتباك سياسي محلي وإقليمي- ولكنها أيضا رؤية أدنى متطلباتها الهندسية افتراض وجود وعي سياسي واجتماعي يحتضن فكرة الحياة الحزبية التعددية، كما يفترض منطقا وبالضرورة وجود دولة مؤسسات دستورية وقوانين ناظمة للحياة بكل تفاصيلها.

السؤال إذن:

في حال افترضنا بأقصى حسن النوايا، وجود ثلاث أحزاب سياسية مع حزب تيار الإخوان المسلمين في الساحة السياسية، فهل يمكن أن يستقيم الحال مرة واحدة، وإلى الأبد، في ظل غياب حقيقي للدولة والمؤسسات والقانون؟

كيف يمكن للأحزاب "كمفهوم" والحزبية كسلوك سياسي أن تحل محل القبيلة، أو تكون بديلا عن مؤسسات اجتماعية قائمة على المحاصصة الديمغرافية، وواقع الحال يقول إن بعض دواوين العائلات التي تم تأسيسها لغايات الأفراح والأتراح قادرة على الاستقطاب أكثر من كل الأحزاب السياسية الموجودة (ما عدا تيار الإخوان المسلمين، المتمكن من تنظيم جمهور ديماغوجي بقوة الشعارات فقط).

كيف يمكن للأحزاب أن تزيح ركاما من الخوف الشعبي في مواجهتها، وقد غذته الممارسات الأمنية، إما بالاعتقالات في مراحل سابقة، أو بالإقصاءات الوظيفية والمضايقات الأمنية إلى زمن قريب.

أصدق جدا ما قاله لي مصدر أمني رفيع المستوى إن الجهات الأمنية مستعدة لا لرفع يدها الضاغطة على المشهد وحسب، بل ودعم ورفد الحكومة والمؤسسات الرسمية وكامل الدولة بكل ما يلزم لتحقيق الرؤية الإصلاحية للملك!

أصدق ذلك، لأني أصدق أن صبر الملك نفسه نفذ، وقد أدرك شخصيا ضرورة الوصول إلى إصلاح سياسي سريع وفوري قادر على لملمة الدولة، هذا الإدراك الملكي جاء بعد تجربة قاسية وشرسة وشخصية بين الملك وأخيه الأمير، الذي تجاوزت طموحاته حدودها الدستورية، والدستور وحده من حمى ويحمي العرش كما أدرك صاحب العرش الجالس عليه.

لكن مرة أخرى، نطرح الأسئلة:

هل تكفي رغبة الملك؟ وهي رغبة ليست جديدة ولا مستحدثة. هل تكفي تلك الرغبة الملكية مهما بلغ منسوب الشغف والصدق فيها لفكفكة منظومة معقدة من التركيبات السياسية والاجتماعية والمؤسسية ناهيك عن تدخلات إقليمية واضحة تستهدف الأردن والعرش والملك نفسه أيضا؟

--

هذه حلقة أولى أطرح فيها الاستهلالات والأسئلة التي حاولت خلال فترة شهر تقريبا أن أجد لها أجوبة، أو على الأقل مفاتيح فهم من كل ما قرات وسمعت وشاهدت وقابلت والتقيت.

هل تنجح عملية الإصلاح السياسي بنهاية عمل اللجنة الملكية بوضع مخرجاتها؟ أم أن هناك معركة قادمة قد تكون شرسة لتمرير التعديلات الدستورية والقوانين والتشريعات التي قد تهز مصالح ومراكز قوى تبحث عن مخرج آمن لمكتسباتها التاريخية؟

أليس من الأجدى والأولى أن يستعيد الأردنيون دولتهم بكامل أهليتها الدستورية والمؤسساتية قبل ان يتحدثوا عن حكومات برلمانية؟

هل الوعي الجمعي الأردني جاهز ومؤهل لحياة حزبية؟ وهل النخب الموجودة قادرة على تنظيف نفسها من الانتهازيين وقادرة على إيقاف عجلة تدوير ذات الأسماء؟

والسؤال الذي سمعته أكثر من مرة، وبالأدق سمعته كإجابة حاسمة من كثير من النخب والمقربين من الملك وقد كنت أسأل: ماذا لو تعرضت مخرجات الإصلاح إلى تعطيل جديد مثل كل مرة؟

أو ان مخرجات الإصلاح المنبثقة عن لجنة الملك لن ترتقي لمستوى رؤية الملك نفسه، فهل سيتدخل الملك أيضا وهل سيشكل لجنة خبراء مثلا لتترجم أوراقه النقاشية إلى تشريعات وقوانين حية ونابضة؟

كان الجواب صادما - لي على الأقل- بأن الملك سيتدخل بنفسه لفرض الإصلاح السياسي وقد يفعل ذلك كله!

هل هي حقيقة تحدث بها الملك مع مقربين منه مثلا؟ أم هي أمنيات محسوبة على الملك ليتدخل؟

لكن قد يكون هذا حقيقيا ونحن نرى حركة الإصلاح السياسي تتحرك بتثاقل شديد وباتجاه معاكس لرغبة "قوى الوضع الراهن" من أجهزة أو أجنحة من أجهزة وأشخاص ذوي نفوذ وحضور ومؤسسات قبلية وكانتونات ذات ثقل اجتماعي وديني، والإصلاح فعليا لا يجد صداه إلا عند الملك كحالة ضرورة تتجاوز طموحه الشخصي هذه المرة، بل وبحسابات أمن غريزية عند الملك فإن تأخير استحقاقات الإصلاح السياسي قد تكون الأخطر، وقد ثبت أنها الخاصرة الرخوة للمملكة والدولة والعرش بعد حادثين كان يمكن لهما أن لا يتجاوزا حجمهما الطبيعي متناهي الصغر، لو توفر وجود الدولة بكامل أهليتها الدستورية والمؤسساتية والقانونية، وهو وجود بحد ذاته يحتم غياب مؤسسة الفساد التي تغولت وتوغلت واختطفت الدولة نفسها.

وعودا على بدء..

فإن ما ذكرناه بداية عن "بقرة معلمو لأكرم" كانت حاضرة في وجدان الجميع، حتى في لقاءات جمعتني مع مسؤولين أمنيين وسياسيين، وفي كل اللقاءات كان هناك عند الأردنيين إما خوف من بقرة معلمو لأكرم، وعند كثيرين "وهذا المدهش" كان هناك خوف من فقدان حضور بقرة معلمو لأكرم.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.