العاهل الأردني
العاهل الأردني

الحلقة الأولى.. "بقرة معلمو لأكرم"

في السلسلة الدرامية التلفزيونية "الخربة"، وهي أحد أكثر الأعمال الدرامية السورية ذكاء وسخرية، أبدع الكاتب السوري العربي الدكتور ممدوح حمادة في ابتكار وخلق "طوطم الرعب" المخيف لأهل الخربة البسطاء، المشغولين بخلافاتهم العائلية وسلطاتهم الموزعة بين مراكز قوى محلية وأكبر، فكان الجميع في تلك القرية الوادعة والوهمية يتحدثون بخوف واضح عن "بقرة معلمو لأكرم".

وأكرم.. هو عنصر أمني يعمل في المخابرات، وهو في أدنى السلم الوظيفي في تلك المؤسسة الأمنية، ومعلمه لأكرم، ليس أكثر من مدير فرع أمني في تلك المنطقة التي تقع فيها قرية الخربة التي يتنازع أهلها على كل شيء، لكنهم يتعاطفون مع حالة الرعب التي يعيشها الراعي فياض بوقعقور، الذي يقضي ساعات يومه ولياليه قلقا على صحة ونفسية وحياة بقرة "معلمو لأكرم" الذي وضعها بين أبقار الراعي ليرعاها، والبقرة على "بهيميتها" تدرك أنها مدعومة أمنيا، فلا تقف إلاّ وسط الشّارع وتتحدّى الرّاعي وسائقي السّيّارات والقرية بأكملها.

في مراحل نهائية من القصة، نكتشف أن كل هذا الرعب لم يكن له أساس ولا معنى، فمعلمو لأكرم شخصيا كان قد نسي أمر البقرة ووجودها كله، لكن نفوذه الأمني بقي حاضرا في البقرة المنسوبة إليه، والتي حظيت بامتيازات فوق الآخرين باسم الأمن الذي يمثله شخص "معلمه لأكرم".

مختصر القول..

بعد أربع أسابيع مثيرة ومتخمة باللقاءات المكثفة بدأت من أقرب نقطة ممكنة للملك، ومن الملك، وجلسة خاصة في بيت رئيس الوزراء الأردني ومنفردة معه، ولقاءات مع كثير من رجال الدولة وأركانها في السياسة والأمن والاقتصاد، ونخب أعضاء اللجنة الملكية التي ملأت الدنيا ولم تشغل الناس، وطبعا في تفاصيل الحياة اليومية مع الناس وبينهم، وجدتني كل يوم، أتذكر بقرة معلمو لأكرم.

وكل يوم في الأردن، أدرك أن الإصلاح قد يكون شاقا لأن فكرة البقرة ومفهوم معلمو لأكرم بالإضافة إلى حضور "وهمي" لأكرم نفسه لا يزال يعيش في عقول الناس ووجدانهم، بل إن خبثاء نخب السياسة والأكاديميا والتسلق الشعبوي كانوا دوما أكثر المستفيدين من ترسيخ فكرة الرعب من بقرة معلمو لأكرم، ويعلقون كل ما يمكن تعليقه على رقبة البقرة وصاحبها.

--

المشهد الأردني لا يزال يحمل ذات الصورة الفانتازية، لكن هذه المرة كان واضحا أن هناك رغبة في التغيير، ليس عند الملك وحده، بل عند كثيرين ممن يرغبون بالتغيير ويسعون إليه.

المشكلة أن هؤلاء" الكثيرين" لدى كل تيار منهم رؤيته الخاصة للتغيير المنشود، مما يعيد إنتاج صراع مراكز القوى بين أطراف، كل طرف فيها يدعي التقرب من الملك، وكل طرف يضع الملك في خطابه الرسمي ليواجه به خصمه الذي يستخدم الملك أيضا في دفاعاته.

حكومة الملك تحاربها مؤسسات الملك، وطاقم مكتب الملك يواجه مؤسسات أخرى تقول إنها تعمل بأمر الملك، وهذا يتضمن بعض أجهزة امنية يترأسها جميعا الملك، ومنها من تبحث عن "صكوك ولاء" عبر مدراء يسعون لإثبات حضورهم "فوق الأمني" في معارك طواحين هواء مفتعلة أمام الملك، خارج سياق عملهم الأمني الواضح.

بين كل هؤلاء وهؤلاء، يبرز المعترضون والمنتقدون أصحاب الصوت المرتفع وطموحات التنفيع المرتفعة أيضا من متسلقي الحراكات وجنرالات البث المباشر (ومنهم نسخ قبلية جديدة برتب أكاديمية) طبعا بالإضافة إلى جهلة يحملون أجهزة ذكية وفقاعات عوالم الفضاء الإلكتروني وكلهم طرحوا أنفسهم معارضين للملك، وفي أحسن الأحوال معارضين لحكومات الملك.

في المنتصف بين الجميع.. وقد التقيتهم في الأردن وتحدثت إليهم، أناس عاديون أغلبهم من فئة الشباب ومنهم تجار ورجال اعمال وموظفون في القطاعين العام والخاص، يؤمنون ان لا حل إلا دولة مؤسسات غابت " عجل الله بعودتها" ومنظومة قوانين تحكم تحت مظلة دستور لا يعلو عليه أحد.

وأثناء ذلك كله.. وبالتزامن مع كل تلك الفانتازيا الأردنية، يجتمع أعضاء لجنة ملكية لتطوير وتحديث تشريعات الحياة السياسية والحزبية، كل يوم وبساعات عمل ونقاش مكثفة وبومضات إثارة لا تخلو من الطرافة التي وجد البعض فيها مساحة لاستعراضاته المسرحية أمام جمهور أردني، تحول أغلبه بفعل عوامل التجوية والتعرية السياسية والاقتصادية ولسنوات تراكمية طويلة إلى جمهور مفترس يبحث عن أبطال من ورق يقدمون له قرابين الدم عبر التشهير والفضائحية والدس والنميمة والصحافة الصفراء المرتزقة.

--

خلال عشاء كانت نسبة الدسم السياسي في تركيبة حضوره من ذوات محترمة تتفوق على دسم الطعام الذي تم تقديمه، كنت أنا القادم من بعيد محملا بأسئلة عامة لها إطارات شمولية عن الدولة والمواطنة أكاد أضيع في متاهات الحديث في تفاصيل الجلسة التي غلبت عليها التفاصيل الفنية والتقنية والجدل حول نسب المشاركات في الأحزاب وأرقام" العتبة" ونسب الكوتا، وما قد تفضي إليه كل تلك التفاصيل كطريق مرصوف إلى جحيم سياسي كما يراه البعض!

كان الخلاف في الجدل "الدسم" واضحا وجليا في تحديد مصير الدولة من خلال أحزابها "المفترضة"، التي يرى الملك منذ سنوات أنها يجب أن لا تتجاوز الأربع أحزاب سياسية أو ثلاث تيارات عريضة تنجح في البرلمان، وتتشكل الحكومات على أسس الأغلبية والتوافقات.

تلك رؤية عصرية وحالمة ونموذجية لأردن تدخل الدولة فيه مئويتها الثانية - بارتباك سياسي محلي وإقليمي- ولكنها أيضا رؤية أدنى متطلباتها الهندسية افتراض وجود وعي سياسي واجتماعي يحتضن فكرة الحياة الحزبية التعددية، كما يفترض منطقا وبالضرورة وجود دولة مؤسسات دستورية وقوانين ناظمة للحياة بكل تفاصيلها.

السؤال إذن:

في حال افترضنا بأقصى حسن النوايا، وجود ثلاث أحزاب سياسية مع حزب تيار الإخوان المسلمين في الساحة السياسية، فهل يمكن أن يستقيم الحال مرة واحدة، وإلى الأبد، في ظل غياب حقيقي للدولة والمؤسسات والقانون؟

كيف يمكن للأحزاب "كمفهوم" والحزبية كسلوك سياسي أن تحل محل القبيلة، أو تكون بديلا عن مؤسسات اجتماعية قائمة على المحاصصة الديمغرافية، وواقع الحال يقول إن بعض دواوين العائلات التي تم تأسيسها لغايات الأفراح والأتراح قادرة على الاستقطاب أكثر من كل الأحزاب السياسية الموجودة (ما عدا تيار الإخوان المسلمين، المتمكن من تنظيم جمهور ديماغوجي بقوة الشعارات فقط).

كيف يمكن للأحزاب أن تزيح ركاما من الخوف الشعبي في مواجهتها، وقد غذته الممارسات الأمنية، إما بالاعتقالات في مراحل سابقة، أو بالإقصاءات الوظيفية والمضايقات الأمنية إلى زمن قريب.

أصدق جدا ما قاله لي مصدر أمني رفيع المستوى إن الجهات الأمنية مستعدة لا لرفع يدها الضاغطة على المشهد وحسب، بل ودعم ورفد الحكومة والمؤسسات الرسمية وكامل الدولة بكل ما يلزم لتحقيق الرؤية الإصلاحية للملك!

أصدق ذلك، لأني أصدق أن صبر الملك نفسه نفذ، وقد أدرك شخصيا ضرورة الوصول إلى إصلاح سياسي سريع وفوري قادر على لملمة الدولة، هذا الإدراك الملكي جاء بعد تجربة قاسية وشرسة وشخصية بين الملك وأخيه الأمير، الذي تجاوزت طموحاته حدودها الدستورية، والدستور وحده من حمى ويحمي العرش كما أدرك صاحب العرش الجالس عليه.

لكن مرة أخرى، نطرح الأسئلة:

هل تكفي رغبة الملك؟ وهي رغبة ليست جديدة ولا مستحدثة. هل تكفي تلك الرغبة الملكية مهما بلغ منسوب الشغف والصدق فيها لفكفكة منظومة معقدة من التركيبات السياسية والاجتماعية والمؤسسية ناهيك عن تدخلات إقليمية واضحة تستهدف الأردن والعرش والملك نفسه أيضا؟

--

هذه حلقة أولى أطرح فيها الاستهلالات والأسئلة التي حاولت خلال فترة شهر تقريبا أن أجد لها أجوبة، أو على الأقل مفاتيح فهم من كل ما قرات وسمعت وشاهدت وقابلت والتقيت.

هل تنجح عملية الإصلاح السياسي بنهاية عمل اللجنة الملكية بوضع مخرجاتها؟ أم أن هناك معركة قادمة قد تكون شرسة لتمرير التعديلات الدستورية والقوانين والتشريعات التي قد تهز مصالح ومراكز قوى تبحث عن مخرج آمن لمكتسباتها التاريخية؟

أليس من الأجدى والأولى أن يستعيد الأردنيون دولتهم بكامل أهليتها الدستورية والمؤسساتية قبل ان يتحدثوا عن حكومات برلمانية؟

هل الوعي الجمعي الأردني جاهز ومؤهل لحياة حزبية؟ وهل النخب الموجودة قادرة على تنظيف نفسها من الانتهازيين وقادرة على إيقاف عجلة تدوير ذات الأسماء؟

والسؤال الذي سمعته أكثر من مرة، وبالأدق سمعته كإجابة حاسمة من كثير من النخب والمقربين من الملك وقد كنت أسأل: ماذا لو تعرضت مخرجات الإصلاح إلى تعطيل جديد مثل كل مرة؟

أو ان مخرجات الإصلاح المنبثقة عن لجنة الملك لن ترتقي لمستوى رؤية الملك نفسه، فهل سيتدخل الملك أيضا وهل سيشكل لجنة خبراء مثلا لتترجم أوراقه النقاشية إلى تشريعات وقوانين حية ونابضة؟

كان الجواب صادما - لي على الأقل- بأن الملك سيتدخل بنفسه لفرض الإصلاح السياسي وقد يفعل ذلك كله!

هل هي حقيقة تحدث بها الملك مع مقربين منه مثلا؟ أم هي أمنيات محسوبة على الملك ليتدخل؟

لكن قد يكون هذا حقيقيا ونحن نرى حركة الإصلاح السياسي تتحرك بتثاقل شديد وباتجاه معاكس لرغبة "قوى الوضع الراهن" من أجهزة أو أجنحة من أجهزة وأشخاص ذوي نفوذ وحضور ومؤسسات قبلية وكانتونات ذات ثقل اجتماعي وديني، والإصلاح فعليا لا يجد صداه إلا عند الملك كحالة ضرورة تتجاوز طموحه الشخصي هذه المرة، بل وبحسابات أمن غريزية عند الملك فإن تأخير استحقاقات الإصلاح السياسي قد تكون الأخطر، وقد ثبت أنها الخاصرة الرخوة للمملكة والدولة والعرش بعد حادثين كان يمكن لهما أن لا يتجاوزا حجمهما الطبيعي متناهي الصغر، لو توفر وجود الدولة بكامل أهليتها الدستورية والمؤسساتية والقانونية، وهو وجود بحد ذاته يحتم غياب مؤسسة الفساد التي تغولت وتوغلت واختطفت الدولة نفسها.

وعودا على بدء..

فإن ما ذكرناه بداية عن "بقرة معلمو لأكرم" كانت حاضرة في وجدان الجميع، حتى في لقاءات جمعتني مع مسؤولين أمنيين وسياسيين، وفي كل اللقاءات كان هناك عند الأردنيين إما خوف من بقرة معلمو لأكرم، وعند كثيرين "وهذا المدهش" كان هناك خوف من فقدان حضور بقرة معلمو لأكرم.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.