An actor plays the role of "The Conqueror" Ottoman Sultan Mehmet II during a ceremony in front of the historical city walls to…
أتراك يرتدون ملابس عثمانية تقليدية خلال مهرجان في إسطنبول

عندما يشرع أي طالبٍ جامعي في الاشتغال على بحث معين، يكون من ضمن أولى الدروس التي يتعلمها، أن عليه أن يختار لموضوع بحثه محددات زمنية ومكانية وموضوعاتية. لا يمكنك مثلا أن تنجز بحثا عن "المغرب" أو عن "الطلاق" أو عن "التدين" أو عن "الانحراف" أو عن "الزواج"؛ لأنها جميعها مواضيع واسعة جدا تحتاج أن تحدد فيها تيمة معينة وظرفية مكانية وزمانية تدرسها. 

هذا التحديد الموضوعاتي والزمني والجغرافي، لا يلغي باقي مكونات الموضوع؛ لكنه يحدد اختيار الباحث ويلزمه بإطار معين لعمله.

نفس الشيء بالنسبة لأي تقرير صحافي، كيفما كانت طبيعته: لابد من تحديد موضوع وزاوية للطرح.

قد يبدو الأمر بديهيا ومنطقيا لا يحتاج للنقاش، فلكل موضوع عشرات الزوايا التي يمكننا التطرق له من خلالها، والتي نختار منها في النهاية زاوية واحدة.

لكن هذه الرؤية المنطقية تتوقف بمجرد ما يتطرق الباحث أو الصحافي لموضوع مزعج للبعض، ليجد نفسه أمام عشرات الأسئلة التي تشكك في النوايا.

على سبيل المثال لا الحصر، فقد تابعت التعليقات الكثيرة حول ملف صحافي من خمسة أجزاء، نشره موقع إعلامي مغربي مهتم بقضايا التاريخ. 

تحت عنوان: "وحشية العرش العثماني"، يتطرق الملف لقانون قتل الإخوة والأبناء في الدولة العثمانية. المقال يذكر المصادر والمراجع التي اعتمد عليها والتواريخ والأسماء وكل التفاصيل المرتبطة بـ "القانون نامه" الذي سنه السلطان العثماني محمد الفاتح، والذي يعطي فيه الشرعية القانونية والدينية لأي سلطان بأن يقتل إخوته وأبناءه بمجرد توليه الحكم، تفاديا للفتنة والصراع حول الحكم؛ وهو بالمناسبة قانون باركه فقهاء ذلك الزمن. 

الملف يذكر، في مختلف أجزائه، كل المراجع التاريخية التي اعتمد عليها. كما أننا اليوم نستطيع، عبر بحث صغير على محرك البحث "غوغل"، التأكد من مختلف المعطيات للمحاججة بمعطيات حقيقية بدل السب والاتهام. 
لكن لا! لماذا نبحث لنطور معارفنا؟ يكفينا أن نسب ونتهم ونخون.. بل أن الصحافي والموقع اتهموا بالتهجم على الإسلام. فمنذ متى أصبحت الخلافة العثمانية من أركان الإسلام؟ 

هذا الموقف الذي يتكرر كثيرا في كل حديث عن مواضيع مرتبطة بالتاريخ الإسلامي (جرائم الاغتيال والعنف بين الصحابة، بعض الجرائم الوحشية في عهد الأمويين والعباسيين، حكايات الجواري والسبي، إلخ)؛ يجعلنا أمام ملاحظتين أساسيتين تستدعيان أن نتوقف عندهما. 

الملاحظة الأولى تتعلق بأسئلة تتكرر كثيرا في مثل هذه الحالات: "لماذا لا تتحدث عن إنجازات العثمانيين؟"، "لماذا لا تتطرق لكل ما حققه الخلفاء الراشدون؟"، "لماذا لا تتحدث عن أخلاق الخلفاء وعدلهم؟"، "لماذا لا تتحدث عن عظمة الحضارة الإسلامية؟"، إلخ. 

فهل نبعث السائلين لطالب الجامعة أو أي طالب في معهد الصحافة ليشرح لهم بأن لكل بحث موضوعا وزاوية محددة؟ هناك أبحاث وكتب ومقالات كثيرة عن "إنجازات" العثمانيين وعن إنجازات وأخلاق الخلفاء وعن علماء المسلمين (العلماء الحقيقيون طبعا، ممن ساهموا في تقدم وازدهار العلم). لكن، من حق كاتب أو باحث أن يعتمد مصادره ليتحدث عن جوانب أقل إشراقا فيما يتعلق بحقب أو دول أو شخصيات معينة. تلك زاويته للطرح، وهي لا تلغي باقي الزوايا.

الملاحظة الثانية تتعلق بسؤال آخر يتكرر بدوره بأكثر من صيغة، ويمكن أن نلخصه كالآتي: "لماذا لا تتحدث عن وحشية الحروب الصليبية والاستعمار الفرنسي في أوروبا والعنصرية في أميركا؟".

بمعنى أن هؤلاء الأشخاص مستعدون لقراءة نقدية لتاريخ أوروبا وأميركا، ولتاريخ المسيحية واليهودية... لكنهم غير قادرين على مراجعة تاريخهم!

فمتى نعي أنه، ببساطة، في كل الحضارات عبر التاريخ وفي كل جغرافيات العالم، بما فيها حضارتنا وتاريخنا، هناك نقاط مشرقة ونقاط مظلمة فظيعة بشعة؟ 

العالم المتقدم يقبل قراءة تاريخه بمحطاته المشرقة وبنقاطه المعتمة. لكن الكثيرين في مجتمعاتنا ما زالوا غير قادرين على تقبل أي نقد لتاريخنا الديني أو السياسي. بل أنهم يعتبرون أي انتقاد للعباسيين أو العثمانيين أو الأمويين أو للحروب الطاحنة بين الخلفاء تهجما على الإسلام نفسه. يفضلون الحديث عن أمجادهم فقط (علما أن ما نعتبرهم أمجادا يمكن أن يساءَل بدوره، مادام مرتبطا بالغزو والسبي والاستعمار الذي نُصِرّ على تسميته فتحا). يريدون الاحتفاء بعلماء عظماء قدموا، فعلا، الكثير للإنسانية... لكنهم ينسون أن هؤلاء العلماء والمفكرين أنفسهم (الفارابي، ابن سينا، ابن الهيثم، الكندي، ابن رشد، الرازي، إلخ) حوربوا في زمنهم؛ فيهم من قتل وفيهم من هُجِّر ومن أحرقت كتبه ومن تعرض لهجوم الفقهاء والعامة. 

فمتى سنتعلم أن التاريخ كله يمكن أن يساءَل على ضوء معطيات موضوعية... وأننا لا يمكن أن نقبل انتقاد تاريخ الآخر، وتقديس تاريخنا أو اتهام كل من يتطرق له!
 

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.