عرض عسكري لحركة حماس في غزة (أرشيفية)
عرض عسكري لحركة حماس في غزة (أرشيفية)

حين تصبح حركة طالبان هي النموذج الذي يتطلع إليه الفلسطينيون في قطاع غزة وعلى رأسهم حركة حماس أو أي من المناطق الفلسطينية الأخرى، نفهم لماذا يقول رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت أنه لا يرى حلا في الأفق للنزاع مع الفلسطينيين، فآخر ما يريده إي إسرائيلي، بل أي إنسان طبيعي على وجه هذه الأرض، هو أن ينام ويصحو على إمارة إسلامية داعشية إلى جواره! 

وفي مقابلته مع نيويورك تايمز (24 أغسطس 2021) قبيل لقاءه الرئيس جو بايدن في البيت الأبيض، أكد بينيت أيضا أن محادثات السلام لن تحدث جزئيا لأن القيادة الفلسطينية منقسمة وبلا دفة. ويمكن أن يفهم ضمنا بأن الجزء الآخر من كلامه هو أن بينيت نفسه يعارض بشدة السيادة الفلسطينية، بصرف النظر عن حالة الانقسام أو غياب الدفة.
وعلى الصعيد العملي، فإن أي محاولة لمعالجة القضية من شأنها أن تؤدي إلى تفكك ائتلافه الواسع الذي يضم أحزابًا تؤيد قيام دولة فلسطينية وأطرافا أخرى تعارضها.

وتاريخيا كان التشدد والأخطاء الفلسطينية تصب دائما في خدمة أحزاب اليمين الإسرائيلي التي تختبئ أحيانا خلف الشعارات والخطب البلاغية للمسؤولين الفلسطينيين والمتوعدة بتدمير إسرائيل أو طرد اليهود وما شابه.

بيد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي لا يحتاج إلى الاختباء خلف شيء. فقد كفاه رئيس حركة حماس إسماعيل هنية مؤونة ذلك، إذ كان من أوائل الذين سارعوا إلى تهنئة رئيس المكتب السياسي لحركة طالبان الملا عبد الغني برادر، بـما وصفه "اندحار الاحتلال الأمريكي" عن أفغانستان.
وهو أشار في اتصال هاتفي إلى أن "زوال الاحتلال عن التراب الأفغاني هو مقدمة لزوال كل قوى الظلم، وفي المقدمة منها الاحتلال الإسرائيلي عن أرض فلسطين".

وفي وقت لاحق أعلن هنية في كلمة فيديو مُسجّلة بثت في الملتقى العلمائي الدولي الثالث "سيف القدس بوابة التحرير" الذي نظمته "رابطة علماء فلسطين" في قطاع غزة (22 أغسطس 2021)، أن "الصراع على أرض فلسطين هو صراع ديني عقائدي، وأن القدس والمسجد الأقصى والمقدسات هي محور هذا الصراع". كما أضاف بأن "القضية الفلسطينية هي قضية أمة وليست قضية شعب".
وما قاله هنية هنا ليس أمرا جديدا بالطبع. فهو اعتقاد راسخ لدى حماس ولدى غيرها من الجماعات الإسلامية الفلسطينية وغير الفلسطينية. وهم يقولون ذلك سرا وجهرا.

لكن مثل هذا الطرح بالذات كان دائما العقبة الكأداء في طريق حل القضية الفلسطينية، وهو القاضي بتحويلها من قضية سياسية وإنسانية إلى صراع قومي وديني، وبالتالي لم تعد مشكلة فلسطينية إسرائيلية وإنما مشكلة بين اليهود والمسلمين. وهذا يجعلها تتخذ طابعا نهائيا وأبديا وغير مرتبط بالزمان والمكان، فالصراع يمكن أن يستمر إلى أن يقضي أحدهما على الآخر أو يخضع أحدهما للآخر!

كذلك فإن القول بأن القضية الفلسطينية هي قضية أمة وليست قضية شعب، تعني أن من حق الأمة (العربية والإسلامية في هذه الحالة) أن تقرر ما هو مقبول وما هو غير مقبول بشأن هذه القضية. وهذا يجعل هذه الأمة شريكة في اتخاذ القرارات المصيرية والمهمة.
فهل يحق للفلسطينيين والحالة هذه أن يتصرفوا من تلقاء أنفسهم في تقرير مصير الصراع، سواء إنهاءه أو الاستمرار فيه؟ 

إن من يتبني مثل هذا الفهم هو بالتأكيد لا يتطلع إلى حل سياسي للقضية الفلسطينية، وهو غير معني بالقرارات والمبادرات الإقليمية والدولية وغيرها، إلا بالقدر الذي يؤمن له القبول المشروط بها فائدة مرحلية يحسبها عونا له في تحقيق هدفه الاستراتيجي!
إنه يرى نفسه جزءا من صراع أكبر في المنطقة، مثل ذاك الذي تتبناه جماعة الإخوان المسلمين أو تنظيم داعش أو القاعدة والمعروف بالخلافة الإسلامية. فحين تتحقق هذه الخلافة يمكن حينها حل القضية الفلسطينية بصورة شاملة ونهائية! 
كل حل قبل ذلك (أو ما دون ذلك) هو إما مرفوض أو مشروط مرحليا، لأنه يتضمن بقاء إسرائيل، ولا يمكن أن تقوم الخلافة الإسلامية مع وجود دولة لليهود في المنطقة!

لذلك ينبغي قتال إسرائيل حتى النهاية، كما قال القيادي في حماس محمود الزهار في مقابلة مع تلفزيون الأقصى التابع لحماس (19 أغسطس 2021) من أن "زوال إسرائيل حقيقة قرآنية يجب أن نعمل على تحقيقها في هذا الوقت". 
من هنا يكتسب نموذج طالبان الذي صمد لعشرين عاما، بريقا خاصا لدى حركة حماس وغيرها من الجماعات الإسلامية في المنطقة، إذ هو يصب في تأكيد منطقها الذي يرى في استمرار الصراع والحرب غاية وليست وسيلة.

ومن هنا أيضا فإن مسألة الإعجاب بطالبان لا تقف بالطبع عند حدود الفلسطينيين وحماس، بل تتعداهما إلى الكثير من الأفراد والجماعات الإسلامية في الشرق الأوسط الذين وجدوا في الحركة ما يرفع من معنوياتهم ويعيد لهم الثقة المزيفة في أنفسهم، من دون أن ينتبهوا إلى أن ما يحسبونه ماءا "طالبانيا" ليس سوى سراب! 

وأقول إنه سراب لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وطالبان لا يمكن أن تكون نموذجا للحاضر أو المستقبل، هي نموذج للماضي ولكل ما هو مرتكس، وكون هؤلاء وجدوا فيها ضالتهم، فليس ذلك دليلا على تقدمها، ولكنه دليل على تخلفهم وبؤسهم والحضيض الذي وصلوا إليه.  

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.