اللوائح المتضمنة لنفس الاسم العائلي تعددت
اللوائح المتضمنة لنفس الاسم العائلي تعددت

في منتصف ليلة السابع من هذا الشهر، سيسدل الستار على الحملة الانتخابية الجارية في المغرب، لتفتح في اليوم الموالي (8 سبتمبر 2021) أبواب مكاتب التصويت الخاص بثلاث اقتراعات في العملية ذاتها، وهي انتخابات المجالس الجماعية (البلدية والقروية)، وانتخابات المجالس الجهوية، وانتخاب مجلس النواب. ولأول مرة سيجري العمل بقوانين انتخابية جديدة، أهمها إلغاء العتبة و"القاسم الانتخابي". ووفق بيانات لوزارة الداخلية المغربية بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 17 مليونا و983 ألفا و490، من أصل نحو 36 مليون نسمة. 46 % منهم من الإناث. وهو نفس الرقم الذي يمثل نسبة ساكنة المناطق القروية. 

يشارك في الانتخابات الحالية 32 حزبا، قدموا 9998 مرشحا ومرشحة، توزعوا على 1704 لائحة برسم مجموع الدوائر المحلية. أما عدد مقاعد مجلس النواب فهو 395 مقعدا.  

مثل الاستحقاقات الانتخابية السابقة، تؤكد وسائل الإعلام الرسمي، أن "انتخابات الثامن من سبتمبر 2021 ستشكل محطة جديدة على طريق ترسيخ الممارسة الديمقراطية" في المغرب. وأن "التدابير اللازمة قد صدرت لضمان نزاهة ومصداقية الانتخابات" من أجل "كسب الرهان". 

مرشحون بلا وجه 

كل حزب أدلى ببرنامجه الانتخابي وقدم وعوده للناخبين المفترضين. برامج ووعود لا تختلف في صياغتها وبنائها ومنطوقها عما اعتاده الناخبون المغاربة وألفوا سماعه في الانتخابات السابقة. إذ أن محاولات الدفاع عن "مشروع النموذج التنموي" الذي اقترحه ووافق عليه ملك البلاد، وتبنته أغلب الهيئات، يتم باللغة ذاتها، فلا جديد يذكر ولا مجال للإبداع والابتكار والتجديد! ولا مفاجأة لمن ينتظرها جديرة بالتسجيل. الهزالة واضحة على مستوى الخطاب التعبوي والعرض السياسي، حتى أن المرء يحار في تشابه الشعارات واستنساخها وانتحالها، بسيرها ذهابا وإيابا بسلاسة بين مختلف الأحزاب المشاركة في "اللعبة الديمقراطية". 

بل إن مواطنين في أكثر من جهة ومنطقة طردوا مواكب سيارات الحملة الانتخابية التي زارتهم، وأظهرت فيديوهات على موقع اليوتيوب طرد الشباب لممثلي حزب العدالة والتنمية الذي يرأس الحكومة منذ عشر سنوات. حيث واجه الناس أكثر من مرشح إسلامي بكونه لم يغير شيئا ولم يف بوعوده الانتخابية، وإنما غير فقط وحسن من أحواله. الأمر نفسه تكرر مع أحزاب أخرى، مثل حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاتحاد الدستوري وحزب الحركة الشعبية وغيرها. 

إلا أنه لوحظ هذه المرة زيادة في عدد المرشحين الذين بدلوا أحزابهم الأصلية والتحقوا بأحزاب أخرى، أو مرشحين أقدموا على تغيير دوائر ترشيحهم السابقة. في عملية أشبه بـ"هروب" من المواجهة. وهو ما حصل مع رئيس الحكومة الأمين العام لحزب العدالة والتنمية سعد الدين العثماني (65 سنة) الذي أثار تغييره لدائرته للمرة الثالثة على التوالي موجة انتقادات عالية، فمن أنزكان بأغادير (2012) إلى المحمدية بالدار البيضاء الكبرى (2016) إلى دائرة المحيط بالعاصمة الرباط (2021). بخلاف الاشتراكي د.عبد الواحد الراضي (86 سنة) الذي دأب على الالتزام بالترشح بالدائرة نفسها، فأصبح موضع سخرية فيسبوكية لاذعة، اقترحت "اعتماده من لدن منظمة اليونسكو بتصنيفه تراثا برلمانيا عالميا"، بسبب عدد المرات والسنوات الطويلة التي ترشح وصعد فيها إلى البرلمان ممثلا عن دائرة سيدي سليمان (جهة الرباط سلا القنيطرة)، فمنذ أول برلمان في تاريخ المغرب المستقل (1963) ظل عبد الواحد الراضي حاضرا، باستثناء برلمان 1970 الذي قاطعه حزبه الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وسبق للراضي أن كان وزيرا وترأس مجلس النواب. 

كما زادت نسبة من بدلوا انتماءهم الحزبي، فيما يعرف بـ"الترحال  السياسي"، منهم من انعطف يسارا بعد أن كان بحزب يميني. كما تحول محسوبون على اليسار إلى أحزاب اليمين. ما رسخ عدم الثقة الشعبية، وجعل الكثيرين يرددون القول السائر "أولاد عبد الواحد كلهم واحد"، ووصفوا "المتحولين" بكونهم أشخاصا لا يخجلون و"بلا وجه". 

المرشحون "بلا وجه" حقيقة لا مجازا حضروا أيضا بكثرة في هذه الانتخابات، وأغلبهم من النساء، إذ تصادف منشورات وإعلانات انتخابية تتضمن أسماء نسائية عديدة بلا صور. ولوحظت هيمنة ترشيح المحجبات منهن، والمثير أنهن لم يغبن عن لوائح تحالف فيدرالية اليسار، ولوائح الحزب الاشتراكي الموحد الذي تتزعمه امرأة حداثية متحررة وسافرة. 

أما اللوائح المتضمنة لنفس الاسم العائلي فتعددت هي الأخرى. لوائح تتضمن الزوج وزوجته ودريتهما الصالحة مع الأصهار. ونسوق مثل لائحة عائلة حميد شباط الأمين العام السابق لحزب الاستقلال، المتقدم هذا العام للانتخابات الجماعية بمدينة فاس ضمن لوائح حزب جبهة القوى الديمقراطية مع زوجته وأولاده. 

وفي إطار انتقاد الترشيحات العائلية، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي ملصق يتضمن صورة اليسارية د. نبيلة منيب في لائحة زعم إنها تضم ابنتها وصهرها وشقيقها، ليتبين أنها دعاية زائفة، إذ أن من "اتهم" بمصاهرة الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد لا تجمعه بها صلة سوى الانتماء للحزب. لكن بعض الأنصار من صفوف اليسار خصوصا، انطلى عليهم التضليل وتسرعوا قبل التأكد من الحقيقة. وهو ما بادرت إلى توضيحه في تصريح مصور الدكتورة نبيلة منيب رفقة الدكتور أشرف أولقاضي المرشح المعني في دائرة دار بوعزة بإقليم النواصر. إذ توليا معا شرح أنها حملة تضليلية فاشلة من صناعة الحاقدين و"الخائفين المرعوبين" من الاشتراكي الموحد، على حد قول نبيلة منيب. 

 في السياق ذاته تم إعداد ملصقات انتخابية أخرى برموز أحزاب مشاركة وبأسماء مضحكة ووعود ساخرة، لكن سرعان ما يتضح للمتلقي أنها مزيفة وملفقة أنجزت بواسطة استخدام تقنية "الفوتوشوب". 

تغيير "اللوك" والجهاد ضد الكفار 

دائما، عن تغيير الانتماء والترحال السياسي، نذهب إلى مدينة الصويرة (جنوب الرباط)، حيث أن أسماء الشعبي ابنة الملياردير ميلود الشعبي، وأول سيدة انتخبت عمدة في تاريخ المغرب، تعمدت تغيير "اللوك" الخاص بها، وظهرت بـ"لوك" جديد ومختلف لا صلة له بسيدة ثرية حداثية من علية القوم وخريجة جامعة وستمنستر في لندن. فبعد أن كانت تظهر بشعر حليق "كوب غارسون" وسروايل جينز، لما كانت ضمن حزب التقدم والاشتراكية (الشيوعي)، لجأت أسماء الشعبي إلى ارتداء الجلابة النسائية التقليدية وتغطية رأسها في جولتها عبر شوارع وأزقة "موغادور" (الاسم الفنيقي للمدينة)، بغاية إقناع الناخبين للتصويت عليها مرشحة عن حزب الحركة الشعبية اليميني.  

من بين اللوائح التي أثارت الكثير من التعليقات، لائحة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وكيلها من أسرة التعليم الابتدائي، تقدم في دائرة زاوية سيدي علي تمكروت بزكورة في الجنوب، توضح صورته بلحية وشارب معفي أنه من توجه إسلامي، وهو ما ستؤكده تدوينة له نشرها على صفحته بالفيس بوك ووعد فيها ساكنة الدائرة، بـ"إعادة توزيع الثروات والممتلكات، والجهاد ضد الكفار إلى يوم القيامة". وتردد أن قيادة الحزب طلبت من مرشحها المعني حذف التعليق والتوقف عن نشر تدوينات مخيفة وذات نفحة "إرهابية". وهو ما يدل بجلاء على ضعف كبير لدى معظم الأحزاب على التواصل السياسي. 

كورونا تطل فجرا وتنتخب الملياردير 

بالرغم من جائحة كورونا، تمسكت السلطات بإجراء الانتخابات في موعدها المرسوم. لكن وزارة الداخلية المغربية جددت التذكير بمجموعة من التدابير الاحترازية المتخذة للوقاية من الوباء، وأعلنت تدابير طارئة تخص التجمعات العامة والخاصة المنظمة من لدن الأحزاب والمرشحين في سياق الحملة الانتخابية، حيث تقرر منع التجمعات والولائم، على ألا يتخطى عدد المتجولين في الحملة الترويجية عشرة أشخاص، وعدد السيارات المستعملة في قوافل الانتخابات، خمس سيارات.  

وقد أشارت تقارير إخبارية إلى لجوء أتباع حزب العدالة والتنمية بمدينة طنجة (شمال المغرب) إلى الالتفاف على قوانين الحجر الصحي، حيث يحظر التجول ما بين التاسعة ليلا إلى السادسة صباحا، بقيامهم بتوزيع مناشير الحزب الانتخابية بعد صلاة الفجر مباشرة، دون اهتمام بالجلبة والضوضاء التي تسببوا في إحداثها بإزعاجهم للمواطنين النائمين. 

في مراكش أوقفت مسؤولة إدارية بالداخلية رئيس التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش حين كان يهم بإلقاء كلمة في اجتماع تواصلي مع مرشحين من حزبه بمسرح للهواء الطلق. وكما يشهد من حضر الاجتماع "أن السيدة الباشا جلست تتابع اللقاء، واستمعت إلى كلمات بعض الحاضرين، ولم تتدخل إلا عندما تقدم عزيز أخنوش رئيس الحزب لإلقاء خطابه. ساعتها صعدت ممثلة السلطة المحلية بزيها العسكري إلى المنصة وأمرت رئيس الحزب فض الاجتماع فورا، تطبيقا لقوانين الطوارئ والاحترازات الصحية التي يعيشها المغرب بسبب كورونا. 

أجمعت التعليقات على أن القانون هو القانون، لا يميز أحدا. وأشاد آخرون باستجابة أخنوش وخضوعه للقانون. فيما خرج أحد المعلقين المقربين من الأجهزة، "يبشر" بأن عزيز أخنوش هو رئيس الحكومة المقبلة "من دون شك". وأدى بآخرين إلى الارتياب في ملابسات المنع والتوقيف الذي تعرض له الاجتماع التواصلي للملياردير المسيطر على سوق المحروقات في المغرب. 

وللإشارة أن أخنوش في إحدى خرجاته قبل عام ونصف، توعد خصومه ومعارضيه من المواطنين العاديين بـ"إعادة تربيتهم"، ردا على حملة المقاطعة الاقتصادية التي تضررت منها شركته البترولية. 

الثلاثي الحكومي القادم تحت راية العزوف 

لذلك، ينتظر أن تفرز انتخابات 8 سبتمبر 2021 خريطة عالية "البلقنة". تتحكم في ميكانيزماتها السلطة أكثر فأكثر. وهذا هو ما هدف إليه من صاغ دستور 2011 والقوانين الانتخابية المستندة إلى هذا الدستور الذي جاء بعد "انتفاضة 20 فبراير" المنبثقة من رحم الربيع العربي.  

ويبقى أمل حزب العدالة والتنمية ضعيفا في تكرار الفوز بولاية ثالثة، بعد عقدين من رئاسته للحكومة، اعتبارا لإجراء ما يسمى بـ"القاسم الانتخابي" في حساب الأصوات، ونظرا لتقليص عدد مرشحيه إلى نصف ما كان عليه في انتخابات 2016، وسكوته عن تغول سلطوية الدولة باستهداف "مصداقية الإسلاميين".  

فيما ينافس حزب الأصالة والمعاصرة على تبوؤ المرتبة الأولى  لكسر هيمنة إخوان سعد الدين العثماني. وهي الغاية ذاتها التي يراهن حزب التجمع الوطني للأحرار عليها بشراسة لقيادة الحكومة المقبلة. 

لذلك لن تخرج تشكيلة التحالف الحكومي المقبل عن هذا الثلاثي الحزبي، وقد يضاف إليها حزب الاستقلال، أو تؤثث بحزب الاتحاد الاشتراكي كما هو حاصل في الحكومة الحالية التي يشارك فيها الاتحاد بوزير واحد.  

مقابل هذا الثلاثي، نجد ثلاثي أحزاب اليسار الديمقراطي الذي انفرط عقد تحالفه فجأة ليلة الانتخابات، فمن المحتمل أن يتم تحسين ترتيبها وتحقق نتائج متقدمة مقارنة بالانتخابات السابقة. كما ينتظر وصول نبيلة منيب إلى البرلمان لخلافة اليساري عمر بلافريج المتراجع عن الترشيح مرة ثانية لعضوية مجلس النواب. 

كثيرة هي الطرائف والحكايات المصاحبة لانتخابات 2021 كسابقاتها، لكن ما ينبغي تسجيله بشكل عام هو أنها انتخابات تجري دون تفاعل حقيقي وملموس من المعنيين، وبعيدا عن الناخبين والساكنة، فالعزوف هو العنوان الأبرز لهذه الاستحقاقات، والقرف والغضب على الألسنة اتخذ صيغا مختلفة، مثل شتائم وانتقادات يوزعها الناس على من يوقفهم في الشارع أو يطرق أبوابهم ليكلمهم في موضوع الانتخابات. إذ تبين أن استعادة ثقة المواطنين في الأحزاب والعملية السياسية أمر صعب وليس بالهين، بعد أن تزعزعت الثقة أكثر في العقود الأخيرة، بسيادة "المال الحرام" في شراء الذمم... 

ذلك ما يشدد عليه أكثر من مراقب، إن استحقاقات 8 سبتمبر 2021 ستسجل في التاريخ كانتخابات استثنائية في ظروف صحية استثنائية، وبأساليب تذكر بأسلوب وزير الداخلية الراحل إدريس البصري، أو بسلفه الجنرال الدموي محمد أوفقير المتورط في السبعينيات في انقلاب عسكري ضد الملك الحسن الثاني. انتخابات تجرى "بلا رهانات" و"بلا أفق ديمقراطي حقيقي"، وإذا ما بنينا على التخفيف، يمكن القول بأنها "أفشل انتخابات يشهدها المغرب" حسب تدوينة عابرة لصحفي مغربي مخضرم. 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.