الفتاة لم تطلب منه سوى خاتما من الفضة وحفلا بسيطا
الفتاة لم تطلب منه سوى خاتما من الفضة وحفلا بسيطا

"أيظنون أنني إيلون ماسك؟!". بهذه المقدمة، استهل لاجىء سوري في إحدى الدول الأوروبية كلامه لقص تجربته الشخصية بغرض الزواج. وهي تجربة مزجها ببعض التهكم، تلخصت بالتزامه الأخلاقي بتوصية أسرته لاتباع الطريقة التقليدية للارتباط، أي دون معرفة أو علاقة مسبقة بالفتاة، والتقيد بتعاليم دينه، واحترام عادات مجتمعه وتقاليده.

الشاب الذي قصد بداية المجتمعات السورية اللاجئة حديثا للبحث عن شريكة العمر، صدم بأكثر من عائلة تطلب منه عشرات الآلاف من عملة اليورو كمقدم ومؤخر لمهر الزواج، إضافة لشرط حفل زفاف أسطوري وبضع شروط تعجيزية أخرى. فيما اشترطت عليه بعض العائلات شراء عدد من سبائك الذهب تكفي -حسب كلامه- كاحتياطي استراتيجي للبنوك المركزية الدولية.

وبعد محاولات يائسة مع مجتمعات عربية لاجئة ومهاجرة أخرى، انتهى به المطاف بالزواج من فتاة أجنبية جميلة وعاملة ومتعلمة تعليما عاليا، حرص بشدة على التفاخر بخصالها الإنسانية، مضيفا بسعادة أنهما ينتظران مولودهما الأول ويتقاسمان راتبيهما كشريكي حياة، وأنها لم تطلب منه سوى خاتما من الفضة وحفلا بسيطا اقتصر على عدد قليل من الأصدقاء المشتركين.

تجربة الشاب التي جاءت في سياق الدفاع عن نفسه والمطالبة بالكف عن لومه لعدم ارتباطه بفتاة سورية أو عربية مسلمة، ضمن حوار عام اتهم فيه هو وأقرانه من الشبان السوريين والعرب بالكذب والمراوغة، وتفضيلهم الارتباط بأجنبيات لأغراض مصالحهم الشخصية، ومساهمتهم في التسبب بارتفاع نسبة تأخر الزواج لدى الفتيات السوريات والعربيات في بلدانهم الأصلية وفي مجتمعات اللجوء.

وهي تجربة غير فريدة في نوعها، وليست الأولى، ولن تكون الأخيرة. إذ سبق للآلاف من المهاجرين العرب وغير العرب الارتباط بأجنبيات لأسباب مختلفة، وأثمرت معظم هذه التجارب الناجحة عن سعادة أسرية وتفوق مهني وأجيال متعاقبة من الأولاد والأحفاد من ذوي الدماء والأعراق المختلطة.

يعود الحديث عنها اليوم إلى صدارة الاهتمام، توافقا مع  تزايد حركة اللجوء العالمية وارتفاعها إلى نسب لم يسبق لها مثيل، بالتالي المكاشفة بشأنها بما تفرزه من  إشكاليات مستمرة تتعلق بكيفية مواجهة الشبان والشابات لثقافة المجتمعات الجديدة التي لجأوا أو هاجروا إليها، والمفاضلة- إن لم نقل التصادم- بينها وبين ثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم التي يحملونها معهم في الجينات، وفي حقيبة السفر.

في محاكمة  مثل هذه التجربة على سبيل المثال لا الحصر، أمضى هذا الشاب في دولة اللجوء سبع سنوات قبل أن يقرر تحقيق الاستقرار العائلي، قضى نصفها تقريبا في تعلم اللغة والاندماج ثم العثور على عمل يدر عليه دخلا مقبولا. وبحساب سريع، إن أراد أن يوفر مالا يكفي لدفع المهر الذي طلب منه، سيحتاج إلى ما لا يقل عن عشرين عاما إضافية من العمل الدؤوب، أو الاستدانة، أو طلب قرض من البنك، أو العزوف عن فكرة الزواج برمتها.

في المقابل، لو افترضنا أنه مازال في بلده الذي يمر بأحلك الظروف، فهل سيتغير الأمر ويتمكن من تأمين مثل هذه التكاليف الباهظة في سنوات قليلة من عمره؟. بل يمكن اعتباره محظوظا لأنه حظي في بلد اللجوء على ضمان اجتماعي وحالة استقرار وشقة سكنية، والأخيرة تحتاج إلى أكثر من نصف عمره للحصول عليها في بلده، وربما باتت من سابع المستحيلات.

لا تكمن المشكلة في التقاليد والعادات المتبعة في البلد الأم، والتي يحرص اللاجئون والمهاجرون على نقلها معهم كجزء متمم لهوياتهم واستنساخها أينما استقروا. بل على العكس تماما، تشكل هذه السلوكيات الاجتماعية غنى ثقافي مضاف لثقافات المجتمعات الجديدة، ليس مطلوبا تغييرها، ولا إلغائها، بل إعادة النظر فيها وعقلنتها لتليينها ومنحها المرونة التي تتناسب مع متغيرات الحياة ومستجداتها.

المؤمن الحقيقي والأصيل الذي يحرص على العادات والتقاليد، ويلتزم بشريعة دينه، لا يغالي في مطالبه، ويقضي حوائجه وحوائج أبنائه وبناته بالتيسير، والتفهم، وسعة الأفق، والتكافل، والتفهم، وخدمة المجتمع وحفظه عبر تسهيل شروط الزواج والتشجيع عليه ومباركته، والتعامل مع فكرة الزواج على أنه مصاهرة ونسب ومكسب لعائلتين، وليس صفقة تجارية تتم بينهما.

ومن المؤسف أن يلام شاب لعدم دفعه عشرات الآلاف من اليورو للمهر، وبأن قيمتها المادية "أرخص" بكثير فيما لو "سطت" الزوجة الأجنبية لاحقا على نصف ممتلكاته بعد الطلاق  بحسب القوانين الغربية. بحيث يتخذ الحديث عن ارتباط إنساني منحى الحسابات والأرقام وتوقع الأرباح أو الخسائر المالية اللاحقة، كرؤية نمطية بديلة عن مباركة أي ارتباط واحترام المشاعر وحق الاختيار، أضف إلى النظرة التشاؤمية والعنصرية التي ترافق أية حالة زواج بأجنبية، وتوقع الطلاق كنهاية حتمية لها.

يقول مثل شعبي مشرقي دارج بما معناه، إن أردت أن تبقى ابنتك في بيتك، ارفع ثمن مهرها. الملفت أن العديد من الشابات اللواتي اقتحمن الحوار الخاص بتجربة الشاب آنفة الذكر، أبدين حدة تتعلق بإصرارهن على أنهن سيرفعن ثمن مهورهن طالما أن الشبان العرب لا يؤتمن لهم ولم تتغير عقليتهم في كيفية التعامل مع المرأة، وأن المؤخر المرتفع وحده من يلجم الرجل عن التفكير بالطلاق، فضلا عن اتهام الشبان بأنهم لا يسعون للارتباط بشريكة حياة حقيقية، بل شراء جارية تتمتع بوعاء خصب للإنجاب.

هل تكمن المشكلة خلف هذه الأسباب الجوهرية المتعلقة بكيفية التعامل القائمة بين الشبان والنساء؟ أم لتلك الأسباب المادية التعجيزية التي تعيق زواج النسبة الأكبر بينهم؟. يتداخل الأمر ويتسع، ويشكل جزءا من سلسلة شائكة، المكاشفة حولها أمر حيوي، في محاولة لحلحلة بعض الاستعصاء المرافق لهذه الإشكالية، التي تتفاقم في المجتمعات الأم، كما في مجتمعات اللجوء والاغتراب، دون ملاحظة فارق كبير بينهما، أو تطور نوعي ملموس في أحدهما.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.