حال اللبنانيين تدهور بشكل دراماتيكي
حال اللبنانيين تدهور بشكل دراماتيكي

عندما تسير ليلا في عتمة الشوارع الكثيفة التي تفتقد الكهرباء، تصبح كمن يمشي على البيض. إذا كنت محظوظا يأتيك الضوء أحيانا من شرفة، أو من نور سيارة مسرعة. وإلا فعليك أن تحاذر في كل خطوة. وأحيانا ستلجأ إلى ضوء فلاش هاتفك المحمول كي ترى أين تضع قدميك.  

في النهار تزدحم بعض الشوارع بالمشاة والدراجين حول سيارات تتزاحم في طوابير تطول كيلومترات أحيانا. تزعق أبواقها كما أصوات بعض السائقين وعراكهم، خصوصا عندما تعترض الطابور سيارة تحاول شق طريقها عنوة لدخول الطابور الذي يسد الطريق أمام السير. 

وسوف تتعرج خطواتك بين الناس المزدحمين أيضا في فوضى ضاجة. ومنهم من يحمل غالون بنزين تشم رائحته عن بعد، سيفرغه في خزان سياراته أو يبيعه لأحدهم. المحظوظ يقول: عبأت خزان سيارتي. 

أما الأوتوسترادات التي تفرغ من السير في معظمها فستغلق أمامك فجأة، لتنبأك بوجود محطة بنزين. تصطف أمامها السيارات على عرض الأوتوستراد، منتظرة دورها أمام محطة قد تكون لا تزال مقفلة. هناك من ينام في سيارته، وأحدهم توفي فيها. لا بد أن أحدهم سينتج فيلما عن "الحياة" في طوابيرنا المتناسلة. إنها حياة كاملة. أخبرني شاب أنه ذهب مع أولاد خالته سويا في ثلاث سيارات كي يتسلوا لتحمل الانتظار. معظم الشوارع الأخرى ستبدو خالية تماما من الحركة على وجه التقريب. 

الصديقة والأستاذة الناشطة وصفت انشغالاتها اليومية: تفاصيل صغيرة عم تقتلنا يوميا. 

-  وجبة (دورة) الغسيل عم تستغرق أكثر من ٢٤ ساعة. والله أنا موظفة وما قادرة اشترك بـ١٠ أمبير. بشغّل الغسالة وسخّان المي على كهربا الشركة، إذا جاءت. 

- الكوي يتراكم، خاصة أنه فصل الصيف. 

- ما عم نقدر نستعمل الميغابايتس إلا للضرورة. 

- بالكاد عم نلحق نشرج التلفون واللابتوب واللومپادور. 

- لما ما يكون في كهربا شركة ولا اشتراك، عم يهلكنا الضجر. حتى مطالعة كتاب ما منقدر. 

- محبوسين ببيوتنا بسبب أزمة المحروقات. يعني علاقاتنا الاجتماعية عم تتدهور. 

- انتظر أن تبدأ المدرسة تا اطلع من جو الروتين. بس شو هي مقومات بدء العام الدراسي، بالنسبة للأساتذة وللطلاب، وعلى كل المستويات؟ 

- الغلاء فاحش. صرنا عم نعصر حتى النفقات الضرورية. 

- سترس وتعصيب ٢٤ على ٢٤. عم نفش خلقنا ببعضنا. 

وبيسألوني: 

- كيف حالك؟ 

- والله تمام. عايشة من قلة الموت! حضرتنا من الرأي العام! 

سمعت سيدة تخبر صديقتها كمن انتصر في معركة: شرجت تلفوني!! 

اعتذرت ناشطة أخرى، في فشة خلق يائسة عن المشاركة في التظاهرات، قائلة إنه ليس لديها لا بنزين ولا تستطيع الحصول حتى على خبز لإطعام أولادها. فكيف ستتمكن من المشاركة في المظاهرة؟ فهل هي متخاذلة إذا لم تستطع المشاركة في التظاهرات؟  

في هذا الوقت علق أحدهم مزايدا، على إحدى الإذاعات، أن الثوار هم سبب ما نعانيه وما يحصل على الأرض من مشاكل ونزاعات. أين هم الآن؟ لماذا لا نسمع أصواتهم؟ إذا كانوا ضد ما يجري فلماذا لا يتظاهرون؟ إنهم السبب في ذلك. فالثوار ليس لديهم إلا أمر واحد يقومون به: التصويب على الرئيس!! 

هذا منطق حاشية الرئيس. الثوار مصدر الأزمات. لا نسمع في البرامج الحوارية إلا الشتائم التي توجه إلى الشعب القابل بكل هذا الذل. السؤال من هو هذا "الشعب" الذي يشتمه المتكلم ويحمّله مسؤولية الخنوع؟ أليس حضرته من الشعب؟  

أما الشاب الذي في مقتبل العمر في مكتب السفريات فالحل عنده باختصار: يا الله ياخدنا، يا ياخدهم يا ياخد الكل. تركونا بلا مستقبل.. وعن أصدقائه من الشيعة يخبرني: أن وضعهم أسوأ من وضعنا. هم مغلوبون على أمرهم، متضررون ويسكتون خوفا وكي لا يُخونوا. 

هذه عينة عن يوميات اللبناني وحياته التي تضيق يوما بعد يوم.  

من الملاحظ أن مواضيع مقالاتنا، أصبحت تدور حول نفسها، نعالج المواضيع نفسها بتكرار. لأن ما نعيشه نوع من تكرار لنفس المشاكل التي تزداد تدهورا أمام جدار سلطة متحجرة تتقصد إذلال الشعب وإلهاءه بمعيشته اليومية. ما يجري يخرج عن نطاق كل منطق. تتحول حياتنا إلى أحداث تتراكم فوق بعضها البعض.

كل يوم تبرز مشكلة جديدة تغرق البلد فينهمك المسؤولون فيما يوهموننا أنه محاولات لمعالجتها!! وفجأة تبرز مشكلة أخرى فننسى معهم سابقتها ويصبح همنا مواجة الجديدة. 

وهكذا دواليك بحيث نشعر أن الأحداث التي سبقت حصلت في زمن آخر سحيق. إنها دوامة من المشاكل الدائرية المتناسلة التي تغرق اللبناني فتخنقه.  

تكفي قراءة عناوين الصحف ليوم واحد: 

"العتمة الشاملة تهدد بيوت اللبنانيين، نظام الرعاية الصحية في لبنان يتفكك، أزمة المحروقات: الطوابير باقية، المطاحن إلى الإقفال، عمليات خطف عند حدود وادي خالد، غادة عون العبي غيرها ... يللي حمى الإرهابيين عم يحمي المهربين، عون (رئيس الجمهورية!)  اكشفوا المتهمين بالاحتكار والتخزين!، من يلعب بنار الفتنة؟،  براكس (محطة بنزين): انفراج في الأسبوعين المقبلين وتجّار "الغالونات"وراء أزمة الطوابير، مخاوف متصاعدة من "خربطة" أمنيّة جدية، ارتفاع حالات التسمم الغذائي والأجهزة الأمنية تتحرك، هل ستكفي كمية المحروقات الإيرانية لبنان؟

غادة عون (قاضية) تشن غارة قاضية على القضاء، تقرير أمني روسي "خطير" لبنان على فوهة الانفجار الكبير، الجيش ينتشر لفرض الأمن بعد اشتباكات بين قريتين، هيبة الدولة على محك زعران عنقون، تصفية حسابات بين التيار و"الثنائي في مغدوشة"، التأليف معطوب وتفويض اليونيفيل دعم الجيش، بري يغمز من قناة التعطيل العوني و"يلكز" القانون الانتخابي، المواطن بين "إبرة" زيادة الرواتب و"مسلة" ارتفاع الأسعار، القوى الأمنية "جوعانين يا بلدنا"، إرادة التعطيل تهدم فرص التشكيل، العقد تتفاقم والعهد لم يشبع من "الوقت الضائع"، البلد على كف عفريت والمعنيون يعيشون على كوكب آخر، كارثة الطاقة ستسقط البلد... العام الدراسي في خطر." 

ليس الجوع فقط ولا نقص الدواء ولا انقطاع الكهرباء وفقدان مازوت المولدات وبنزين السيارات وغلاء الرغيف، الذي اسمه "العيش" عند المصريين، ولا فقدان الماء. لكنها الطوابير التي تهلك اللبناني فتشغله وتدجنه. طوابير في محطات البنزين، طوابير المصارف دوريا لأن قبض المستحقات بالقطارة. طوابير الأفران... سوف يصبح لكل حاجة طابورا.  

تدهور حال اللبنانيين بشكل دراماتيكي. أمس سمعت أحد المتذاكين من ممثلي التجار أن اللبناني يعيش الآن بحسب قدراته الحقيقية! "لأنه كان يعيش من قبل فوق مستواه بسبب سياسة تثبيت سعر صرف الدولار على 1500 ليرة"! 

مستوى اللبناني الطبيعي بالنسبة له: أن لا يسافر (حسنا!)، لكن أن لا يرتاد لا مطعم ولا مقهى ولا يذوق اللحوم ولا الألبان والأجبان ولا يرسل أولاده إلى الجامعة ويصبح متوسط راتبه 37 دولارا شهريا؟ وأن يعيش بلا ماء ولا كهرباء ولا دواء ولا رغيف؟ مستواه الحقيقي أن يفتقر الغني لأن المصارف سرقت أمواله في سابقة لم يعرفها التاريخ؟ وأن تتبخر ودائع الموظف ومدخرات المتقاعد؟ الطبيعي إذا أن تختفي الطبقة الوسطى حرفيا فيعيش أكثر من 70 في المئة من المواطنين في الفقر المدقع؟ ما هذه الهرطقة؟ 

أمام كل ذلك تصبح أعصاب اللبنانيين في منتهى الهشاشة، دائما على حافة الانفجار، فتكثر الصدامات والعراكات والشجارات في عنف مجتمعي يتصاعد. بعضها بدأ يأخذ بعدا طائفيا على غرار ما حدث في قرية مغدوشة المسيحية التي هاجمها شبان من قرية عنقون المجاورة رافعين هتافات "شيعة، شيعة، شيعة"، ليعتدوا على بعض المنازل ويجبروا أصحاب محطات البنزين على تعبئة سياراتهم بالقوة خارج دوام المحطة. لا ندري بعد ما وظيفة وأبعاد تحريك هذه البيئة كما حصل إبان الثورة من شباب خندق الغميق.

فهذه البيئة تلتزم تعليمات قيادتها عموما. افتعل المشكل وانتهى بتبويس اللحى بين رجال الدين، ليترك شروخا ويشجع المسيحي على الهجرة. 

في الوقت الذي لم يعرف لبنان هجرة بهذه الكثافة سوى مرتين، بحسب المشرف على مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية، ناصر ياسين، سوى هجرة المجاعة الكبرى إبان الحرب العالمية الأولى وهجرة السبعينات أثناء الحرب الأهلية. وهذه الهجرة الجماعية الثالثة ستترك آثارها لعشرات السنين المقبلة وتعيق استعادة لبنان لوضعه الطبيعي حتى ولو تشكلت حكومة فورا لتوقف التدهور المستفحل. 

أليست خطة جهنمية تفرض بالقوة عبر خطابات مفوهة وتوزيع اللاءات؟ فهل سينجح الحزب، بتواطؤ حلفائه ومعارضيهم، بتمكين إيران من الاحتفاظ بنفوذها في لبنان؟  

ألا يبدأ تلمس الحل بعصيان مدني شامل! وباستقالة النواب "السياديين"، وبقيام جبهة سياسية واسعة تعمل على تحرير لبنان بنزع الغطاء الشرعي عنه. ولا بد من الوقوف مع بيان المطارنة الموارنة الذي دق جرس الإنذار واتخذ موقفا حازما ضد من يقف وراء محاولة إزالة لبنان. 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.