واشنطن كانت قد أكدت أنها ستعتمد في علاقتها على أفعال حركة طالبان لا أقوالها
طالبان سيطرت على البلاد قبل استكمال الانسحاب الأميركي.

يشتغل الرأي العام العالمي كثيرا بما يجري في أفغانستان اليوم، لا بسبب قلقه على مآلات الحريات والحقوق، وبالتالي سائر الأحوال المعيشية للشعب الأفغاني فحسب، وإنما ـ أيضا، وهو الأهم ـ بما يعنيه حكم طالبان بالنسبة للعالم خارج حدود أفغانستان، خاصة ما يتعلق بموقفها من جماعات العنف المسلح (= الإرهاب) التي تلتقي معها الحركة على محاور أيديولوجية لا يمكن تجاهلها، ولا التغافل عن حقيقة أنها كانت ـ ولا تزال ـ تفرض نوعا من شبكات الاتصال والتضامن، المباشر وغير المباشر، القوي والفاتر؛ حسب الظروف ومتغيراتها، وحسب تنوع وتحوّل القناعات في تفاعلها مع مسارات الظرف المتغيّر، وحسب المصالح الحركية، والعِرْقيّة، وربما الشخصية، التي تُؤَطِّر كلَّ ذلك في نهاية المطاف.

اليوم، طالبان هي التي تحكم أفغانستان. دعك من تمرّدٍ هنا أو هناك، دعك من مُعارضة هزيلة لن تصمد طويلا، ولا حتى لبضعة أيام. لم يعد محل خلاف أن كلمة طالبان هي الكلمة الفصل في الشأن الأفغاني ، ليس الآن فحسب، بل منذ دخلت كابل قبل ثلاثة أسابيع تقريبا. والملفت هنا أنها منذ تلك اللحظة، لحظة الاجتياح المظفر للعاصمة، وإلى هذا اليوم الذي باتت تسيطر فيه على كامل الأراضي الأفغانية، ترفض إصدار قرارات تشريعية واضحة/ مكتوبة تُحَدّد فيها موقفها الصريح والمفصّل من كل القضايا الإشكالية المُلِحّة التي على ضوئها سيتحدّد مستقبل أفغانستان.  

نعم، ثمة تصريحات مُطمّئِنة، من هنا وهناك. لكنها تصريحات عامة، غير محدّدة، يُطْلقها مَن لا يملك القرار النهائي، وتصدر على شكل مجاملات صحفية، أو على هيئة تعبير دبلوماسي من هذا القيادي الطالباني أو ذاك؛ فكأنما تُعَبِّر عن رغبات وأمنيات، أو حتى عن وعود كلامية عابرة؛ لا تتحمل فيها أية مسؤولية مؤسساتية/ قانونية تفرض عليها شيئا من الالتزامات مستقبلا.

لا شيء غير الوعود ! الوعود والتعهدات قديمة وكثيرة ومستمرة. يذكر مايكل سمبل في دراسة له عام 2012 أن طالبان أشارت ـ أولا ـ  إلى أنه في حال سحبت الولايات المتحدة جنودها فهي على استعداد لقطع صلاتها رسميا بالقاعدة. كما أشارت ـ ثانيا ـ إلى أن لديها رؤية مستقبلية لأفغانستان يسودها السلام والتعددية، كما يستلزم بالضرورة تحقيق نوع من المصالحة مع باقي الجماعات الأفغانية (معضلة أفغانستان، طالبان والولايات المتحدة، ص115). 

هنا ثمة وَعْدان أو تعهّدان، الأول مُمْكن ومُتوقّع، والثاني يكاد يكون مستحيلا؛ إن لم يكن مستحيلا بالفعل. فإذا كانت طالبان مستعدة لقطع علاقاتها مع القاعدة مقابل ثمن مجزٍ/ مُغْرٍ: السماح لها بالاستيلاء على كامل الأراضي الأفغانية، إضافة إلى الاعتراف الدولي بها، فإنها ـ بمنطق تكوينها وأهدافها ـ لا تستطيع الدخول في تعددية حقيقية تضمن شراكة فعلية للمتنوع العرقي والأيديولوجي الأفغاني، إذ الدخول في مثل هذه الشراكة يعني التنازل عن السلطة بدرجتها الضرورية التي تُمَكّنها من سَنّ التشريعات (التي تراها شرعية/ دينية، وتتشرعن بتطبيقها) وتنفيذها على أرض الواقع.

إذن، الممكن في سياق "التعددية الطالبانية" هو ـ في أحسن الأحوال ـ منح بقية الأطياف/ اللاَّطالبانيين بعضَ المناصب العامة، كوزارة أو وكالة وَزارة أو سفارة، ولكن ـ وهنا المحك الحقيقي ـ ستُمْنح هذه المناصب تحت مظلة الحكم الطالباني النافذ تشريعا وقضاءً وتنفيذا. بمعنى أن يصبح الوزير ـ مثلا ـ مُنَفّذا لأمينا للتشريعات الطالبانية على نحو التفصيل، ثم هو مُرَاقَب في سياسيات التنفيذ، فلا حق له في تبنيّ رأي خاص من شأنه أن يخرج على المتوافق عليه طالبانيا. وهنا، وفي النهاية، يتحوّل هذا الآخر/ الـ"غير طالباني" المشارك في الحكم إلى "طالباني فاعل" لا يختلف ـ في ممارسته التنفيذية ـ عن الطالباني الصميم. 

يتوقع المتفائلون بانفتاحٍ طالباني نسبي أن يكون لبعض الولايات والمناطق التي تتمتع بخصوصية دينية/ أيديولوجية أو عرقية، "بعض الاستقلال" في تشريع "بعض القوانين" وتنفيذ "بعض السياسيات" المحلية الخاصة. وهم يبنون تفاؤلهم هذا لا على تحولات مُحْتَملة في طبيعة الأيديولوجيا الطالبانية، وإنما على "منطق المصلحة" الذي ستضطر إليه طالبان اضطرارا؛ حتى تتمكن من تحقيق التسالم الداخلي الذي يضمن لها الاستقرار، ومن ثم الاعتراف بها ـ محليا ودوليا ـ كحاكم شرعي للبلاد. 

هذا ممكن، وهو أحد الحلول بلا شك، وإن كان ـ في تصوري ـ غير متوقّع. أستبعد حدوث هذا ـ إلا في نطاق ضيق جدا ـ في سياق الواقع الذي يؤكد أن طالبان لم تُهَيمن بمنطق التفاوض والتوافق، وإنما بمنطق القوة والإكراه. أعرف أن شرعية القوة تبقى ناقصة ومهدَّدة وقصيرة الأمد؛ إذا لم تُعْضَد بمستوى من التوافق. لكن، هل تعرف طالبان هذا؟ وهل تعترف به؟ وهل يسمح لها منطق الأيديولوجيا بترك مساحة من الخيارات التي تراها تقع في صميم الانحراف الديني؟! 

ومرة أخرى، الممكن في عملية تفويض نوع من السلطات إلى بعض الإدارات المحلية، هو سيكون ـ فقط ـ في "تكييف التنفيذ" للسياسات الطالبانية العامة، ففي النهاية لن يخرج التشريع/ التنفيذ في أية "ولاية" عن السياسة الشاملة الصادرة عن "أمير المؤمنين"، المسؤول أمام الله؛ ليس عن "دنيا" رعاياه من الأفغان فحسب، وإنما ـ وبدرجة أولى وأهم ـ عن "آخرتهم"، عن مُهِمَّته في وضعهم على الطريق المستقيم. 

طبعا، لا أحد يقول بأن طالبان ستطبق قناعاتها الأيديولوجية بالكامل، على كامل التراب الأفغاني، وعلى علاقاتها بالخارج أيضا. ضرورات الواقع تحكم بشيء من التغيير، وسيكون التغيير/ التنازل بمستوى الضرورة، الضرورة لاستقرار الحكم لهم، والضرورة لتسيير معاش الناس. لكن ـ وهنا مفترق الطرق بين الواقع الطالباني والمتوقع منه ـ ليس كل ما هو ضروري فعلا؛ تراه طالبان ضروريا، ليس كُلُّ ما يَعدَّه المراقبون/ المحللون شرطا للاستقرار أو شرطا للتنمية؛ تعدّه طالبان كذلك.

مثلا، كلنا يؤكد أن تعليم المرأة ضروري، وأن عملها ضروري، وكلاهما في أعلى درجات الضرورة. لو اقتنعت طالبان بهذا؛ فلا شك أنها ستسمح بتعليم المرأة وبعملها بحكم الضرورة في الشريعة؛ لا بحكم أصل الجواز الذي هو خارج منطقها السلفي. لكن طالبان ـ في أقصى درجات انفتاحها ـ قد ترى تعليم المرأة مفيدا، وقد ترى عملها مفيدا أيضا. ولكن، ليس ضروريا بالدرجة التي تسمح لها بالتوسع في فتح المدارس وإتاحة العمل العام لها على نطاق واسع (فهذا، على هذه الصورة، مستحيل). 

أعلى درجات الممكن فيما يخص حقوق المرأة الأفغانية هو أن تُوَفِّر لها طالبان، وعلى نطاق محدود، نوعا من التعليم الخاص بالإناث، أي في بيئة منفصلة تماما عن الرجال، وقد تفتح بعض الكليات المتخصصة التي تضمن الخدمات النسوية؛ دون أن تتضمن حقولا معرفية تراها الأيديولوجيا الطالبانية خاصة بالرجال. وكذلك عمل المرأة، فقد تُؤسِّس إداراتٍ معينة تستوعب وظائف نسوية خاصة؛ في بيئات منفصلة أيضا، ولكنها ـ في أفضل الأحوال ـ ستكون هذه هي الاستثناء من قاعدة أن العمل في الأساس هو من حق الرجال!   

المتفائلون قد يُوافقونني على أن هذا هو الممكن في سياق تفاعلات الراهن. لكنهم يُؤكّدون أن هذا الممكن، هذه البدايات الحذرة الخجولة، من شأنها أن تدفع ـ بالتدريج ـ إلى تحولات على أرض الواقع، تحولات لا تستطيع معها الأيديولوجيا إلا أن تتكيف، بل ولا تستطيع معها الأمزجة الذكورية المهيمنة إلا أن تؤمن بالحق الذي ينطق به الواقع: واقع حياة الناس. 

ومع أن هذا في تصوري مستبعد؛ إلا أنه ممكن/ متوقّع بدرجة ما. أو لأقول: إنه ممكن على مدى زمني طويل، مدى زمني تُسْتَنْزَف فيه الأعمار، وتَتضخّم فيه التضحيات المجانية بلا طائل، ويكون "المكتسب المتوقع" المتأخر كثيرا عن موعده، محضَ خسارة، وعنوانَ بؤس، وقاعدةً مجتمعية راسخة ينهض عليها واقعُ انحطاطٍ أليم. 

عموما، ما تستطيعه طالبان من تحولات/ متغيرات، ما هو ممكن ومتوقع في هذا السياق، ليس بالكثير فيما يخص الداخل الأفغاني. أما في علاقتهم في الخارج، فالشروط الأيديولوجية، والتحديات، أخفّ بكثير، إذ في النهاية كل التعهدات والمعاهدات، بل والتحالفات مع "الكفار" تجد مُسوّغاتها الشرعية الواضحة من داخل الفقهيات السلفية الطالبانية التي تستمد شرعيتها من وقائع التاريخ الأول للمسلمين. بينما الداخل الأفغاني ينتظر الكثير من "الانفتاح" الذي يقع ـ ضمن حدود الفقهيات السلفية الطالبانية ـ في دائرة المستحيل.

أخيرا، وِجْهةُ نظري أن التفاؤل بالمستقبل الأفغاني تحت الحكم الطالباني ليس له ما يُبرّره أيديولوجيا ولا واقعيا. وأقولها بكل صراحة: لا تتوقع كثيرا من التحولات الإيجابية في الإدارة الطالبانية؛ حتى لو أظهروا بعض الانفتاح، لا تتوقع التسامح حتى لو أعلنوا التسامح، بل حتى لو طبّقوا بعض الممارسات التي تؤكد تسامحهم، إذ هي لا تعدو أن تكون ضرورات مرحلية، ضرورات يتقدمون بها لا لتسيير حياة الإنسان/ المواطن الإفغاني، وإنما فقط للاشتغال على ما يُعْرف ـ حركيا/ سلفيا ـ بـ"ضرورات التمكين".
 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.