منذ قرابة أربعة سنوات، في مرحلة ما بعد القضاء العسكري المبرم على تنظيم داعش الإرهابي، كان ثمة تفاؤل ثقافي نخبوي بشأن "المكسب" الأخلاقي و"الإنجاز" الروحي الذي يمكن اقتناصه من مجموعة تجربة مجتمعاتنا مع داعش.
كان التفاؤل قائما على اعتقاد يقول إن ذلك الفيض الفظيع من أفعال العنف العدمي والعدوانية التدميرية والخِسة الأخلاقية التي مارسها التنظيم بحق المجتمعات التي حكمها، وباسم وتحت ظلال كتلة من النصوص والخطابات والمرويات والالتزامات المقدسة، أنما من المفترض أن يجر ردا وحسا مقابلا، يقول ويدافع عن الحقوق الأولية المطلقة للبشر، أيا كانوا، ومهما كانت معتقداتهم السياسية والدينية والقومية، وأن يضع معايير مطلقة لفكرة الحياة والعيش المشترك وعدم الأذية على أساس الهوية والمعتقد، تتجاوز أي مقدس وكل إيديولوجيا كانت، ومهما كان موقع فاعلها.
وقبل ذلك، أن تحمل كل الفاعلين في دائرة الممارسة الداعية، من تنظيمات وأيديولوجيات وشخصيات ومرويات، وحتى نصوص مقدسة، سواء أساهموا أو تواطؤوا أو صمتوا، مسؤولية أخلاقية وسياسية وجنائية وثقافية عن كل ما جرى.
اندثر كل ذلك خلال الأيام الماضية. إذ شكل "انتصار" حركة طالبان، والبهجة العارمة بذلك التنظيم، بما في ذلك أناس ونخب وتيارات سياسية تأذت بعمق من داعش وأفعالها، شكل تحطيما مطلقا لذلك التفاؤل الذي كان. إذ بدا واضحا أن المسألة الأخلاقية، بموقعها وأدواتها وحضورها في الحس العام، ما تزال في نقطة الصفر، وربما ما قبلها.
إذ ماذا تعني هذه الاندفاعة المريعة من الترحيب والبهجة والتهليل لتيار وتنظيم كل تاريخه وحاضره هو مجرد كتلة ضخمة من السلوكيات البربرية المدمرة لكل ما يمت للأخلاق الآدمية بصلة. تنظيم لم يلتزم، ولن يلتزم بالأخلاق الآدمية المشتركة بحدها الأدنى، المتمثلة بإبعاد الأذية الجسدية والروحية والرمزية لأسباب تتعلق بالهوية والمعتقد. تنظيم هو الأس العميق للفعلة الداعشية واستلهام وإعادة تكرار لها.
ماذا يعني هذا الابتهاج!، وأية مساحة رمزية وروحية مشتركة يخلقها المبتهجون مع الفاعلين الدواعش والطالبانيين! وهل من محق لفكرة وسؤال الأخلاق أكثر من ذلك!.
***
لأسباب مهنية، أجري منذ سنوات مقابلات مع ضحايا تنظيم داعش الإرهابي، أسمع تفاصيل ما عاشها هؤلاء الضحايا، حيث في أصغر وأخف وأسرع واحدة منها، ثمة ما يندي جبين الآدمية جمعاء، وللأبد. فعلت ذلك بعدما كنت، ولأسباب مهنية أيضا، أتابع تفاصيل ما فعلته طالبان بمجتمع أفغانستان خلال سنوات حكمه المريعة (1996-2001)، بالذات من الضحايا الأفغانيات والأفغان، الذين صادقتهم وزاملتهم خلال هذه السنوات. واليوم يعاد تكرار نفس السيرة بذات الأدوات والأفعال وأشكال الاستخدام.
مجموع كل تلك التجارب، إنه ثمة أفعال خارج أية ممارسة ذات هدف وسياق، فهي ليست حتى أفعال سلطوية بغرض الإخضاع، بل ما دون ذلك بكثير.
ثمة مزيج استثنائي من التمتع وحس الافتراس، مع نشوة تفوق وعنف مطلق، يجلبها وهم الاقتراب من المقدس الأعلى وتطبيق شرائعه. اعتداء بغرض إجلاب طهرانية مزيفة، واجترار أوهام أكثر زيفا، حول الأنا والهوية الجمعية ومعنى العالم.
عنف بربري على المدنيين والنساء والمسنين والأطفال، على أناس مستسلمين لم يفعلوا أي شيء، حتى على ذوي الاحتياجات الخاصة. عنف أرعن على مختلف الطبقات والناس والجهويات، بما في ذلك أبناء الطائفة والقومية نفسها، على الحيوانات والبيئة وكل ما قد يتوفر.
خلال الفترة الفاصلة بين تجربتي طالبان وبينهما التجربة الداعشية، لم يكن شيء يسمى فعل التفكيك والنقد والإدانة لكل ذلك: لا مسرح ولا سينما، لا أغاني ولا أفلام، لا بيانات ومواقف حزبية، وطبعا لا فتاوي ولا خطابات، لا معارف اجتماعية وسياسية ونفسية عن هذه الظاهرة.
كان ثمة عبارة مبتسرة من مثل "أنهم يفهمون الدين بطريقة خاطئة، ولا يفهمون الدين!"، أو "أنهم جزء من المؤامرة!"، وفقط كذلك. حيث كانت تبدو شكلا من التواطؤ والمشاركة أكثر مما هي تضامن وتعاضد مع الضحايا.
المشكلة الأعظم، أن جزء وافرا من هؤلاء الذين تعرضوا لكل هذا، هم والمقربون منهم وتياراتهم السياسية وأناسقهم الإيديولوجية، أنما هم مبتهجون راهنا لما يجري في أفغانستان، لتنظيم هو الأب الموضوعي والروحي لداعش، وتاليا هو الشريك الفعلي لداعش في فعلته، التي مزقت حيوات هؤلاء الناس.
***
ليس لأحد الرغبة بالقول إن معضلة مجتمعاتنا في هذا الإطار هي جزء من السياق الأنثروبولوجي أو الجوهر الثقافي أو النوعية الاجتماعية، كما يحاول عتاة اليمين المتطرف طرحه بأكثر من شكل.
إذ لا بد من مجموعة من التعليلات وأشكال الفهم الموضوعية لهذا المستوى المريع من الفصام الأخلاقي والهتك الروحي. يجب تقديم كل ذلك حتى لا نخرج من سياق التاريخ، كمجتمعات ودول. إذ شهدت غالبية المجتمعات أشكال مريعة من مثل ذلك، لكنها جميعا ما لبثت أن أعادت صياغة روحها وعلاقتها الجمعية مع قضايا الحقوق الأساسية وموقع المقدس من السلوك والحيز العام والسلطة العليا في الحياة. كان ذلك التحول جوهر التحديث والديناميكية الأكثر حيوية للظفر بالمنجز الإنساني.
ثمة عديد التفاصيل التي يمكن طرحها لتعليل ما يجري، على رأسها هذا الهيام المطلق بمعاداة الغرب. حيث في سبيل ذلك الغرام يتحطم كل شيء، بما في ذلك أفظع أشكال الهتك الأخلاقي. فمع هذا الولاء المطلق لمعاداة الغرب، أنما تنعدم كل قابلية للتفكير، وكل نزعة للحس الوجداني والأخلاقي.

