أسماء ضحايا هجمات 11 سبتمبر منقوشة على الرخام حول شلال من المياه
 أسماء ضحايا هجمات 11 سبتمبر منقوشة على الرخام حول شلال من المياه

يحيي الأميركيون يوم السبت الذكرى العشرين لهجمات سبتمبر الإرهابية التي شنّها 19 شابا مسلما ينتمون إلى تنظيم القاعدة، وهزت الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا كما لم يهزها أي عنف على أراضيها منذ مهاجمة اليابان مرفأ بيرل هاربر بولاية هاواي في 7 ديسمبر 1941.

الذكرى الـ20، تأتي بعد أسابيع قليلة من انسحاب دموي ومحرج للقوات الأميركية من أفغانستان، بعد أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة أدت إلى مقتل 2443 عسكريا و3846 متعاقدا، وجرح أكثر من 20 ألفا، وبكلفة فاقت ترليون دولار. الحرب أسفرت أيضا عن مقتل 66 ألف عسكري أفغاني، وأكثر من 47 ألف مدني، وأكثر من 51 ألف مقاتل من حركة طالبان. 

هجمات سبتمبر التي كلفت تنظيم القاعدة أقل من نصف مليون دولار مست وغّيرت جميع أوجه الحياة في أميركا. وبدورها أدت ردود الفعل الأميركية، وخاصة تلك التي اتسمت بالعنف، مثل "الحرب على الإرهاب" وغزو أفغانستان ولاحقا العراق إلى تغيير حياة الملايين في هاتين الدولتين وغيرها من الدول ذات الأكثرية المسلمة، ومجمل علاقات الولايات المتحدة الدولية. الكلفة المباشرة لهجمات سبتمبر (الأثر الاقتصادي والخراب المادي وكلفة شركات التأمين) فاقت 200 مليار دولار، وهذه الكلفة لا تشمل حربي أفغانستان والعراق.

التغييرات الداخلية شملت سبل عمل الكونغرس وخاصة لجهة زيادة حجم الميزانية العسكرية (بعض المحللين يقدرون كلفة حربي أفغانستان والعراق بستة ترليون دولار)، والتنازل العملي عن صلاحيات الهيئة التشريعية (الكونغرس) بشأن الحروب لصالح السلطة التنفيذية أي الرئيس، ما أدى عمليا إلى إطالة حربي العراق وأفغانستان. التغييرات أدت أيضا إلى إعادة هيكلة الأجهزة الحكومية الأميركية بشكل جذري غير معهود، منذ الحرب العالمية الثانية، وخاصة إنشاء وزارة الأمن الوطني التي أصبحت ثالث أكبر وزارة، بعد إلحاق 22 جهاز حكومي بها، ما أوصل عدد موظفيها إلى 240 ألف.

ولكن الكلفة الحقيقية والبعيدة المدى لهجمات سبتمبر تتخطى الخسائر البشرية على الرغم من أهميتها، وتفوق بكثير قيمة الخسائر المادية والمالية التي تكبدتها الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين. هذه الكلفة ناتجة عن الضرر الهائل الذي ألحقه قادة الولايات المتحدة من سياسيين وعسكريين، ومن بارك قراراتهم دون أي نقد من مثقفين ومحللين وإعلاميين بمكانتها المعنوية، وسمعتها كدولة ديمقراطية. 

وليس من المبالغة القول إن هناك علاقة بين الحرب التي شنّها الرئيس الأسبق جورج بوش الابن على الإرهاب وأعقبها بغزو واحتلال دولتين ذات أكثرية مسلمة، والتي يفترض أن تؤدي إلى إحلال النظم والممارسات والمؤسسات الديمقراطية في البلدين، وبين الانتهاكات الأميركية النافرة ضد حقوق الإنسان بما في ذلك أعمال التعذيب باسم مكافحة الإرهاب، والاجتياح الذي قام به المتطرفون والعنصريون الأميركيون في السادس من يناير الماضي ضد صرح الديمقراطية الأميركية في قلب واشنطن: مبنى الكابيتول. بعد سنوات طويلة من محاولاتها الفاشلة لوضع أسس لنظام ديمقراطي في العراق، تجد الولايات المتحدة أن ديمقراطيتها العريقة قد تعرضت إلى هجوم داخلي من جماعات متطرفة وعنصرية معادية للديمقراطية.

خلال العشرين سنة الماضية، صدرت مئات الكتب ونشرت عشرات الآلاف من المقالات والدراسات عن كيفية تعامل الولايات المتحدة مع هجمات سبتمبر 2001، ومعظمها أبرزت النواحي السلبية والداكنة للسياسات التي اعتمدتها واشنطن، وخاصة خلال ولايتي الرئيس بوش، وخلال إدارتها لما أسمته "الحرب على الإرهاب" ليس فقط فوق مسرحي أفغانستان والعراق، ولكن مع حلفائها وخاصة في الدول ذات الأنظمة السلطوية والتي ساعدت الولايات المتحدة في التحقيق مع المشتبه بضلوعهم في الإرهاب.

في الأيام والأسابيع التي أعقبت هجمات سبتمبر الإرهابية، نجحت إدارة الرئيس بوش في إقناع الكونغرس بإعطائها صلاحيات واسعة لشن حرب على الإرهابيين وغزو أفغانستان في أكتوبر 2001 (الحرب في أفغانستان كانت تحت مظلة الأمم المتحدة) وغزو العراق في 2003. هذه الصلاحيات شملت إقرار "قانون المواطنة" الذي يسهل على الحكومة إدارة الحرب على الإرهاب في الداخل والخارج، والذي اعتبر العديد من الحقوقيين أن بعض بنوده غير دستورية، لأنه يعطي السلطات الحكومية صلاحيات واسعة لمراقبة المواطنين الأميركيين وتقييد حرية التعبير.   

وحصلت إدارة الرئيس بوش، باسم مكافحة الإرهاب وحماية الأمن القومي، على غطاء قانوني من وزارة العدل تمثل بعدد من المذكرات التي سمحت باستخدام ما سمي آنذاك "تقنيات الاستجواب المعززة" enhanced interrogation techniques، وهي عبارة مهذبة تعني أساليب تعذيب لا تترك آثارا واضحة جدا على الأجساد ولا تؤدي إلى الوفاة. وأبرز هذه الأساليب هو "الإيهام بالغرق" waterboarding، وهو الأسلوب الذي استخدم في سجن أبو غريب العراقي، وفي سجون الدول الأخرى التي "تعاقدت" معها وكالة الاستخبارات المركزية (سي.آي.أيه) للتحقيق مع المشتبه بضلوعهم في الإرهاب.

إدارة الرئيس بوش، استغلت بنجاح الوقع الهائل لهجمات سبتمبر الإرهابية على الذاكرة الجماعية للأميركيين الذين لم يشهدوا في تاريخهم أي عنف أو إرهاب داخلي مماثل لهجمات سبتمبر منذ الحرب الأهلية قبل أكثر من قرن ونصف. العواصم الأوروبية برمتها وعواصم دول صناعية أخرى مثل اليابان، تعرضت خلال القرن الماضي إما إلى حصار عسكري أو قصف جوي عنيف خلال الحربين العالميتين، ولاحقا تعرضت عواصم ومدن أوروبية عديدة إلى هجمات إرهابية دموية للغاية. ولكن لم تشهد واشنطن أو المدن الأميركية الكبيرة أي عنف مماثل في تاريخها. 

الدراسات العديدة حول مضاعفات هجمات سبتمبر الإرهابية، بما فيها الدراسات الصادرة عن وزارة الدفاع والكونغرس ودراسات المحللين وثقّت بشكل لا لبس فيه ضلوع مسؤولين سياسيين وعسكريين بارزين في تضليل الشعب الأميركي حول قيمة الكلفة الحقيقية البشرية والمادية لحربي أفغانستان والعراق والتغطية على ممارسات التعذيب، وكيفية استخدام الألاعيب اللفظية والبيروقراطية لتبرير الخسائر.  الدراسات كشفت أيضا تردد المسؤولين في الاعتراف بأخطائهم وخوفهم من تحمل مسؤولياتهم وميلهم إلى تأجيل اتخاذ القرارات الصعبة وتركها لمن سيخلفهم.  

الممارسات التي جلبتها "الحرب على الإرهاب"، والطريقة التي صيغت فيها فكريا وسياسيا هذه الحرب وما نتج عنها من مفاهيم وصور نمطية عن الإسلام والمسلمين، إضافة إلى غزو واحتلال أفغانستان والعراق لسنوات طويلة، كلها أدت إلى تأزيم علاقات الولايات المتحدة مع ملايين المسلمين في العالم. الحرب على الإرهاب في العالم انعكست سلبا أيضا على أوضاع المواطنين الأميركيين المسلمين، وعززت من مشاعر التعصب ضدهم في أوساط المتشددين والمتطرفين الذين يرفضون أصلا هجرة المسلمين والملّونين إلى الولايات المتحدة. (طبعا ساهمت أعمال العنف العبثي التي قام بها بعض المواطنين المسلمين الأميركيين ضد المدنيين خلال العقدين الماضيين في تأزيم وضع المسلمين الأميركيين). 

هذه الصور النمطية عن المسلمين، استغلها اليمين الأميركي المتطرف، واستخدمها بنجاح مؤذ للغاية المرشح الجمهوري دونالد ترامب في حملته الانتخابية عام 2016، وكانت اساس أحد قراراته الأولى، وهو حظر سفر رعايا بعض الدول ذات الأكثرية المسلمة إلى الولايات المتحدة. هذه المشاعر ضد المسلمين أصبحت جزءا لا يتجزأ من مشاعر العداء ضد المهاجرين من الدول غير الأوروبية، والتي أصبحت من أبرز سياسات الرئيس السابق ترامب، ومن أسباب تمسك قاعدته به. 

عندما يفكر المرء بأن 19 شابا نفذوا هجمات سبتمبر الإرهابية بكلفة بسيطة، ونجحوا في إلحاق أضرار ضخمة بأهم وأقوى دولة في العالم وفي جرها إلى أطول حربين مكلفتين في تاريخها، يدرك مدى تعرض الدول الديمقراطية المفتوحة إلى مثل هذه الأخطار. من الصعب، إن لم نقل من المستحيل، حدوث هجمات إرهابية مماثلة في دول مغلقة وسلطوية مثل الصين أو روسيا.

ما هو واضح أيضا، بعد عشرين سنة من المعاناة والتجارب المرّة، هو أن الثمن الذي دفعته الولايات المتحدة وما دفعه الأفغانيون والعراقيون لم يكن حتميا. لو اكتفت إدارة الرئيس بوش بمعاقبة تنظيم القاعدة ونظام طالبان، ولو لم يتحول غزوها – كعمل دفاعي مشروع – إلى احتلال دائم، لما كانت تحيي الذكرى العشرين لهذه الحرب في مثل هذا المناخ الداكن. ولو لم يتهور الرئيس بوش كما لم يتهور من قبله أي رئيس أميركي ويغزو العراق في حرب مبنية على أسس وهمية (أسلحة دمار شامل غير موجودة، وعلاقة خيالية بين نظام البعث وتنظيم القاعدة)، لما اكتشفت الولايات المتحدة استحالة تغيير مجتمعات قديمة بالقوة العسكرية، وعبثية محاولة إعادة صياغتها بحلة ديمقراطية لا تتسع لها.

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.