شفيق الغبرا
شفيق الغبرا

وقفة.. إذ غيّب الموت يوم السبت الفائت المناضل الفلسطيني والأستاذ الجامعي الكويتي شفيق الغبرا، لاستذكار العلم المفيد، والصدقة الجارية، وكل ما خلّفه وراءه هذا الرجل المعطاء.

الأهم الأهم، له وللجميع، الذرية الصالحة التي تذكره بالخير، وتذّكر العالم بالفقيد لما هي عليه بدورها من خير. والمؤلفات، والمواقف، والمحاضرات، واللقاءات، التي حفلت بكل الزخم والإرادة الطيبة، سواء كان مقصودها الجمع الغفير، أو مجهول الحال عابر السبيل الذي طلب المعونة.

شفيق الغبرا عاش وعايش كل موجات الحياة الفكرية العربية على مدى العقود المفصلية الماضية. من القومية إلى الوطنية، من الأممية إلى العالمية، ومن الثورية إلى الإنسانية. شهدها، أضاف إليها، شارك فيها. وفيها جميعاً، حافظ على ما ابتدأ به من القيم والأخلاق والمبادئ. وفيها جميعاً كان الهمّ الفلسطيني هو الهمّ الأول.

كان شفيق مدرّساً بحكم خلفيته العلمية وموقعه ووظيفته. وكان كذلك بالفعل بنجاح جلي، بشهادة كل من حظي بأن يكون له طالباً. أما من تقاطع مساره مع مسار شفيق على مدى السنين ثم العقود، فله أن يدرك أنه لم يكن مدرّساً وحسب، بل إن شفيق الغبرا كان بحد ذاته مدرسة.

مدرسة في القيم التي لا تعلن ولا يفاخر بها، بل تُعتنق وتمارس، وتدعو ذوي البصر والبصيرة لرؤيتها واعتبارها.

هي أن تثبت على مبادئك وقناعاتك، بما أنك ترى فيها الحق، دون أن يعترض ذلك سعيك أن تراجع الوسائل عند تبدّل الوقائع.

فلسطين لشفيق هي قضية الحق، الأمس واليوم وإلى أن يظهر العدل. مصاب أهلها هو نقيض الحق، الأمس واليوم وإلى أن يزول الظلم. والسعي إلى إحقاق حق فلسطين كان الأساس الذي بنيت عليه فصول حياته. هذا هو الثابت، أما المتحول فهي وسائل الوصول إليه.

الكفاح المسلح كان السبيل ولم يعد. شفيق اختبره، واختبر قصوره وتجاوزاته. ثم تجاوزه. التعويل على الإرادة الدولية والمشترك الإنساني، لم ييأس شفيق منه، ولكنه، استقراءً لمساعيه، رأى حدوده وانتفاء قدرته إن كان الاقتصار عليه. رفع الوعي الذاتي والتسلح بالحجة والمعرفة وتوظيف القدرات لمساندتها ودعمها هو ما أرتآه شفيق في نهاية المطاف وعمل من أجله قدر ما استطاع. لذلك كان، وسيبقى، سفير فلسطين، في دعوته أن يكون الكل لها سفراء.

ربما أن الدرس الأكثر دقة، في مدرسة شفيق، هو أن الثبات على مبادئك والمطالبة بحقوقك لا ينفي الإقرار بحقوق الآخرين، وأن هذا الإقرار بحقوق الآخرين بدوره لا يلزم التفريط بمبادئك ولا التوقف عن المطالبة بحقوقك. في عالم غلب عليه منطق الفسطاطين، كانت مهمة شفيق الغبرا تجسير الهوّات مهما اتسعت، لا من موقع الضعيف، ولا من موقع المحايد، بل من منطلق الواثق بالحق، والواثق بالخير.

الدرس التالي هو هذه الثقة، وهو الدرس الأقسى، الأصعب، الذي استعصى على معظمنا. أن ترى بصيص النور مهما اشتد الظلام، وأن تتمسك بالأمل مهما تراكمت الخيبات. من أين جئت يا شفيق بهذا الرجاء الذي يكاد أن يعد باستنباط الماء الزلال من صحراء القحط والمآسي، من أين كان لك هذا الاطمئنان، والنكبات تولّد النكبات؟ ليست السذاجة، أراه يجيب، بل ما البديل؟ الاستسلام لليأس؟ أليس ذلك أعتى النكبات؟

هي الثقة، بالغد. وهي أولاً الثقة بالأجيال القادمة. لسان حال من جايل شفيق، غلب عليه القول بأن الزمان قد فسد، بل حديثهم أن خير القرون قد ولّى، وولّى الذي يليه، ثم ولّى الذي يليه. أما خير القرون في حديث شفيق، فهو القادم، والذي يليه خير منه، ثم الذي يليه خير منه. ليست قناعة قائمة على التسليم، بل على العمل، حيثما اقتضى، وحيثما حقّق الخير والفائدة.

ومن هنا جاء الدرس التالي. أن تعطي بقدر ما أمكنك دون حساب، وإن زاد أضعافاً عمّا سألت. فالخير يتبارك ويزداد، قليله في المبتدآت يغدو كثيراً في الأخبار.

أصغيت إليك يا شفيق، سمعتك، إذ تقول، بالكلمات والأفعال، أن فلسطين، إذ تبقى في القلب، هي المنطلق، العاصفة والإبحار، والألم. والعزة والكرامة. الأمس واليوم وأبداً. الكويت، برّ الأمان، بدورها في القلب، ليست المنفى بل الوطن من جديد. أهلها أهلك، ناسها ناسك. الخليج كله في القلب، وإن ساء القلب أن يتآذى. كل العالم العربي في القلب، وأنت له أخاً وأباً وصديقاً ونصيحاً. الإنسانية برمّتها في القلب، لم أسمعك تميّز إلا بقدر طاقتك على تحقيق الخير.

كان شفيق، كلما أنهى عملاً أو محاضرة، أو نشر مقالاً، يسأل، ليس سعياً لإرضاء غرور في نفسه، بل طلباً للاطمئنان إلى أن عمله كان نافعاً مفيداً: "ما رأيك؟ هل قمت بالواجب"؟

شفيق.. ليتك معنا اليوم لتسمع وترى بأنه، رغم المشقات والصعوبات، ورغم أن ما يقتضيه الأمر لا يفيه فرد ولا جماعة ولا جيل، بإجماع كل من حظي بأن لامست حياته حياتك، أنت يا صديقي قد قمت فعلاً بالواجب. عسى أن يُقدّر لنا أن نقوم بدورنا ببعضه.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.