حقوق المرأة في الإسلام.. قضية شائكة
حقوق المرأة في الإسلام.. قضية شائكة

مع عودة حركة طالبان للحكم في أفغانستان صدرت من عواصم أغلب الدول الغربية بيانات تعبّر عن القلق على مصير النساء الأفغانيات نتيجة ممارسات هذه الحركة أثناء حكمها لهذا البلد قبل أكثر من عقدين. فهذه الحركة تعتبر أن دور المرأة في الحياة يقتصر على الإنجاب ورعاية الأطفال والأعمال المنزلية، ولذلك منعت تعليم الإناث بعد سن الثامنة وكان هذا التعليم يقتصر على القرآن.

كما منعت المرأة من العمل لأن "وجهها مصدر للفساد ولا يجب على الرجال مشاهدته"، كما قالت منظمة العفو الدولية إن 80 في المئة من الزيجات كانت تتم قسرا، وأغلبها تحت سن 16 عاما.

وساهم في تعزيز هذا القلق أن الحركة تابعت ممارساتها تلك بحق النساء في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرتها طوال العقدين الماضيين، فقد تناقلت وسائل الإعلام عام 2010 أن قاضي من هذه الحركة حكم بقطع أنف وأذني شابة أفغانية في الثامنة عشرة من عمرها تدعى عائشة محمد زاي لأنها هربت من منزل زوجها، ووضعت مجلة التايم الأمريكية صورة عائشة بعد هذه العقوبة الهمجية على غلافها لأنها أصبحت رمزا لآلام ومآسي المرأة الأفغانية على يد طالبان، وطرحت سؤالا وضعته إلى جانب الصورة "ما الذي سيحدث إذا انسحبنا من أفغانستان".

وقد رد الإسلاميون على اهتمام العالم بمصير نساء أفغانستان بالقول إن هذا الزعم مجرد ذريعة للضغط على النظام المقبل وللهجوم على الإسلام، وكرّروا عبارتهم المألوفة "الإسلام كرّم المرأة"، دون إعطاء أمثلة عن هذا التكريم، هل هو بالسماح للرجل بالزواج من 4 نساء أم بوصف الزواج بمفردات جنسية كالنكاح، أم بوجود شرط موافقة الولي على زواج المرأة الراشدة، والولي هو ذكر من العائلة قد يكون أصغر من الزوجة بالسن وأقل منها بالمعرفة والخبرة، أم بأن يرث الذكر ضعف الأنثى أو أن تعادل شهادته أمام القضاء شهادة اثنتين من النساء، أم بالسماح للزوج بضرب زوجته نتيجة قوامة الرجل على المرأة، أم عبر التحكم بمظهر الأنثى وملابسها من الطفولة المبكرة حتى آخر حياتها.

والسبب الحقيقي وراء استمرار هذه الممارسات حتى اليوم هو وجودها في نصوص دينية، مثل سورة النساء الآية 3 "فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع" والتي يستند عليها إباحة تعدد الزوجات في الشريعة الإسلامية، ولكن هذه الآية لم تعد مقبولة جملة وتفصيلا في عالم اليوم، أولا لأنها تختصر العلاقة الزوجية بفعل "النكاح" أي ممارسة الجنس، وثانيا لأنها تصوّر هذه العملية كفعل يقوم به الرجل ليستمتع ما طاب له من الاستمتاع بينما تصور الطرف الآخر في العلاقة وهو الأنثى كمجرّد أداة لمتعة هذا الرجل، والأهم من كل ذلك أن المجتمعات الحديثة تعتبر تعدد الزوجات إرثا متخلفا من عصور غابرة فيه انتهاك لكرامة المرأة، ولذلك تمنعه القوانين في 3 أرباع دول العالم، حتى على المسلمين الموجودين فيها، بل إنه ممنوع في تركيا وتونس، وهناك في البلدين عقوبات بالسجن لمن يخالف هذا المنع.

وإذا قال بعض رجال الدين بأن هذا نص قرآني وليس لأحد كائنا من كان أن يعطّله، فإن تتمة الآية نفسها فيها عبارة "ما ملكت أيمانكم" والتي تعني الجواري والإماء اللاتي كان الرجال يمتلكوهن ويستطيعون ممارسة الجنس معهن عندما يريدون في عصور العبودية التي ألغتها البشرية مع تطورها، من اتفاقية قمع الرق قبل قرن من الآن، حتى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نص على أنه "لا يجوز استرقاق أو استعباد أحد ولا بد من القضاء على العبودية بجميع أشكالها".

ووقّعت على هذا الإعلان كافة الدول الإسلامية رغم أن العبودية كانت مباحة طوال التاريخ الإسلامي، وحاول رجال الدين المسلمين تبرير مجاراتهم للقوانين الحديثة بالقول إن الإسلام من البداية ضيّق على العبودية بهدف إلغائها، أي أوجدوا مخرجا سمح لهم بمنع حالة أباحها الإسلام في القرآن والحديث، وعلى نفس الطريقة من الأفضل لهم البحث عن طريقة تمنع تعدد الزوجات لأن العصر لم يعد يقبلها.

كما اعتبرت الأمم المتحدة أن المساواة التامة بين الجنسين حق أساسي من حقوق الإنسان، ووضعت اتفاقية لإلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة، التي لا تتماشى أيضا مع قوانين الإرث الإسلامية "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين".. النساء 11، أو الشهادة أمام المحكمة "واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى".. البقرة 282، فهذه الآيات كذلك لم تعد مقبولة في عالم اليوم ولا يوجد من مخرج سوى وضعها في إطارها التاريخي ومفاهيم وظروف عصرها وإلغاء العمل فيها حاليا مثل قريناتها.

وكذلك الآية 34 من سورة النساء "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أتفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا"، والتي لا تختلف عن سابقاتها في أن العصر يرفضها لأنها تتناقض مع مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، كما أن الشطر الثاني منها لا يمكن أن تفلح محاولات تلطيفه عبر القول إن الضرب يجب أن يكون غير مبرح أو حتى أن يكون بالمسواك، فقوانين أغلب دول العالم تعاقب بالسجن من يقوم بهذا الفعل، كما أن هذه النظرة الدونية للمرأة لم تعد مقبولة من حيث المبدأ.

وهناك أيضا فرض لباس معين على المرأة في "البلدان الإسلامية" حيث على جميع النساء في دول مثل إيران وأفغانستان وحتى وقت قريب في السعودية ارتداء أزياء بعينها على المسلمات وغير المسلمات لمراعاة الهوية الإسلامية للبلد، بالإضافة إلى التضييق على النساء في أغلب الدول الإسلامية الأخرى تحت ذريعة مراعاة العادات والتقاليد الإسلامية وتجنب خدش الحياء العام، ويتم أحيانا إحالة فتيات وسيدات للقضاء بتهمة الفعل الفاضح وازدراء الإسلام بسبب ارتداء ثوب قصير أو ضيّق. 

وخلال القرون الماضية تعرّضت القوانين الوضعية وغير الوضعية للتغيير المستمر حتى تتماشى مع تطورات العصر ومتطلبات الحياة، باستثناء الإسلام الرسمي الذي وضع نفسه في مأزق عندما أغلق باب الاجتهاد، أو جعله صعبا وعلى أضيق نطاق، وخصوصا مع مقولة لا اجتهاد مع النص، حيث قال الإمام الباز: "أما إذا وجد النص من كلام الله أو سنّة رسوله فليس هناك محل للاجتهاد فالشريعة جاءت في عصر النبي ولما بعده إلى يوم القيامة، ولا يجوز أن يقال أن هذا الحكم لا يتماشى مع روح العصر بل يجب أن تخضع روح العصر لكلام الله وسنة نبيه ومن يقول خلاف ذلك في خطر الردة من الإسلام نعوذ بالله".

وهذا الكلام تحديدا وما حمله من تهديد صريح لمن يطالب بتجديد الخطاب الديني هو ما جعل الإسلام في مشكلة مع العصر، فما العمل مع النصوص التي تبيح العبودية أو تجعل عقوبة السارق قطع اليد والزاني الرجم والرافض لبعض ما جاء في الدين القتل، ولو توسع البحث في التراث الإسلامي ليشمل كتب الحديث والسيرة فهناك أمور أكثر بعدا ليس عن العصر بل عن العقل ولا يمكن قبولها في أي حال، وفي كثير منها هوس مرضي بالمرأة والجنس، ولذلك هناك ضرورة لم يعد من الممكن تجاهلها لإعادة نظر شاملة في التراث الإسلامي خاصة فيما يتعلّق بالمرأة وإعادة قراءته بما يتماشى مع العصر، ولكن هذا يتطلّب وجود مرجعية دينية لديها المعرفة والجرأة للقيام بذلك، وهذا يبدو بعيد المنال اليوم. 

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.