العلم اللبناني غيب عن اجتماع الوفد الوزاري اللبناني بالوفد الوزاري السوري
العلم اللبناني غيب عن اجتماع الوفد الوزاري اللبناني بالوفد الوزاري السوري

منذ سنوات طويلة تحول اللبنانيون إلى رهائن، لكنهم كانوا، إلى حد ما، رهائن مرفهين.

وفي العموم، لا يقيم المرفهون أي وزن لوضعيتهم الحقيقية، خوفا من أن"تعكر" الحقيقة المرة أمزجتهم المرحة.

وليس في هذا أي مس بالذكاء اللبناني، فهذه هي حال الإنسان، في كل زمان وفي كل مكان، فهو فطر على أن يفعل كل ما بإمكانه حتى لا يفكر، أبدا، بالحقيقة الوحيدة المثبتة: الموت.

ولكن، كما كان من نعتوا بأنهم "نذير شؤم" يحذرون، استيقظ اللبنانيون، ذات صباح خريفي منعش، على كارثة مأساوية تتكاثر بوتيرة أسرع من الخلايا السرطانية في المعثكلة (البنكرياس) ذلك أن الخاطف، عندما لم يحصل على الفدية التي طلبها، عمد، بدل الإفراج عن الرهائن، وهم من أهله وأصدقائه ومعارفه وعرقه ووطنه ولحمه ودمه، إلى تشديد الطوق عليهم، حتى باتوا محرومين من كل شيء.

وفي وقت جعل الخاطف لكل رهينة "في جسده وفي نفسه شغلا" وفق قول الحجاج بن يوسف الشهير، راح، وبكل أريحية، يحمل مسؤولية ما آلت إليه وضعية هؤلاء الرهائن إلى كل من رفض أن يشارك في دفع الفدية التي يطلبها، متحدثا عن "حصار" متخيل، على عادة ما يفعل المصابون بمتلازمة "ميتومانيا".

وفي المقابل، سعى خصوم الخاطف، طويلا، إلى إقناع الرهائن بأن يثوروا ويحرروا أنفسهم، لكن المحاولات التي جرت تحقيقا لذلك فشلت، فالخاطف استعمل كل ما يملك من قدرات وإمكانات وأسلحة ووسائل، لإصابة "المتمردين" بأكبر قدر ممكن من الخسائر المادية والمعنوية.

ولأن الخاطف انتصر على من انتفض من الرهائن، جهد في تحريض هؤلاء ضد المطلوب منهم دفع الفدية، فنسب إليهم تهم "التخلي عنهم" و"الغدر بهم" و"الاستخفاف بمصيرهم"، وبدأ، في محاولات نجح بعضها كليا أو نسبيا، تجنيد مجموعات من الرهائن ليساعدوه في إدامة عملية الخطف العظيمة.

والتفت الخاطف إلى المرجعية التي تشغله راجيا منها أن تظهره، في ضوء ما استنتجه من الانتفاضة المقموعة، عطوفا على الرهائن، ومهتما بهم، ومعنيا بمصيرهم، فقررت تزويده بما أمكن من قدرات، لتحقيق هذه الغاية.

وحين خشي المطلوب منهم دفع الفدية أن يصبح الرهائن جنودا في جيش الخاطف ليتجنبوا موتا حتميا، وقف الخاطف يفرض شروطه التي توفر له جزءا من الفدية التي ينشدها.

ماكرون ورئيسي

إن اللبنانيين يعيشون، في الوقت الراهن، الحقبة الأخيرة من قصة "الخاطف والرهائن" هذه.
 
وكلام الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي الموجه إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في اتصالهما الأخير، في الخامس من سبتمبر الحالي، وفق ما نشرته وكالة "ايرنا" الإيرانية الرسمية، بطبعتها الفرنسية، أي تلك التي يسهل على المعنيين الفرنسيين الوصول إليها والتدقيق فيها، لا يخرج عن إطار فرض شروط لتشكيل "حكومة لبنانية قوية"، فعلى فرنسا أن تقبل بشراكة إيران و"حزب الله"، لإنجاز ذلك.

وهذا يعني أن إيران تطلب من فرنسا أن تمارس نفوذها من أجل فرض هيمنة "حزب الله"، رسميا على القرار اللبناني، وتاليا وضع لبنان، رسميا، في "محور الممانعة".

وبغض النظر عن موقف ماكرون من هذا الطرح، في ظل اكتشافه هشاشة الأطراف اللبنانيين وانهياراتهم، ماديا ونفسيا، أمام "حزب الله"، فإن موافقته على مطلب رئيسي الموثق، لا يجدي نفعا، بالنتيجة، لأن تشكيل حكومة في لبنان ليس هدفا قائما بذاته، بل وسيلة ضرورية لمساعدة لبنان في إنقاذ نفسه من المأساة التي جرى رميه فيها.

وهذا يقتضي، لتحقق الحكومة مبتغاها أن تكون جاذبة للمساعدات والمعونات والقروض والاستثمارات الدولية.

وعليه، فإن الإشكالية، ولو قبل ماكرون ورهائن لبنان، بطلب رئيسي، سوف تتمثل في قدرة حكومة تتشكل بإرادة "حزب الله" وبتطلعات إيران، على جذب ما يحتاج إليه لبنان.

وهنا، بدل أن يتحقق المطلب الدولي التمهيدي لتقديم ما يلزم من مساعدات، أي النأي بلبنان عن صراعات المنطقة ومحاورها، يتم فعل العكس، بحيث يتم تكريس انحراف لبنان ورميه في "محور الممانعة".

بشار الأسد و"جماعته"

وليس بعيدا من حديث رئيسي وماكرون، فإن موافقة الولايات المتحدة الأميركية، على استثناء لبنان من "قانون قيصر"، لجهة السماح لمصر والأردن، بعبور سوريا، لتزويد لبنان بالغاز المصري والكهرباء الأردنية، تحول إلى مناسبة يريد نظام بشار الأسد، وخلفه إيران، استغلالها لتعويم نفسه، من دون أن يقدم، في المقابل، أي تعديل في سلوكه الإجرامي المدان سوريا وعربيا ودوليا.

وقد استغل الأسد هذا "الاستثناء الأميركي" ليثبت أنه لا يمكن أن يتغير.

تغييب العلم اللبناني عن اجتماع الوفد الوزاري اللبناني بالوفد الوزاري السوري، في دمشق، لا يمكن فهمه خارج هذا الإطار "الإذلالي"، على الرغم من أن الشخصيات الوزارية التي تشكل منها الوفد اللبناني هي من مجموعات لم تقف، يوما، إلا مع جرائم الأسد ضد شعبه.

وفي الأساس، فإن حكومة حسان دياب التي تصرف الأعمال منذ نحو 13 شهرا، هي حكومة شكّلها، من لون سياسي صاف، حليفا الأسد: "حزب الله" و"التيار الوطني الحر".

ولهذا، ربما، لم يهتم الوفد الوزاري اللبناني بتغييب علم بلاده عن الاجتماع!

ولا يخرج استدعاء وفد درزي كبير برئاسة طلال أرسلان - وهو "أقلّوي" جدا في طائفته التي تبايع بأكثريتها الساحقة وليد جنبلاط - إلى دمشق عن هذا السياق الإذلالي، بحيث راح الأسد يخبر هؤلاء المبتهجين بأنفسهىم في حضوره، عن "حقيقة الشعب اللبناني".

ويعرف الأسد أن هذه المسرحيات التي تشبه مسرحية إعادة انتخابه، لا يمكن أن تعومه، بل هو يهدف، من خلفها، إلى إفهام القاصي والداني أنه هو أيضا في "محور الخطف" وتاليا فهو أيضا يجب أن ينال قسما وافيا من الفدية المطلوبة، بعدما يئس من أن يتقاضى الفدية التي طلبها لقاء السماح بإغاثة رهائنه السوريين، وقد أمعن في قتلهم وسحلهم وتهجيرهم وتيئيسهم وتجويعهم وإذلالهم.

اقتراح جنبلاط والحكومة

إن هذا المشهد اللبناني، سواء شوهد من باريس أو من واشنطن أو من بيروت أو من طهران أو من دمشق أو من القاهرة أو من الرياض أو من أي نقطة في هذا الكون، يقود إلى التأمل مليا بموقف أطلقه وليد جنبلاط، في الثامن من سبتمبر الحالي، من خلال منشور على "تويتر":

"أفضل شيء أن تحكموا أنتم، بدل هذه المسرحية اليومية من الاستشارات وهذا الفيض من التحليلات المتعبة في وسائل الإعلام والصحف. الطالبان شكلوا حكومة فكونوا مثلهم وتحملوا مسؤولية أمن المواطن ومعيشته وطبابته. أنتم الذين تدعون معرفة كل شيء وفق المنطق الذي يرفض أي تعددية".

موقف جنبلاط هذا الذي لم يلق أي اهتمام على الرغم من أهميته، لا يعني سوى مسألة واحدة: أيها الرفاق في جماعة الرهائن، اتركوا الخاطف يدير وحده هذا المعتقل الكبير، فلا نكون أداة طيعة في يده، سواء رضي المجتمع الدولي أو لم يرض، عقد صفقة سرية معه أو فر من أمامه.

إن التدقيق في تركيبة الحكومة الجديدة التي جرى تسريب أسماء وزرائها قبل إصدارها، تبين أنها "حكومة محاصصة" مشكلة من "اختصاصيين" مرضي عنهم من الأحزاب والتيارات السياسية المعروف نتاجها الوطني السيء، وهي "حكومة الخضوع "، بحيث يحصل "حزب الله" وحليفه رئيس الجمهورية على ثلثي الحكومة، مما يعني أن الكلمة الحاسمة في لبنان، سوف تكون لكل ما "يتوافق" عليه "حزب الله" وعون، فيما الآخرون لن يكونوا أكثر من "شهود" أو "مقدمي نصائح".

لذلك، فإن جنبلاط محق في دعوته، ولو أن كلامه مجرد "صرخة منطق" في "وادي الضياع"، لأنه إذا جرى تخييرك بين القتل والانتحار والفرار، فمن العار أن تنتحر!

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.