إلغاء زيارة وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن إلى المملكة العربية السعودية هذا الأسبوع ما هو إلا مؤشر عن تفاقم الخلافات بين الشريكين، بما يحمل ذلك من انعكاسات سلبية على الأمن الإقليمي والساحة الجيوسياسية الدولية.
البنتاغون برر إلغاء زيارة أوستن بإشكالات في التوقيت والبرنامج، إنما هذا المبرر لا يعدو كونه حفظا لماء الوجه. فهكذا جدول أعمال يتم تقريره قبل أسابيع من وصول المسؤول، وفي حالات طارئة قد يتم تأجيلها يوم أو يومين إنما ليس إلغاء الزيارة.
فضلا عن ذلك، لا يعج برنامج أوستن بالاجتماعات الإقليمية عدا عن تلك المقررة مسبقا، ونظيره السعودي ولي العهد وزير الدفاع، الأمير محمد بن سلمان، موجود في السعودية. لا بل استقبل رئيس لجنة الشؤون الدولية بمجلس الدوما الروسي، ليونيد سلوتسكي، الخميس، وفي رسالة ضمنية أخرى لواشنطن.
المبررات الأكثر منطقية لإلغاء زيارة أوستن، والتي تقف وراء التشنج الأميركي-السعودي هي كما يلي:
• أولا قرار الرئيس الأميركي جو بايدن الجمعة الفائت برفع السرية عن الوثائق من تحقيق الاستخبارات الأميركية حول هجمات 11 سبتمبر، على أن يتم ذلك خلال الأشهر الستّة المقبلة، أحدث خضة في العلاقة.
هذا القرار جاء عشية زيارة أوستن إلى الخليج، وبعد خطوات من مشرعين ديمقراطيين في الكونغرس، أبرزهم السناتور روبرت مينينديز، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، بتقديم مشروع قانون لرفع السرية عن وثائق استخباراتية حول هجمات 11 سبتمبر و"أي دور للمملكة العربية السعودية أو أفراد من السعودية أو أي من دولة"، على حد تعبيره.
هذا التصعيد من الديمقراطيين قرأته السعودية بنبرة حادة، وجاء الرد في بيان استثنائي من سفارتها في واشنطن سبق إلغاء الزيارة بساعات. السفارة أكدت أنها ترحب بالإفراج عن الوثائق، وأن المملكة "بصفتها ضحية للإرهاب (...) تتفهم الألم والمعاناة التي لا توصف للعائلات التي فقدت أحباءها في ذلك اليوم الذي لا ينسى"، وأكدت في الوقت نفسه أن "أي ادعاء بأن المملكة العربية السعودية متواطئة في هجمات 11 سبتمبر هو ادعاء خاطئ بشكل قاطع".
• ثانيا التشنج السعودي- الأميركي يحيطه انعطاف السعودية شرقا باتجاه روسيا والصين في وقت تضع إدارة بايدن نفوذها وقوتها لردع هاتين القوتين. الانسحاب الأميركي من أفغانستان جاء على وقع زيارة نائب وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان لموسكو وتوقيعه عقدا دفاعيا مع نظيره سيرغي شويغو.
أما مع الصين، فالانفتاح التجاري والدفاعي يسير بسرعة بالغة. وبحسب الأرقام الأخيرة في صحيفة "الاقتصادية" السعودية استند إلى بيانات رسمية، بلغ حجم التجارة بين السعودية وكل من الصين والهند واليابان نحو 250.78 مليار ريال، بما يعادل 66.87 مليار دولار، بنمو 21 في المئة مقارنة بالفترة المماثلة من 2020.
- العامل الثالث هو التباعد الإقليمي والخارجي بين الأطراف: فمن أفغانستان إلى لبنان هناك تردد سعودي بالوقوف في صف واشنطن، فيما الخلافات تشوب مواقف الطرفين حيال برنامج إيران النووي، التطورات في تونس وملف الإيغور في الصين.
هذا التباعد قد يكون قصير المدى وبسبب المصلحة المتبادلة والحاجة المشتركة للسعودية وأميركا للتعاون في ملفات دفاعية واقتصادية وأمنية من أسعار النفط وحتى التواجد الأميركي العسكري، وصولا إلى تطلع واشنطن لمنافسة الصين وطريق الحرير الجديد.
استمرار هذا التباعد وفي حال فشل السعودية وادارة بايدن في رأب الصدع سيعني تأزما إقليميا وأمنيا وغرق السعودية في جدل داخلي في واشنطن. الأشهر الـ6 المقبلة قبل كشف الوثائق هي محورية في هذا النطاق ولإنقاذ الشراكة التاريخية بين البلدين.
