نصب تذكاري خاص بضحايا 11 سبتمبر في نيويورك
نصب تذكاري خاص بضحايا 11 سبتمبر في نيويورك

إلغاء زيارة وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن إلى المملكة العربية السعودية هذا الأسبوع ما هو إلا مؤشر عن تفاقم الخلافات بين الشريكين، بما يحمل ذلك من انعكاسات سلبية على الأمن الإقليمي والساحة الجيوسياسية الدولية.

البنتاغون برر إلغاء زيارة أوستن بإشكالات في التوقيت والبرنامج، إنما هذا المبرر لا يعدو كونه حفظا لماء الوجه. فهكذا جدول أعمال يتم تقريره قبل أسابيع من وصول المسؤول، وفي حالات طارئة قد يتم تأجيلها يوم أو يومين إنما ليس إلغاء الزيارة.

فضلا عن ذلك، لا يعج برنامج أوستن بالاجتماعات الإقليمية عدا عن تلك المقررة مسبقا، ونظيره السعودي ولي العهد وزير الدفاع، الأمير محمد بن سلمان، موجود في السعودية. لا بل استقبل رئيس لجنة الشؤون الدولية بمجلس الدوما الروسي، ليونيد سلوتسكي، الخميس، وفي رسالة ضمنية أخرى لواشنطن.

المبررات الأكثر منطقية لإلغاء زيارة أوستن، والتي تقف وراء التشنج الأميركي-السعودي هي كما يلي:

•    أولا قرار الرئيس الأميركي جو بايدن الجمعة الفائت برفع السرية عن الوثائق من تحقيق الاستخبارات الأميركية حول هجمات 11 سبتمبر، على أن يتم ذلك خلال الأشهر الستّة المقبلة، أحدث خضة في العلاقة. 

هذا القرار جاء عشية زيارة أوستن إلى الخليج، وبعد خطوات من مشرعين ديمقراطيين في الكونغرس، أبرزهم السناتور روبرت مينينديز، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، بتقديم مشروع قانون لرفع السرية عن وثائق استخباراتية حول هجمات 11 سبتمبر و"أي دور للمملكة العربية السعودية أو أفراد من السعودية أو أي من دولة"، على حد تعبيره.

هذا التصعيد من الديمقراطيين قرأته السعودية بنبرة حادة، وجاء الرد في بيان استثنائي من سفارتها في واشنطن سبق إلغاء الزيارة بساعات.  السفارة أكدت أنها ترحب بالإفراج عن الوثائق، وأن المملكة "بصفتها ضحية للإرهاب (...) تتفهم الألم والمعاناة التي لا توصف للعائلات التي فقدت أحباءها في ذلك اليوم الذي لا ينسى"، وأكدت في الوقت نفسه أن "أي ادعاء بأن المملكة العربية السعودية متواطئة في هجمات 11 سبتمبر هو ادعاء خاطئ بشكل قاطع".

•    ثانيا التشنج السعودي- الأميركي يحيطه انعطاف السعودية شرقا باتجاه روسيا والصين في وقت تضع إدارة بايدن نفوذها وقوتها لردع هاتين القوتين. الانسحاب الأميركي من أفغانستان جاء على وقع زيارة نائب وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان لموسكو وتوقيعه عقدا دفاعيا مع نظيره سيرغي شويغو.

أما مع الصين، فالانفتاح التجاري والدفاعي يسير بسرعة بالغة. وبحسب الأرقام الأخيرة في صحيفة "الاقتصادية" السعودية استند إلى بيانات رسمية، بلغ حجم التجارة بين السعودية وكل من الصين والهند واليابان نحو 250.78 مليار ريال، بما يعادل 66.87 مليار دولار، بنمو 21 في المئة مقارنة بالفترة المماثلة من 2020.

- العامل الثالث هو التباعد الإقليمي والخارجي بين الأطراف: فمن أفغانستان إلى لبنان هناك تردد سعودي بالوقوف في صف واشنطن، فيما الخلافات تشوب مواقف الطرفين حيال برنامج إيران النووي، التطورات في تونس وملف الإيغور في الصين. 

هذا التباعد قد يكون قصير المدى وبسبب المصلحة المتبادلة والحاجة المشتركة للسعودية وأميركا للتعاون في ملفات دفاعية واقتصادية وأمنية من أسعار النفط وحتى التواجد الأميركي العسكري، وصولا إلى تطلع واشنطن لمنافسة الصين وطريق الحرير الجديد. 

استمرار هذا التباعد وفي حال فشل السعودية وادارة بايدن في رأب الصدع سيعني تأزما إقليميا وأمنيا وغرق السعودية في جدل داخلي في واشنطن. الأشهر الـ6 المقبلة قبل كشف الوثائق هي محورية في هذا النطاق ولإنقاذ الشراكة التاريخية بين البلدين.  
 

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.