مصطلح "الإسلاموفوبيا" ظهر لأول مرة في السبعينيات من القرن الماضي.
مصطلح "الإسلاموفوبيا" ظهر لأول مرة في السبعينيات من القرن الماضي.

الإسلاموفوبيا مصطلح مثير للجدل منتشر في الغرب، ويقول البعض إنه يتسم بالمكر والاحتيال، ولا توجد مبالغة في ذلك، لأنه يتحدث عن شيء ويقصد شيئا آخر، وهو يستفيد من الشعور بعقدة الذنب لدى بعض النخب الغربية من الماضي الكولونيالي، كما يستفيد من الجهل وأحيانا رغبة بعض الغربيين في الظهور بمظهر المختلف (وغالبا الناظر بدونية والمتسم بتوقعات منخفضة) إلى ثقافة ودين وحضارة شعوب العالم الثالث.

والمعنى المختصر للإسلاموفوبيا، هو الخوف المرضي أو الرهاب من الإسلام، أو كما تعرفها قواميس اللغة الإنكليزية بأنها "الخوف غير العقلاني، أو النفور، أو التحيز، أو التمييز ضد الإسلام، أو الأشخاص الذين يمارسون الإسلام".

ويعتبر المصطلح حديث نسبيا، إذ ظهر لأول مرة في السبعينيات من القرن الماضي، لكنه استخدم على نطاق واسع، منذ عام 1997، في الأبحاث والدراسات، حتى أصبح اليوم معترفا به في العديد من الأوساط السياسية والفكرية.

الدافع الأساسي لابتداع المصطلح كان الحاجة للتعبير عن ظاهرة آخذة بالتزايد في بعض المجتمعات الغربية، وهي التحيز ضد المسلمين، لا سيما مع انتشار العمليات الإرهابية وزيادة التوترات في الشرق الأوسط.

وكان من المؤمل أن يعالج الأمر مظاهر التمييز أو التصنيف النمطي الموجهة ضد المسلمين، كما يحدث مع جماعات سكانية أخرى، انطلاقا من أنه ليس جميع المسلمين مسؤولين عن الأعمال الإرهابية والعنيفة التي يقوم بها مسلمون.

لكن المشكلة مع الإسلاموفوبيا بدأت حين التقط ناشطو اليسار والتيارات الليبرالية في بعض المجتمعات الغربية (والتي خانت مبادئها وتحالفت مع ناشطي تيار الإسلام السياسي) المصطلح وحولته إلى سلاح سياسي وفكري لقتل أي نقاش حر بشأن الإسلام، أو التساؤل بشأن الأسباب التي تدفع بعض المسلمين لتبني أفكار وتفسيرات دينية تحض على الكراهية والقتل واضطهاد النساء سواء داخل مجتمعاتهم أو المجتمعات الغربية!

بهذا المعنى تحولت الإسلاموفوبيا إلى فزاعة وتهمة تلصق بالإعلاميين والمثقفين والسياسيين الذين يتجرؤون على طرح الأسئلة الصعبة حول سلوك بعض المسلمين وحول تفسيراتهم للدين، حتى أصبح الكثير من هؤلاء يتجنبون الخوض في هذه المسائل تحاشيا للمتاعب.

بل أكثر من ذلك استخدمت الإسلاموفوبيا لاحتواء ردود الفعل الغاضبة والطبيعية في المجتمعات الغربية على العمليات الإرهابية التي قامت بها الجماعات الإسلامية، مثل القاعدة وداعش وغيرهما على امتداد العقود الماضية، ثم إنكار وتجريم الخوف التلقائي والطبيعي لدى الإنسان الذي يعيش في تلك المجتمعات من التعرض لأعمال مماثلة من جانب الإسلاميين.

مع العلم أن تسمية الأشياء بأسمائها والخوف والهرب والاختباء لدى حدوث الأعمال الإرهابية هي التصرف التلقائي والدفاعي الطبيعي لدى الإنسان. لكن الإسلاموفوبيا تريد أن تجرّد هذا الإنسان من دفاعاته الطبيعية.

إن النقطة الجوهرية هنا هي: لماذا لا يمكن اعتبار الخوف من الإسلاميين، وهم جزء من المسلمين، أمرا مشروعا وفي محله، بالنظر إلى التجربة المريرة التي عاشت ولا تزال تعيشها المجتمعات الغربية مع ظاهرة الإرهاب؟

وكيف يمكن تفسير الجزء الكبير من التراث الديني الكاره للآخر والذي يحض على العنف والقتل والحروب؟

بل كيف يمكن لأي إنسان ألا يصاب بالخوف والفزع وهو يرى الأساليب المتوحشة التي استخدمها تنظيم داعش مثلا في قتل مخالفيه، والتي تشمل قطع الرؤوس والصلب والإعدام عبر الغرق من خلال وضع الضحايا في أقفاص من الحديد ورميهم في الماء، وكذلك من خلال الصعق الكهربائي عبر ربط الضحايا من رقابهم بالإسلاك الكهربائية ثم إدارة مفتاح الكهرباء فيهم. أو تفخيخ الضحايا عبر وضع المتفجرات في ملابسهم وأجسامهم ثم تفجيرها عن بعد.

فهل عندما يخاف الإنسان من داعش أو يكرهها يقال إن لديه إسلاموفوبيا أو إنه مريض برهاب المسلمين أو أن تخوفه هذا غير منطقي أو غير معقول؟

هنا يكمن فشل الإسلاموفوبيا الرئيسي؛ وهو تجاهلها التام للأعمال الإرهابية التي تقوم بها الجماعات الإسلامية حيث لا تأتي على ذكر ذلك أبدا، رغم أنها السبب الرئيسي فيما يجري، وأيضا تجاهلها التام للمخزون الهائل من التراث الديني الذي يحض ويشجع على تلك الأعمال، والذي لو تمت ترجمته للغات الأخرى ووضعه تحت تصرف عامة الناس في تلك المجتمعات لأسديت لهم خدمة جليلة.

أما فشلها الآخر فهو عدم تعرفها على الفرق أو التفريق بين انتقاد الدين وانتقاد التشدد الديني أو الجانب الأيديولوجي والشمولي في الدين، وأيضا عدم التفريق ما بين الإقصاء والتمييز ضد مجموعة دينية، وبين عداء وكراهية ممارسات وعبادات لدين ما.

والواقع أن ما يميز الإسلام السياسي والإسلاميين عموما عدة مشتركات:

1-    يرفض الإسلاميون أية دعوات للإصلاح وهم يعتبرون أن الدين ثابت وصالح لكل زمان ومكان ولا يجب أن يخضع للتغيرات.

2-    يرى الإسلاميون بأنهم أفضل من باقي البشر وأن قيمهم الدينية مميزة وغير مشتركة مع باقي الأديان والثقافات الأخرى، وبالتالي يجب عليهم أن يؤثروا ولا يتأثروا. 

3-    ينظر الإسلاميون إلى الغرب بأنه أحط منزلة، ويوصف بأنه غير أخلاقي وإباحي ومجرد من القيم والمبادئ.

4-    يعتبر الإسلاميون بأن الجهاد والعنف هما الوسيلة الأمضى لتحقيق النصر ونشر الدين وإعادة دولة الخلافة والسيطرة على العالم.

5-    تتعامل جماعات الإسلام السياسي مع الإسلام ليس بوصفه تعاليم روحانية وإنما أيديولوجيا سياسية يجب أن تدعم بالوسائل العسكرية.

6-    يستخدم الإسلاميون الاعتقاد المطلق بتفوق الإسلام لتبرير الممارسات التمييزيّة ضد أتباع الأديان الأخرى واستثنائهم من الحقوقية المجتمعية.

7-    يعتبر الإسلاميون بأن إظهار العداوة تجاه الأديان والمعتقدات الأخرى أمرا طبيعيا ومحبذا.

8-    يعتبر الإسلاميون كل انتقاد لهم بأنه انتقاد موجه للإسلام، وأن الغرب والأمم الأخرى تتآمر على المسلمين بهدف إضعافهم والسيطرة عليهم.

والحال أنه في الوقت الذي يتعين فيه حماية أتباع أي دين أو عرقية معينة من التمييز والإقصاء بسبب الممارسات التي يقوم بها أشخاص ينتمون لنفس ذلك الدين وبصفتهم تلك، فإنه بالقدر نفسه لا ينبغي وضع القيود على الانتقادات الموجهة لتلك الممارسات أو منع الإشارة إلى منطلقاتها الدينية، أو تجريم الربط بينها وبين ذلك الدين، وهذا للأسف ما تفشل فيه الإسلاموفوبيا على نحو ذريع.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.