إتباع مايمليه علينا ضميرنا قد يكون أكثر عدلاً وأقل ظلما
إتباع مايمليه علينا ضميرنا قد يكون أكثر عدلاً وأقل ظلما

قد يتعجب بعض القراء من هذا العنوان ولكن الحقيقة التي نراها على أرض الواقع هي أن البعض قد يفعلون أشياء وأمورا تخالف الضمير البشري ولا يجدوا أي غضاضة في ذلك لأنها كما يقولون إنها "حلال" بمفهومهم الحرفي للدين. 

فمن يرجم إنسانة حتى الموت بتهمة الزنا أو يضرب زوجته أو يستعبد البشر ويبيعهم في الأسواق أو يتزوج زوجة ثانية ولا يعبأ بمشاعر زوجته الأولى يظن في أغلب الأحوال أن كل ما يفعله "حلال". وحتى ولو وخزه ضميره للحظات فإنه – وللأسف - يقتل أو يميت ضميره تحت مسمى كلمة "حلال". فمن وجهة نظره لماذا لا يفعل الشيء إن كان حلالاً له. 

 فمن يتزوج زوجة أخرى ويرى زوجته الأولى تبكي وتتألم بسبب ذلك لن يقدم على هذه الخطوة إلا إذا برر لنفسه فعلته بأنها "حلال الحلال" كما يقولون. 

وهنا نرى صراعاً محتوماً بين ضمير الإنسان وما قد يظن أنه حلال له. فلو أعمل هذا الإنسان ضميره أو نفسه البشرية وسأل نفسه بصدق لرفض أمورا كثيرة كان يقبلها فقط لأنها كما يقول"حلال".  

ويتجلى في هذا السياق أيضاً مبدأ نسبية الحلال والحرام. فعلى سبيل المثال فإن شرب كوب من الماء هو أمر "حلال" فإن شربي لهذا الماء وأنا غير محتاج له بشدة قد يصبح حراماً إذا حرم (بفتح الحاء والراء وميم) هذا الشرب إنسانا ما من رشفة ماء كانت ضرورية لإنقاذ حياته فمات بسبب شربي لهذا الكوب. أي أن شرب كوب الماء الذي كان حلالاً منذ لحظات أصبح في لحظة أخرى حراما إن تسبب في موت أو إيذاء إنسان آخر.  

وتأتي آيات القرآن ساطعة لتوضح هذا الأمر فتقول بوضوح لا ريبة فيه " وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ" (سورة النحل آية 116) .

أي أن القرآن الكريم منعنا من أن نقول على شيء أنه حلال أو حرام بصورة مطلقة. لأن الأمر كما ذكره القرآن متروك لضمير الإنسان ليحكم عليه في لحظة تنفيذه. فيقول الكتاب الكريم في محكم آياته " وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا." (سورة الشمس آية 7-8) أي أن القرآن ترك المجال للنفس البشرية أو ما نسميه الضمير البشري أن يقرر إن كان ما يفعل حلالاً أم حراماً!

وتأتي بعض المرويات عن الرسول عليه السلام لتكرر نفس المفهوم القرآني كما جاء في القول المأثور عن الرسول عليه السلام حينما سأله أحد الصحابة عن تعريف البر والإثم فقال تبعاً للرواية " استفتِ قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك". 

والآيات المذكورة سابقاً والحديث المذكور أيضاً يؤكدان نفس المعنى وهو أن على كل إنسان أن يزن الأشياء بميزان ضميره وهو الشيء الذي لايستطيع الفرار منه أبداً. وأذكر في هذه اللحظات القول المأثور "عامل الناس كما يحب أن يعاملوك" كوسيلة عملية لتقببم أعمالنا إن كانت حلالاً أم لا.

فلو سأل إنسان نفسه على سبيل المثال هل الحج للمرة الثانية أو عمل عمرة أخرى "حلال" ...فقد يجد الإجابة بنعم إن قاسها فقط بحرفية النصوص الدينية ولكنه قد يشعر أنها قد تكون حراماً إذا كان يستطيع أن ينقذ حياة أو مستقبل إنسان بهذا المال وتركه يموت أن ينتحر يأساً لأن أحداً لم يساعده أو يقف بجانبه.   

وعلى سبيل المثال أيضاً فإن الله أحل البيع " وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ " (سورة البقرة )275  ولكن البيع يكون حراماً إن كان فيه غش أو إبخاس لحقوق الآخرين " وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ " (سورة هود آية 85). 

وباختصار فإن إتباع ما يمليه علينا ضميرنا قد يكون أكثر عدلاً وأقل ظلما وأهم بكثير من الفهم الحرفي للدين الذي يتناقض مع ضمائرنا. 

فالحرف (أي الحرفية في الفهم) – كما قال السيد المسيح- "يقتل" أي أن الفهم الحرفي للدين قد يتسبب في جريمة إن لم نرتق بفهمنا للدين ونعمل "بضم النوون" ضميرنا البشري الذي خلقه الله فينا قبل أخذ أي قرار. 

وللحديث بقية

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.