هروب 6 فلسطينيين من سجن جلبوع الإسرائيلي بعدما حفروا نفقا تحت الأرض
هروب 6 فلسطينيين من سجن جلبوع الإسرائيلي بعدما حفروا نفقا تحت الأرض

مازالت حادثة هروب ستة سجناء فلسطينيين من سجن "جلبوع" الاسرائيلي يوم الاثنين الفائت تتفاعل باهتمام على وسائل الاعلام والمنصات الرقمية. وهي حادثة يمكن أن تضاف إلى سجل أشهر حوادث الهروب التاريخية المصنفة في العالم، نظراً لطبيعة التحصينات الهائلة المعروفة عن هذا السجن، وبوصفه أحد أصعب سجون العالم اختراقاً، وآليات التنفيذ المحكمة التي اتبعها السجناء لإنجاح خطة هروبهم عبر نفق.

حادثة أعادت تنشيط الذكريات الخاصة والعامة واسترجاع بعض قصص الهروب لأجل الحرية، أتوقف من بينها عند بعض تفاصيل القصة الملفتة التي كتبتها الطبيبة الصديقة هديل مرعي عن خمسة من المعتقلين في معسكر الرشيد العراقي حكموا بالإعدام سنة1959بتهمتي محاولة الانقلاب ومحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء العراقي الأسبق، وهم أياد سعيد ثابت وحميد مرعي وأحمد طه عزوز وسليم زيبق وخالد علي الصالح. 

بأدوات بسيطة مثل الملاعق والسكاكين، نجحت هذه المجموعة خلال سنة كاملة في حفر نفق في الزنزانة وصل حتى أساسات البناء، قاموا بإخفائه بلوح خشبي وتمكنوا من التخلص من التراب عبر وضعه في كيس يربط حول البطن، يرمى لاحقاً في الحمامات كلما سمح لهم الذهاب إليها.

تضيف السيدة مرعي عن والدتها، المناضلة العراقية يسرى سعيد ثابت التي توفيت بداية العام الجاري، بأنها بعد انتهاء مدة محاكمتها واعتقالها باعتبارها واحدة من المجموعة، صارت تتراسل مع المجموعة بالكتابة على ورق السجائر وتخفيها بين غطائي طنجرة ضغط تعيد تركيبها، وكلفت بالتواصل مع الحزب(البعث العراقي) لتأمين سيارة تصل في موعد الزيارات وتقف فوق الفتحة الخارجية للنفق، للخروج منه واستقلال السيارة مباشرة.

رفض تعاون بعض قيادات الحزب، دفع بالسيدة يسرى لتولي المهمة، فقامت بتهريب حبوب منومة للحراس وتعلمت القيادة لتنفيذ المهمة بنفسها. ليلعب الفساد الحزبي دوره مجدداً في إهدار الكثير من الوقت، مما أدى إلى اكتشاف الحفرة من قبل أحد حراس السجن، وفشل خطة الهروب قبل موعد تنفيذها بوقت قصير.

تتقاطع هذه القصة في بعض خطوطها العامة مع قصة هروب سجناء سجن "جلبوع" الاسرائيلي وقصص هروب أخرى تستوفي معظمها العناصر الرئيسة لصناعة الدراما من حيث الهدف والتخطيط والأدوات والاثارة والحبكة، وهو مطلب شعبي تجدد مؤخراً وبإلحاح لتحويل مثل هذه القصص إلى أعمال درامية.

حيث تلقى مثل هذه الأعمال ترحيباً عاماً في المعتاد لكونها تعنى بالحرية وتمجدها، وتجدد الأمل في النفوس، وبخاصة لدى الشعوب التي تعيش إحساساً مشابهاً بحبسها ضمن سياج أنظمتها القمعية. سبق للسينما العالمية أن قاربت عبر تاريخها مئات الأفلام عن قصص مشابهة، كما يمكن التخمين، أن بعض السجناء استفادوا في عملية تفاعلية من بعض سيناريوهات السينما، ودرسوا تفاصيلها بدقة وقلدوها، أو ابتكروا سيناريوهات هروب تتقاطع معها.

بدوره، فاض الأدب واستفاض في رفد المكتبة العالمية والعربية بآلاف الكتب التي صنفت بـ"أدب السجون". أسهبت العديد منها في توصيفات غزيرة عن القسوة والظلم والتعذيب وأساليبه وغيرها. فيما عبرت بعضها عن وجهة نظر السجين الانسانية ومشاعره، وعلاقات التآزر والتعاطف التي تنشأ بين السجناء أو العكس، أضف إلى سيل من المعلومات المثيرة التي تتحدث عن طبيعة المواد والأدوات وكيفية تهريبها من وإلى السجن.
تنتهي جميع هذه القصص عند خلاصة واحدة، وهي أن السجين أو المعتقل بوصفه إنساناً، سواء كان مذنباً أم بريئاً، مجرماً جنائياً أو إرهابياً أو سجين رأي، مع أهمية التأكيد على الاحترام والفصل في الاعتبار فيما يخص قضايا النضال وسجناء الرأي. إلا أنهم جميعاً يتقاطعون في نقطة واحدة، وهي أن كل من يدخل السجن، في أي زمان أو مكان، لايفكر إلا في كيفية الخروج منه.

لأجل الحرية التي فطر عليها البشر، يتنامى الذكاء والحيلة والدهاء والابداع والمخيلة في أوقات الضيق والعسر للعثور على سبل الخلاص. لكنها حرية قد تكون مضرة ومؤذية للمجتمعات، مثل هروب بعض كبار المجرمين والارهابيين والخطرين وتجار المخدرات وغيرهم، الذين يلجأون في المعتاد إلى تسخير نفوذهم ودفع الرشى واستغلال الفساد داخل السجون للهروب منها.

أو حق بيّن بالحرية، ويُنظر إلى استعادته بصفته فعل شجاعة وبطولة خارقة، وهو ركيزة معظم  القصص الأكثر إلهاماً للسينما والأدب، وبخاصة حين يقع الظلم على إنسان ما ويسجن  ويحكم بالمؤبد أو بالاعدام، لتشكل هذه المظلومية الحافز الأقوى للتحرر، وتمنح صاحبها الصبر والتحمل لأجل  الهروب.

أفلام كثيرة عالجت مثل هذه القضايا المتعلقة بمصائر جماعية ترتبط باعتقالات أسرى في معتقلات أعداء وكيفية التحرر منها، أو مصائر فردية، كان من أشهرها فيلم "الفراشة" 1973 لمخرجه فرانكلين شافنر، وبشكل أكثر تأثيراً فيلم "الخلاص من شاوشانك" 1974 لفرانك دارابونت الذي يتجدد الحديث عنه اليوم، وفي كل مرة تحدث فيها قصة هروب جديدة تحمل مظلومية ما. 

حيث تكمن أهمية هذا الأخير الذي مازال يحتفظ بالمركز الأول في تقييمات IMDB رغم مرور كل هذه السنوات، بكونه تحول إلى عمل مرجعي ملهم، أضاف لمعانٍ سامية أخرى، أهمية  الايمان ورسوخه، الايمان الديني أو العقائدي أو الايديولوجي، أو أي إيمان يعزز معنى الحرية ويمنحها قوة الهدف وتحدي الصعاب بأدوات بدائية مدهشة في بساطتها، لكنها قادرة على تحطيم أساطير التفوق.

ليبقى السؤال الأكثر إثارة في قصة هروب سجناء سجن "جلبوع"، عن التفسير المقنع الذي يمكن أن تعالجه الدراما في يوم ما ويتعلق بنوم حارسة برج المراقبة في تلك اللحظات التاريخية التي غيرت مصائر ستة سجناء.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.