كلّ المحن والنكبات التي تعرض لها العراقيون لا تضاهي نكبتهم بغياب الهوية الوطنية
كلّ المحن والنكبات التي تعرض لها العراقيون لا تضاهي نكبتهم بغياب الهوية الوطنية

كلّ المحن والنكبات التي تعرض لها العراقيون لا تضاهي نكبتهم بغياب الهوية الوطنية، ولا أعتقد أنّ أمة امتحنت بأزمة الهوية مثل محنة العراقيين. فهذه المرة تجاوز الخلاف بين أبناء الوطن الواحد الموضوعات التي تتعلق بالأزمات السياسية، لينقسم العراقيون على من يريد الدفاع عن وطنيته أو يحاول  استعادتها، بعد أن بات يشعر بأنها الحلقة المفقودة في علاقتها مع دولة وحدودها الجغرافية لبلد اسمه العراق. 

لذلك، لم تكن مباراة كرة القدم بين العراق وإيران، التي أقيمت الأسبوع الماضي مجرد لعبة يتنافس فيها فريقان على التأهل لنهائيات كأس العالم في قطر 2022. بل هي مباراة كشفت عن صورة لمحنة حقيقية يعيشها العراقي في تعبيره عن مواقف، تعد من البديهيات في التعبير عن فكرة الوطنية في قبال الانتماءات الإيديولوجية،  التي تريد إلغاء الوطنية أو تذويبها في مشاريع إقليمية. 

وكما يبدو أن الكثير من المدونين يخوضون معاركهم في وسائل التواصل الاجتماعي ضدّ أي فكرة أو طرح يدعو إلى تبني موقف وطني، فهم لا يترددون أبدًا في اتهام من يطرح الآراء والمواقف الوطنية بأنه أما أن يكون متبنيا الشعارات القومية التي كان يتاجر بها حزب البعث في العراق، أو أنه يعمد إلى تسويق مشروع تديره وتنفذه سفارات أجنبية في العراق.

خطاب تخوين الآخر بات ينطبق عليه القول الشائع: (يرى أحدكم القذاة في عين أخيه، و لا يرى الجذع في عين نفسه)، إذ نجد شخصيات سياسية وإعلامية وناشطة في وسائل التواصل الاجتماعي تكيل التهم إلى الآخرين، وتسمهم بالعمالة والتبعية للسفارات الأميركية والبريطانية، في حين هم أنفسهم يدافعون جهاراً نهاراً عن ارتباطهم وعلاقتهم بإيران، وفي كل مناسبة يتصدون للدفاع عنها ضد من ينتقد تدخلاتها السياسية في العراق. 

تكمن مشكلة العراقيين الذين يتبادلون تهم التخوين، من طريق اتهام بعضهم البعض الآخر بالعمالة للأجنبي، بأن كلا الطرفين يدرك تماماً أن البلاد التي ولدوا فيها وعاش فيها آباؤهم وأجدادهم لم تتوفر فيها يوماً أي مقومات الشعور الوطني، فهم يضحون من أجلها لكن حكوماتها وأنظمتها لم توفر لهم أبسط حقوق المواطنة والعيش الكريم، لكنهم، وكما يروى عن الإمام الشاطبي: "إذا اراد الله السوء بأمة، أشاع بينهم الجدل وأبعد عنهم العمل".

عندما لا نحتكم إلى معايير واضحة وصريحة في تمييز المواقف الوطنية عن العمالة للأجنبي، سنكون بالتأكيد إزاء تهم جاهزة في التخوين،  وبحسب المزاج الإيديولوجي، ويمكن تصور حجم المأساة والمحنة التي يعيشها العراقيون عندما يتم التهكم على شعار (نريد وطن) الذي رفعته احتجاجات تشرين 2019! 

من هنا، يمكن تصور النجاح الباهر الذي حققته الأحزاب الحاكمة في ترسيخ الطائفية والعنصرية والتشاحن القومي، وبعد هذا النجاح باتت هذه القوى نفسها تعمل على ترسيخ خطابات التخوين لصالح الإيديولوجيات التي تدين بالولاء لها على حساب مصالح الوطن، الذي تتقاسم ثرواته وتسيطر على موارده الاقتصادية، ولكنها لا تدين بالولاء له!

بلد مثل العراق تتقاسمه الانتماءات القومية والمذهبية، مع وجود حكومات ونخب سياسية فشلت في تنبى مشروع وطني لبناء الأمة العراقية، وما صعود أو بقاء هذه الانتماءات القلقة إلا دليل واضح على فشل وتصدع بناء الأوطان، التي  عمادها الدولة الحديثة، وبطلها المواطن، الفرد، المجرد من أية صفة أخرى؛ لذلك من الطبيعي جداً أن يبقى أبناؤه حائرين بين الانتماءات الطائفية والقومية التي تعلو على أي صوت يدعو للوطنية، ويبقى القدح المعلى لحماة المذهب وسدنة الطائفية والقومية. 

مشكلتنا بوصفنا عراقيين تكمن في أننا ضربنا أرقاما قياسية في إعداد الأناشيد والأهازيج الوطنية، وفي ابتكار الرموز "الوطنية" وفي تقديم التضحيات "الوطنية"، لكننا مع ذلك عجزنا عن أن نبني وطنا حقيقيا، نعوض فيه شعورنا بالنقص تجاه واقع نهرب منه عبر تزييفه.

أزمة الوطنية في العراق هي نتيجة طبيعية لفشل الإيديولوجيات في بناء الأمة العراقية، منذ تأسيس الدولة في عشرينات القرن الماضي. إذ بقيت الفكرة الوطنية خجولة في الطرح في قبال الطروحات الإيديولوجية التي تريد تذويبها لصالح شعاراتها الرئيسة، وهذا ما فعلته الشعارات الماركسية، التي كانت تدعو للأممية، وتخوّن من يحصر فكرة الأولوية في الأوطان، وليس لمبادئ الحزب الذي تقوده دولة كبرى مثل الاتحاد السوفياتي سابقاً. 

 والتقاطع ما بين الإيديولوجيات وفكرة الوطنية هو محصلة طبيعية لتراكمات شعارات تتبناها النظرية القومية، التي روّجت لها النخبة الحاكمة في العراق منذ ستينيات القرن الماضي، ومعضلة النظرية القومية تكمن في أنها نظرية ثقافوية في الأمة العربية أكثر منها نظرية في الدولة الوطنية، وبمعنى آخر-كما يراها محمد جمال باروت- هي ليست نظرية في الدولة-الأمة بقدر ما هي على وجه الدقة والتحديد نظرية تفصل بشكل تام بين الأمة والدولة. 

لم تتجاوز النخب السياسية التي تحكمنا اليوم محنة العراقيين مع أولوية الإيديولوجيات على هويتهم ومصلحتهم الوطنية، فالإسلامويون الذين لهم الغلبة في الحكم والسيطرة على السلطة رسخوا هذه المحنة، وبدلاً من أن يكون مشروعهم بناء هوية وطنية والدفاع عنها وترسيخها، بات مشروعهم الأول تغييبها تماماً، وتغليب مصلحة المحاور الإقليمية بمشاريعها الطائفية، التي تريد ربط مصير بلدان المنطقة بمحاور الصراع التي لا تنتج إلا الحروب والفقر والعوز. 

نعيش في بلد اسمه العراق، ولدينا حكومة وبرلمان ومؤسسات عسكرية وأمنية، لكننا نفتقد إلى وطن نشعر فيه بالانتماء الوطني. وهذه المشكلة لم تكن من أولويات الطبقة السياسية التي حكمت العراق بعد 2003، إذ إنها استراتيجية شاملة ومقصودة لبناء الدولة وبناء الأمة، و لم تطرح أبداً طوال السنوات الثماني عشرة الماضية. ومفهوم الوطن، لم يعد مفهوماً معنوياً وشعاراً نتغنى فيه بالمناسبات الوطنية. بل هو مفهوم مادي يتأسس على ثالوث: الأرض(السيادة على إقليم محدد) وعقد اجتماعي ينشئ نظاما سياسيا ذا ملامح محددة، ومشاركة نشطة من جانب كل مواطن في تقرير أو تسيير أمور البلاد.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.