الأصمعي أحد "علماء/ نقلة" اللغة الكبار الذين اعتمد عليهم المؤلفون في بواكير مرحلة التدوين. اشتهر الأصمعي بذاكرته الاستثنائية التي جعلت بعض معاصريه يؤكد أنه كان يحفظ ثلث اللغة، بينما أكد آخرون أنه يحفظ من "الرجز" فقط أكثر من أربعة عشر ألف أرجوزة، فما بالك بالقصائد، والمقطعات الشعرية، وروافدها من القصص والحكايات والنوادر المضحكة التي جعلته مُقَرّبا جدا إلى الخلفاء والأمراء والوزراء؛ بعد أن مكنته هذه المرويات الطرائفية المضحكة من أن يُؤَدّي ـ بمهارة فائقة ـ دورَ: "مُهَرّج السلطان"!
لم يكن الأصمعي كسولا ولا ضعيفَ الهِمّة في طلب اللغة وما يتعلق بها من أشعار وأحاديث وتواريخ، بل وجغرافيا أيضا. لقد اقتحم صحاري الجزيرة العربية بنفسه، وتجوّل في سهولها وجبالها لسنوات طويلة؛ يجمع عن العرب الأقحاح/ العرب الفصحاء كلَّ ما مِن شأنه أن يُعَزّز ثروته اللغوية والأدبية، ويمدّه بأشياء غريبة/ نادرة تكفل له التميزَ والتفوقَ على بقية الأقران في عواصم الثقافة العربية التي كانت تعاني آنذاك من مخاض البدايات الأولى، بدايات تشكّلها الثقافي في النصف الثاني من القرن الهجري الثاني.
لكن، هذا الأصمعي الذي كان يُوصَف بأنه من أعلم الناس بأشعار العرب وآدابها؛ لم يكن إلا أثريّا/ ناقلا. العلم آنذاك كان نقلا ! وكانت مهارته محصورة في النقل/ الحفظ، ثم استعادة المناسب من هذا المخزون في أية مناسبة طارئة تحتفي به. سرعة الاستذكار، والقدرة على توظيف المحفوظ لدعم موقفه/ رأيه، أو لبثّ روح الفكاهة في المحادثة، كانت هي ما يُمَيّز الأصمعي، في مقابل عجزه الكبير عن الأمور التي تحتاج لـ"إعمال عقل"، أي لتفكير يُمَارس ما هو فوق استرجاع المحفوظ سلفا.
كان الخليل بن أحمد الفراهيدي (أحد شيوخ الأصمعي) هو واضع "علم العروض"، وكان هذا العلم قد أخذ يتبوأ ـ على يد الخليل ـ مكانة مهمة في منظومة علوم اللغة العربية وآدابها.
أدرك الأصمعي ضرورة أن يتعلم هذا العلم الجديد؛ حتى يكون مُلِما بأحد أهم آليات نقد/ معرفة الشعر، الشعر الذي يطرح الأصمعي نفسه في الساحة الثقافية بوصفه أهم رواته الثقاة. غير أن "علم العروض" لم يكن "علمَ نَقْلٍ"؛ بقدر ما كان "علمَ عَقلٍ"، والأصمعي "نقلي"، وليس "عقليا". وكما يحكي ابنُ جِنِّي، في "الخصائص"، فإن الأصمعيَّ أراد من الخليل بن أحمد أن يُعَلّمهُ العَرُوض (بحور الشعر/ موسيقاه)، فتَعَذَّر ذلكَ على الأصمعي وبعُدَ عنه، فيَئِسَ الخليل منه، فقال له يومًا: يا أبا سعيد، كيف تُقَطّع قول الشاعر:
إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ
قال: فعلمَ الأصمعي أنَّ الخليل قد تَأَذَّى بِبُعدِه عن علم العَرُوض، فلم يعاودْه فيه.
الخليل، بعبقريته الفذة، أدرك أن تلميذه: الأصمعي ليس رجل "فِكْر"، بل رجل "ذِكْر"، وأنه ـ بعقليته النقلية/ غير العقلية ـ مهما حاول تعلم علم العروض؛ فلن يفلح في ذلك أبدا؛ في مقابل أنه بارع جدا في مهارة الحفظ والاستذكار.
أراد الخليل أن يذكر له هذه الحقيقة المؤلمة، فلم يصرح له بذلك؛ كي لا يجرح مشاعره، ويُحْبِط هِمّته. لهذا، طرح عليه بيتا شعريا كأن الهدف منه اختبار قدرته على تقطيع البيت عروضيا، بينما هو ـ في الحقيقة ـ يقصد إيصال مضمون البيت.
الأصمعي فهم الإشارة، وعرف أن الخليل يقول له بطريق غير مباشر: أنت لا تستطيع تعلّم علم العروض؛ إذ هو علم عقلي، في حين أنك إنسان نقلي، فاجعل جهدك واجتهادك فيما تحسنه: مهارات النقل، ودع عنك ما لا تحسنه: مهارات العقل.
عندما عرف الأصمعي حدود قدراته، وجهّها في ما ينفعه. أدرك أن مهارة الحفظ تجعله مُحَدّثا مُسَليا. في ذلك العصر، لم يكن ثمة صحف ولا مذياع ولا تلفزيون. ولهذا، فحتى أعلى الطبقات المرفّهة، لم تكن تجد من المسليات ما يتعدى نوادر الأخبار والقصص والطرائف. وهنا يكون سوق "الوعي النقلي" رائجا. وقد بادر الأصمعي ليكون "مهرّج البلاط"، خاصة بلاط هارون الرشيد. لم يكن مطلوبا منه أن يكون بارعا في علم العروض، لم يكن مطلوبا منه أن يشتغل ببراعة على أي علم عقلي، بل المطلوب منه فقط: طرائف مضحكة، وأشعارا مُسْتَمْلَحَة، وأخبارا مُسْتَغربة. فإن استطاع بهذه إضحاك الخليفة، وإخراجه من جدية فضاء الصراعات العنيفة التي كان تخوضها مع خصومه في الداخل والخارج، إلى فضاء تسلية المجالس العبثية التي تصدح في أرجائها قهقهات الندماء، فقد نجح في مهمته نجاحا يجعل الهبات والأعطيات تتسابق إليه دون بقية الأقران!
لم يُحْسِن الأصمعي غير هذا. وحتى عندما تجاوز عصرَ شبابه الأول، ولم يعد يُطِيق التجوال في بلاد العرب لجمع الأخبار والنوادر وطرائف الأشعار، فقد بدأ في تأليفها من تلقاء نفسه، ونِسْبتها إلى الأعراب. فقد سُئِل ابن أخيه وأحدَ المقربين منه: أين عمك يا عبد الرحمن؟ قال: هو في المِشْرَاق يكذب على الأعراب. يقصد هو جالس تحت أشعة الشمس مستمتعا بدفئها في الشتاء، في الوقت الذي يؤلف فيه القصصَ والنوادرَ وينسبها إلى الأعراب؛ لتكون أكثر رواجا في مجالس الخلفاء والأمراء، وليأخذ عليها ـ كنوادر لم يعرفها غيره! ـ ما تجود به أنفسهم من غرائب الأموال!
هذه الظاهرة الأصمعية (= طرائف الأصمعي) طبعت مسار التأليف الأدبي العربي، خاصة في المُدوّنات الأولى. نعم، بعضها تخلله شيء من الرؤى التحليلية، والمناقشات اللغوية الرصينة، لكن الأغلبية الساحقة منها كانت تعكس "الروح الأصمعية" التي تتعامل مع الأدب بوصفه: ما تجمعه الذاكرة العشوائية من طرائف الأشعار والأخبار، وما يتبع ذلك من الحكايات المسلية، بل والماجنة، التي ترتد جميعها لتدخل في باب: الهزل العابث؛ لا في باب: العلم الجاد.
لكن، إذا كان مقبولا أن تمتلئ كتب التراث من أمثال: العقد الفريد، وعيون الأخبار، والأغاني، وزهر الآداب، والمستطرف، والموشى، وتمام المتون، وبهجة المجالس...إلخ بهذه الطرائف والحكايات والنوادر؛ لأنها كانت تؤدي آنذاك أكثر من دور؛ ولأنها كانت تعكس سذاجة البدايات قبل عشرة قرون وأكثر؛ فليس مقبولا ولا معقولا أن تصبح الدراسات الأدبية اليوم في جامعاتنا مجرد استعادة هزيلة لطرائف وغرائب تلك الكتب، وكأن هذه الاستعادة (= النقل الآلي) هي غاية العلم ومنتهاه، بل وكأن أساتذة الأدب في جامعاتنا التقليدية لم يسمعوا بالتطورات المعرفية التي طرأت على حقل الدراسات الأدبية والنقدية في العالم !
إن كثيرا من جامعاتنا هي محاض "تعليم تقليدي"، ويزداد الأمر سوءا في حقول الدراسات المعنية بالعلوم الإنسانية، والأدب ونقده على وجه الخصوص. ليس معقولا أن يترقى أساتذة الأدب في الدرجات العلمية الأكاديمية ليصل بعضهم إلى درجة: أستاذ دكتور، ثم يكون منتجه "العلمي" مجرد نسخة رثة من "طرائف الأصمعي"، حيث يجمع ما قيل في كذا، وما قيل في ذاك، مع تعليقات انطباعية باردة، يعدّها نقدا ودراسة، بينما هي مجرد خواطرِ مُسْتَضْحِكٍ ومُسْتَظرفٍ لطرائف الأشعار والأخبار.
وليست المشكلة في هذا الجمع والتعليق العفوي الساذج، لو كان يعدّه صاحبه من سقط متاع العلم، أو من فكاهات المجالس وعبثها، وإنما المشكلة أنه ـ وهو المتصدّر كأستاذ أدب ! ـ يعدّه الجهدَ العلميَ المرموق الذي يستحق الاحتفاء والاعتناء، وربما خادعته نفسُه لينتظر عليه الجوائزَ الأدبية من هذه المؤسسة التقليدية أو تلك، على اعتبار أنه بهذه النقولات التراثية (التي هي موجودة في كتب التراث، ويستطيع اليوم أي طفل في 12 من عمره أن يجمعها بضغطة زر في غضون بضع ساعات) يؤكد "الأصالة"، ويستعيد "مجد اللغة" ويُعِيد إحياء "الإرث الحضاري" العظيم.
أساتذة الأدب في جامعاتنا ـ وغيرهم في حقولهم المعرفية الأخرى ـ مُهِمّتهم الحقيقة أن يُمِدّوا حقلَ الدراسات الأدبية بآخر المنجزات في هذا المجال، نقلا ونقدا وتفعيلا، وأن ينقلوا "تجربتهم العلمية" المتراكمة ـ وليس تجربتهم "النقلية الببغائية" ـ إلى الأجيال الجديدة من الدارسين.
أي أن يكونوا ـ كمتخصصين ـ قنوات معرفية تُثْري الفضاءَ الثقافي العام بالجديد، وتخلق بذلك آفاقا معرفية تتجاوز حدود الآفاق الراهنة؛ لتؤدي ـ بذلك ـ الجامعات دورها كمنارات للعلم المتخصص، وكمراكز إشعاع تنويري عام؛ بدل دورها التقليدي الراهن الذي يُعِيد ـ بِبِدائيةٍ رَثَّةٍ ـ تدويرَ ما أنتجه الأسلاف.
أقول هذا، وأنا أعرف أن مثل هؤلاء الأساتذة التقليديين (المنتشرين في أقسام الجامعات التقليدية في عالمنا العربي) لا يستطيعون غير ما يُقَدّمونه من فتاتِ موائد كتب التراث العتيق، أعرف أن قدراتهم العقلية، ومهاراتهم، واستعداداتهم النفسية للبحث والمتابعة، لا تُمَكّنهم من تجاوز ما يقومون به: القدرة على فتح أحد كتب التراث، ونقل هذه المقطع أو ذاك، أعرف هذا منهم، ولهذا أقول لهم ما قاله الخليلُ للأصمعي:
إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ
إن هذه الكارثة المعرفية وإن ظهرت ملامحها جلية في الممارسات "العلمية" عند كثير من "أساتذة الأدب"، وفي كثير من حقول العلوم الإنسانية، إلا أن انعكاساتها باتت واضحة على الوعي العالم، هذا الوعي الذي بدا وكأنه نِتاج "العقل الطرائفي" الذي بات يُشَكّل ظاهرة، حيث أصبح تناول المتون العلمية من "مقالات" و"بحوث علمية" و"كتب" يتم على نحو تجزيئي: تقطيع أوصال النص ليتحوّل إلى منقولات: "مقطّعات" و"مقتطفات" و"شذرات"؛ بدل أن يُفْهم النصُ بوصفه مسارا عقليا/ بُنْيَة متكاملة، لا يمكن استكناه دلالاته إلا من خلال وحدته العامة التي يحتاج مُقَارِبُها لاشتغالٍ "عقلي"، وليس لاستذكار "نقلي" تُوَفِّره لهم عملية التقطيع والاجتزاء.
ولعل مما زاد حجم هذه الكارثة النقلية/ الاجتزائية التي تستند على "العقل الطرائفي"، ومَكَّنها من الاستشراء هذا الرواجُ الكبير لوسائل الاتصال الجماهيري التي يُهيمن عليها الوعي العامي الذي هو وعي نقلي بامتياز. فهذه الجماهير لا عناية لها أصلا بالمعرفة، ولكنها تصطدم ببعض زواياها في وسائل الاتصال؛ فتحرك شيئا من اهتمامها الطارئ/ العابر. وكي تكون ملاءمة لها، يجري تقطيع أوصال النصوص (وهنا يجري ـ بالضرورة ـ تجريدها من نسقها/ عقلانيتها)، وتدويرها في هذا الفضاء؛ لتكون أشبه بـ"الطرائف الأصمعية المُسْتَمْلَحة" التي قد تُقَدّم بِضْعَ معلوماتٍ متناثرة، لكنها لا تُقَدّم معرفةً متسقةً قادرةً على المساءلة ومن ثَمَّ، النقد، والتنسيق، وصولا إلى الابتكار.
