دراسة الأدب العربي.. إشكالية وتساؤلات
دراسة الأدب العربي.. إشكالية وتساؤلات

الأصمعي أحد "علماء/ نقلة" اللغة الكبار الذين اعتمد عليهم المؤلفون في بواكير مرحلة التدوين. اشتهر الأصمعي بذاكرته الاستثنائية التي جعلت بعض معاصريه يؤكد أنه كان يحفظ ثلث اللغة، بينما أكد آخرون أنه يحفظ من "الرجز" فقط أكثر من أربعة عشر ألف أرجوزة، فما بالك بالقصائد، والمقطعات الشعرية، وروافدها من القصص والحكايات والنوادر المضحكة التي جعلته مُقَرّبا جدا إلى الخلفاء والأمراء والوزراء؛ بعد أن مكنته هذه المرويات الطرائفية المضحكة من أن يُؤَدّي ـ بمهارة فائقة ـ دورَ: "مُهَرّج السلطان"!

لم يكن الأصمعي كسولا ولا ضعيفَ الهِمّة في طلب اللغة وما يتعلق بها من أشعار وأحاديث وتواريخ، بل وجغرافيا أيضا. لقد اقتحم صحاري الجزيرة العربية بنفسه، وتجوّل في سهولها وجبالها لسنوات طويلة؛ يجمع عن العرب الأقحاح/ العرب الفصحاء كلَّ ما مِن شأنه أن يُعَزّز ثروته اللغوية والأدبية، ويمدّه بأشياء غريبة/ نادرة تكفل له التميزَ والتفوقَ على بقية الأقران في عواصم الثقافة العربية التي كانت تعاني آنذاك من مخاض البدايات الأولى، بدايات تشكّلها الثقافي في النصف الثاني من القرن الهجري الثاني.

لكن، هذا الأصمعي الذي كان يُوصَف بأنه من أعلم الناس بأشعار العرب وآدابها؛ لم يكن إلا أثريّا/ ناقلا. العلم آنذاك كان نقلا ! وكانت مهارته محصورة في النقل/ الحفظ، ثم استعادة المناسب من هذا المخزون في أية مناسبة طارئة تحتفي به. سرعة الاستذكار، والقدرة على توظيف المحفوظ لدعم موقفه/ رأيه، أو لبثّ روح الفكاهة في المحادثة، كانت هي ما يُمَيّز الأصمعي، في مقابل عجزه الكبير عن الأمور التي تحتاج لـ"إعمال عقل"، أي لتفكير يُمَارس ما هو فوق استرجاع المحفوظ سلفا.

كان الخليل بن أحمد الفراهيدي (أحد شيوخ الأصمعي) هو واضع "علم العروض"، وكان هذا العلم قد أخذ يتبوأ ـ على يد الخليل ـ مكانة مهمة في منظومة علوم اللغة العربية وآدابها.

أدرك الأصمعي ضرورة أن يتعلم هذا العلم الجديد؛ حتى يكون مُلِما بأحد أهم آليات نقد/ معرفة الشعر، الشعر الذي يطرح الأصمعي نفسه في الساحة الثقافية بوصفه أهم رواته الثقاة. غير أن "علم العروض" لم يكن "علمَ نَقْلٍ"؛ بقدر ما كان "علمَ عَقلٍ"، والأصمعي "نقلي"، وليس "عقليا". وكما يحكي ابنُ جِنِّي، في "الخصائص"، فإن الأصمعيَّ أراد من الخليل بن أحمد أن يُعَلّمهُ العَرُوض (بحور الشعر/ موسيقاه)، فتَعَذَّر ذلكَ على الأصمعي وبعُدَ عنه، فيَئِسَ الخليل منه، فقال له يومًا: يا أبا سعيد، كيف تُقَطّع قول الشاعر:

إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ        وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ

 قال: فعلمَ الأصمعي أنَّ الخليل قد تَأَذَّى بِبُعدِه عن علم العَرُوض، فلم يعاودْه فيه.

الخليل، بعبقريته الفذة، أدرك أن تلميذه: الأصمعي ليس رجل "فِكْر"، بل رجل "ذِكْر"، وأنه ـ بعقليته النقلية/ غير العقلية ـ مهما حاول تعلم علم العروض؛ فلن يفلح في ذلك أبدا؛ في مقابل أنه بارع جدا في مهارة الحفظ والاستذكار.

أراد الخليل أن يذكر له هذه الحقيقة المؤلمة، فلم يصرح له بذلك؛ كي لا يجرح مشاعره، ويُحْبِط هِمّته. لهذا، طرح عليه بيتا شعريا كأن الهدف منه اختبار قدرته على تقطيع البيت عروضيا، بينما هو ـ في الحقيقة ـ يقصد إيصال مضمون البيت.

الأصمعي فهم الإشارة، وعرف أن الخليل يقول له بطريق غير مباشر: أنت لا تستطيع تعلّم علم العروض؛ إذ هو علم عقلي، في حين أنك إنسان نقلي، فاجعل جهدك واجتهادك فيما تحسنه: مهارات النقل، ودع عنك ما لا تحسنه: مهارات العقل.

عندما عرف الأصمعي حدود قدراته، وجهّها في ما ينفعه. أدرك أن مهارة الحفظ تجعله مُحَدّثا مُسَليا. في ذلك العصر، لم يكن ثمة صحف ولا مذياع ولا تلفزيون. ولهذا، فحتى أعلى الطبقات المرفّهة، لم تكن تجد من المسليات ما يتعدى نوادر الأخبار والقصص والطرائف. وهنا يكون سوق "الوعي النقلي" رائجا. وقد بادر الأصمعي ليكون "مهرّج البلاط"، خاصة بلاط هارون الرشيد. لم يكن مطلوبا منه أن يكون بارعا في علم العروض، لم يكن مطلوبا منه أن يشتغل ببراعة على أي علم عقلي، بل المطلوب منه فقط: طرائف مضحكة، وأشعارا مُسْتَمْلَحَة، وأخبارا مُسْتَغربة. فإن استطاع بهذه إضحاك الخليفة، وإخراجه من جدية فضاء الصراعات العنيفة التي كان تخوضها مع خصومه في الداخل والخارج، إلى فضاء تسلية المجالس العبثية التي تصدح في أرجائها قهقهات الندماء، فقد نجح في مهمته نجاحا يجعل الهبات والأعطيات تتسابق إليه دون بقية الأقران!

لم يُحْسِن الأصمعي غير هذا. وحتى عندما تجاوز عصرَ شبابه الأول، ولم يعد يُطِيق التجوال في بلاد العرب لجمع الأخبار والنوادر وطرائف الأشعار، فقد بدأ في تأليفها من تلقاء نفسه، ونِسْبتها إلى الأعراب. فقد سُئِل ابن أخيه وأحدَ المقربين منه: أين عمك يا عبد الرحمن؟ قال: هو في المِشْرَاق يكذب على الأعراب. يقصد هو جالس تحت أشعة الشمس مستمتعا بدفئها في الشتاء، في الوقت الذي يؤلف فيه القصصَ والنوادرَ وينسبها إلى الأعراب؛ لتكون أكثر رواجا في مجالس الخلفاء والأمراء، وليأخذ عليها ـ كنوادر لم يعرفها غيره! ـ ما تجود به أنفسهم من غرائب الأموال!

هذه الظاهرة الأصمعية (= طرائف الأصمعي) طبعت مسار التأليف الأدبي العربي، خاصة في المُدوّنات الأولى. نعم، بعضها تخلله شيء من الرؤى التحليلية، والمناقشات اللغوية الرصينة، لكن الأغلبية الساحقة منها كانت تعكس "الروح الأصمعية" التي تتعامل مع الأدب بوصفه: ما تجمعه الذاكرة العشوائية من طرائف الأشعار والأخبار، وما يتبع ذلك من الحكايات المسلية، بل والماجنة، التي ترتد جميعها لتدخل في باب: الهزل العابث؛ لا في باب: العلم الجاد.

لكن، إذا كان مقبولا أن تمتلئ كتب التراث من أمثال: العقد الفريد، وعيون الأخبار، والأغاني، وزهر الآداب، والمستطرف، والموشى، وتمام المتون، وبهجة المجالس...إلخ بهذه الطرائف والحكايات والنوادر؛ لأنها كانت تؤدي آنذاك أكثر من دور؛ ولأنها كانت تعكس سذاجة البدايات قبل عشرة قرون وأكثر؛ فليس مقبولا ولا معقولا أن تصبح الدراسات الأدبية اليوم في جامعاتنا مجرد استعادة هزيلة لطرائف وغرائب تلك الكتب، وكأن هذه الاستعادة (= النقل الآلي) هي غاية العلم ومنتهاه، بل وكأن أساتذة الأدب في جامعاتنا التقليدية لم يسمعوا بالتطورات المعرفية التي طرأت على حقل الدراسات الأدبية والنقدية في العالم !

إن كثيرا من جامعاتنا هي محاض "تعليم تقليدي"، ويزداد الأمر سوءا في حقول الدراسات المعنية بالعلوم الإنسانية، والأدب ونقده على وجه الخصوص. ليس معقولا أن يترقى أساتذة الأدب في الدرجات العلمية الأكاديمية ليصل بعضهم إلى درجة: أستاذ دكتور، ثم يكون منتجه "العلمي" مجرد نسخة رثة من "طرائف الأصمعي"، حيث يجمع ما قيل في كذا، وما قيل في ذاك، مع تعليقات انطباعية باردة، يعدّها نقدا ودراسة، بينما هي مجرد خواطرِ مُسْتَضْحِكٍ ومُسْتَظرفٍ لطرائف الأشعار والأخبار.

وليست المشكلة في هذا الجمع والتعليق العفوي الساذج، لو كان يعدّه صاحبه من سقط متاع العلم، أو من فكاهات المجالس وعبثها، وإنما المشكلة أنه ـ وهو المتصدّر كأستاذ أدب ! ـ يعدّه الجهدَ العلميَ المرموق الذي يستحق الاحتفاء والاعتناء، وربما خادعته نفسُه لينتظر عليه الجوائزَ الأدبية من هذه المؤسسة التقليدية أو تلك، على اعتبار أنه بهذه النقولات التراثية (التي هي موجودة في كتب التراث، ويستطيع اليوم أي طفل في 12 من عمره أن يجمعها بضغطة زر في غضون بضع ساعات) يؤكد "الأصالة"، ويستعيد "مجد اللغة" ويُعِيد إحياء "الإرث الحضاري" العظيم.

أساتذة الأدب في جامعاتنا ـ وغيرهم في حقولهم المعرفية الأخرى ـ مُهِمّتهم الحقيقة أن يُمِدّوا حقلَ الدراسات الأدبية بآخر المنجزات في هذا المجال، نقلا ونقدا وتفعيلا، وأن ينقلوا "تجربتهم العلمية" المتراكمة ـ وليس تجربتهم "النقلية الببغائية" ـ إلى الأجيال الجديدة من الدارسين.

أي أن يكونوا ـ كمتخصصين ـ قنوات معرفية تُثْري الفضاءَ الثقافي العام بالجديد، وتخلق بذلك آفاقا معرفية تتجاوز حدود الآفاق الراهنة؛ لتؤدي ـ بذلك ـ الجامعات دورها كمنارات للعلم المتخصص، وكمراكز إشعاع تنويري عام؛ بدل دورها التقليدي الراهن الذي يُعِيد ـ بِبِدائيةٍ رَثَّةٍ ـ تدويرَ ما أنتجه الأسلاف.

أقول هذا، وأنا أعرف أن مثل هؤلاء الأساتذة التقليديين (المنتشرين في أقسام الجامعات التقليدية في عالمنا العربي) لا يستطيعون غير ما يُقَدّمونه من فتاتِ موائد كتب التراث العتيق، أعرف أن قدراتهم العقلية، ومهاراتهم، واستعداداتهم النفسية للبحث والمتابعة، لا تُمَكّنهم من تجاوز ما يقومون به: القدرة على فتح أحد كتب التراث، ونقل هذه المقطع أو ذاك، أعرف هذا منهم، ولهذا أقول لهم ما قاله الخليلُ للأصمعي:

إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ        وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ

إن هذه الكارثة المعرفية وإن ظهرت ملامحها جلية في الممارسات "العلمية" عند كثير من "أساتذة الأدب"، وفي كثير من حقول العلوم الإنسانية، إلا أن انعكاساتها باتت واضحة على الوعي العالم، هذا الوعي الذي بدا وكأنه نِتاج "العقل الطرائفي" الذي بات يُشَكّل ظاهرة، حيث أصبح تناول المتون العلمية من "مقالات" و"بحوث علمية" و"كتب" يتم على نحو تجزيئي: تقطيع أوصال النص ليتحوّل إلى منقولات: "مقطّعات" و"مقتطفات" و"شذرات"؛ بدل أن يُفْهم النصُ بوصفه مسارا عقليا/ بُنْيَة متكاملة، لا يمكن استكناه دلالاته إلا من خلال وحدته العامة التي يحتاج مُقَارِبُها لاشتغالٍ "عقلي"، وليس لاستذكار "نقلي" تُوَفِّره لهم عملية التقطيع والاجتزاء.

ولعل مما زاد حجم هذه الكارثة النقلية/ الاجتزائية التي تستند على "العقل الطرائفي"، ومَكَّنها من الاستشراء هذا الرواجُ الكبير لوسائل الاتصال الجماهيري التي يُهيمن عليها الوعي العامي الذي هو وعي نقلي بامتياز. فهذه الجماهير لا عناية لها أصلا بالمعرفة، ولكنها تصطدم ببعض زواياها في وسائل الاتصال؛ فتحرك شيئا من اهتمامها الطارئ/ العابر. وكي تكون ملاءمة لها، يجري تقطيع أوصال النصوص (وهنا يجري ـ بالضرورة ـ تجريدها من نسقها/ عقلانيتها)، وتدويرها في هذا الفضاء؛ لتكون أشبه بـ"الطرائف الأصمعية المُسْتَمْلَحة" التي قد تُقَدّم بِضْعَ معلوماتٍ متناثرة، لكنها لا تُقَدّم معرفةً متسقةً قادرةً على المساءلة ومن ثَمَّ، النقد، والتنسيق، وصولا إلى الابتكار.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.