لقطة أرشيفية لاقتحام مبنى الكونغرس الأميركي في 6 يناير الماضي
لقطة أرشيفية لاقتحام مبنى الكونغرس الأميركي في 6 يناير الماضي

من بين جميع الخطب التي ألقيت في الذكرى العشرين لهجمات سبتمبر الإرهابية، وحده كان خطاب الرئيس الأسبق جورج بوش الابن الأكثر شجاعة وحكمة وصدقية. خطاب بوش الذي ألقاه في شانكسفيل، بولاية بنسلفانيا في الموقع الذي سقطت فيه الطائرة الرابعة بعد مقاومة المسافرين للخاطفين، كان مباشرا ودقيقا وصريحا حين ربط بين دموية وتطرف إرهابيي تنظيم القاعدة في ذلك اليوم المشمس والجميل في 11 سبتمبر 2001، وبين دموية وتطرف الإرهابيين الأميركيين الذين اجتاحوا مبنى الكابيتول في السادس من يناير 2021، في محاولة سافرة لتقويض الديمقراطية الأميركية.

المفارقة أن إرهابيي تنظيم القاعدة أخفقوا في استخدام الطائرة لتدمير مبنى الكابيتول، بينما نجح إرهابيو الداخل باجتياح المبنى وحاولوا "اصطياد" رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، وطالبوا برأس نائب الرئيس مايك بنس، واعتدوا بالضرب على أفراد الشرطة وجرحوا العشرات منهم. لم يتجرأ أي مسؤول حالي أو سابق، قبل الرئيس بوش الابن، على أن يربط ولو ضمنا بين إرهاب الحادي عشر من سبتمبر، وإرهاب السادس من يناير، رغم أن بينهما عشرين سنة.

قبل عشرين سنة ردت الولايات المتحدة بسرعة وبعنف على الهجمات التي قتلت حوالي 3 آلاف مدني، أكثريتهم العظمى من الأميركيين، لكن الضحايا أتوا من 90 دولة. وسارعت القوات الأميركية بغزو أفغانستان لمعاقبة تنظيم القاعدة والإطاحة بنظام طالبان الذي وفّر للقاعدة الملجأ، ولكن الرئيس بوش عدّل من هذه الأهداف وأضاف إليها رغبته ببناء دولة حديثة في أفغانستان.

ولاحقا، في 2003 غزت الولايات المتحدة العراق للتخلص من أسلحة دمار شامل لم تكن موجودة في الترسانة العراقية، ولجلب الديمقراطية ومؤسساتها إلى العراق تحت شعار "أجندة الحرية" التي نادى بها بوش الابن. بين بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وبداية العقد الثالث منه، وجدت الولايات المتحدة أن عليها إنقاذ نظامها الديمقراطي، ولكن هذه المرة من خطر إرهابيين أميركيين يعيشون بيننا ويتحدثون لغتنا ويدعّون Hن ما يفعلونه هو لخدمة الدستور والبلاد.

وقال بوش: "لا يوجد هناك تداخل ثقافي يذكر بين المتطرفين العنيفين في الخارج والمتطرفين العنيفين في الوطن"، وأضاف "ولكن احتقارهم للتعددية، واستخفافهم بالحياة الإنسانية، وفي تصميمهم على انتهاك الرموز الوطنية، فإنهم أطفال متحدرون من الروح الكريهة ذاتها، ولذلك فإن واجبنا يدعونا لأن نتصدى لهم".

أهمية تشخيص بوش لخطر الإرهاب الداخلي لا تكمن في أنه رئيس سابق، ولكن لأنه رئيس جمهوري سابق، لم يتردد في انتقاد الرئيس الجمهوري الذي احتل البيت الأبيض بعده، لأنه شجع هذه الظاهرة الارهابية الداخلية.

الرئيس جو بايدن، الذي تفادى إلقاء أي خطاب في أي من المناطق الثلاثة التي تعرضت للهجمات الإرهابية لكي لا يستأثر بالأضواء الإعلامية، رحّب بخطاب بوش "الجيد للغاية" مشيدا بتركيز بوش على القيم الأميركية التي تنبذ ما يريده إرهابيو الخارج والداخل.

خلال الانسحاب الأميركي المضطرب من أفغانستان وسقوط الحكومة الأفغانية، وحتى خلال عملية إجلاء الرعايا من مطار كابل، التي أحاطت بها الفوضى والعنف، أعرب المتطرفون ودعاة تفوق العنصر الأبيض في الولايات المتحدة عن إعجابهم بالنجاح السريع الذي حققته حركة طالبان، ورأوا في ذلك مثالا يحتذى به في الولايات المتحدة وكنموذج لأولئك الذين يتوقعون أو يؤيدون زج الولايات المتحدة في حرب أهلية، كما قال جون كوهين، مدير قسم الاستخبارات والتحليل في وزارة الأمن الوطني وفقا لشبكة "سي إن إن".

المتطرفون والعنصريون ركزوا في حواراتهم عبر وسائل الاتصال الاجتماعي على أن نجاح مقاتلي طالبان بأسلحتهم غير المتطورة في هزيمة نظام تؤيده الولايات المتحدة يعود إلى تعلق هؤلاء المقاتلين بوطنهم واستعدادهم للتضحية من أجله، وأن هذا النموذج هو الذي يضمن الانتصار لهم في الداخل الأميركي.

ويحذر المسؤولون الأمنيون في الولايات حتى قبل اجتياح الكابيتول في يناير الماضي، من أن "الخطر الأكبر" الذي تواجهه الولايات المتحدة الآن هو من قوى التطرف العنيف داخل البلاد، كما قال وزير الأمن الوطني أليهاندرو مايوركاس خلال جلسة استماع في الكونغرس. وكان مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (اف بي آي) كريستوفر راي قد أدلى بمواقف مماثلة في السنتين الماضيتين.

وخلال السنوات القليلة الماضية كان هناك ارتفاع ملحوظ في عدد الهجمات والأعمال الإرهابية التي شنها أفراد أو جماعات وميليشيات يمينية متطرفة نازية أو تؤمن بتفوق العنصر الأبيض، أدت إلى قتل وجرح العشرات من المدنيين. وفي سنة 2019 أدى الإرهاب الداخلي إلى مقتل 48 أميركي، معظمهم على أيدي المتطرفين البيض. مع حلول شهر مارس الماضي وصل عدد التحقيقات في أعمال العنف المتطرف في الولايات المتحدة إلى أكثر من ألفين، أي حوالي ضعف عدد التحقيقات في سنة 2017.

إحصائيات السنة الراهنة حول أعمال التطرف الداخلي، في أعقاب اجتياح الكابيتول ومضاعفاته سوف تكون أضعاف إحصائيات السنوات الماضية. التبريرات التي استخدمها بعض المشرعين الجمهوريين لاجتياح الكابيتول ومحاولة التخفيف من خطورته وأهميته، تهدف من جملة ما تهدف إليه إلى "تطبيع" او حتى "شرعنة" مثل هذا العنف .

الأسباب التي ساهمت في خلق هذا التطرف الداخلي، مثل انحسار الثقة بالمؤسسات الحكومية، والهجرة من الدول الأفريقية وأميركا اللاتينية والمسلمة، وخوف شريحة متنامية من المواطنين البيض من أن هذه الهجرة تهدف الى "استبدالهم"، واستمرار تداول كذبة سرقة الانتخابات من دونالد ترامب، هذه الأسباب باقية ولن تختفي في أي وقت قريب. وهذا يعني أن الجماعات المتطرفة سوف تجد جنودا مستعدون لمواصلة الحرب ضد ما يعتبرونه النخب السياسية والاقتصادية التي تؤمن بالعولمة على حساب ما يسمونه القومية الأميركية التي تعني قومية المتحدرين من أصول أوروبية بيضاء، التي لخصها الرئيس السابق دونالد ترامب بشعار "أميركا أولا".

هذه الجماعات المتطرفة سوف تستفيد من استمرار الانقسامات والاستقطابات السياسية والثقافية المتفاقمة في البلاد، التي ستزداد حدة مع اقتراب الانتخابات النصفية في نوفمبر 2022، وقطعا في انتخابات الرئاسة المقبلة في 2024. احتمالات حدوث أعمال عنف من قبل الجماعات والميليشيات الأميركية المتطرفة سوف تزداد كثيرا إذا خسر المرشحون الجمهوريون الانتخابات وقرروا الطعن بصدقيتها واتهام خصومهم بتزويرها، كما حدث خلال الأسابيع والأيام التي سبقت اجتياح الكابيتول حين تحولت كذبة سرقة الانتخابات الرئاسية من ترامب إلى فعل إيمان لا يقبل النقاش أو الطعن. هذا الإيمان الأعمى بكذبة ترامب، كان من أهم الاسباب التي أدت إلى اجتياح الكابيتول.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.