خارج مطار كابل
خارج مطار كابل

بالنسبة لطيف من الأنظمة والقوى والزعماء الشموليين في منطقتنا وحساباتهم الخاصة بمستقل سُلطتهم، فإن الانسحاب الأميركي من أفغانستان يجمع استقطابين: الأول هو "فشل" الولايات المُتحدة كأكبر قوة سياسية واقتصادية وعسكرية عالمية، فشلها بالذات في إعادة تأسيس نظام سياسي جديد، ولو على أنقاض تنظيم منبوذ وشديد الشمولية، وفي دولة بالغة الهشاشة.

القطب الثاني هو التثبت من قابلية النظام العالمي الجديد للقبول بمجموعة حاكمة مثل حركة طالبان، تملك هذا القدر المريع من التاريخ السياسي، ويعد بما لا يقل عنه فظاعة.

يقول سلطويو منطقتنا لأنفسهم: في وقتٍ يحدث كل ما يحدث في أفغانستان، فإن جرعات مضاعفة من الاستراتيجيات والسلوكيات والأفعال غير التقليدية، تجاه المناوئين الداخليين والخصوم الإقليميين الأضعف، سيكون أمراً مقبولاً، ولن يستجر أي عواقب سياسية مستقبلية قط.

يُمكن سرد طيف كامل من السياسيات والاستراتيجيات المتوقعة في ذلك السياق، خلال المستقبل المنظور، التي صارت بعض ملامحها تظهر تباعاً.

في سوريا، ستحس الأسدية أنها صارت بمساحة أوسع من الأمان، وأن سجل أفعالها طوال السنوات الماضية قد يصبح شيئاً من الأرشيف، وتالياً أنها يُمكن تستمر وتجترح جرعات مضاعفة وأكثر قسوة مما كانت عليه.

في تركيا، يمكن للإردوغانية أن تحول توجهاتها في التدخلات العسكرية والقسر العنيف للدول والكيانات الأصغر، إلى استراتيجية كُبرى وتفصيلية دائمة، لا توفر أحداً. أمر شبيه قد تفعله الإردوغانية داخلياً، مزيج من القسر والتعنيف والتهميش، للأكراد والعلويين والمؤسسات المدينة والصحافة والمعارضين.

في إيران أشياء مكثفة ومضاعفة عن كُل ذلك، شمولية أمنية في الداخل وفصائل مسلحة وحروب وهندسة ديمغرافية في دول الإقليم، ومعها توترات في كُل حدب وعبر العالم.

الأمر نفسه ينسحب على كُل دولة ونظام وشخصية وقوة سياسية في منطقتنا، تلك التي ستعيش وتعيد بناء ذاتها ومستقبلها على فتات ما قد يفعله هؤلاء من "سادة قوم الاستبداد".

سيحدث ذلك في منطقتنا بالذات، وأكثر من أي منطقتنا أخرى من العالم، لتضافر 3 عوامل مركبة.

أولاً لأنها واحدة من أغزر مناطق العالم حضوراً لتلك الأنماط من الشموليات، والتي شهدت مواجهات وهزات متتالية خلال السنوات الماضية، كانت في أكثر من نموذج وحالة تعد بإمكانية إضعاف تلك الشموليات، وحتى إسقاطها في بعض الحالات.

الأمر الآخر يتعلق بنوعية الدور والتأثير الأميركي على هذه المنطقة. فالولايات المُتحدة فاعل عضوي مركزي في كامل لوحة الفعل السياسي في منطقتنا، لدرجة أنها الفاعل الأكثر حيوية وطاقة لتحديد أشكال المسارات السياسية ومآلاتها، وسلوكيات الفاعلين الحاكمين ومصائرهم.

أما التفصيل الثالث فيتعلق بمعنى أفغانستان نفسها في المنطقة. فهذا الكيان الذي أنتج أقصى ما يُمكن أن يفعله طرف ما، الراعية العلنية للإرهاب ومهاجمة الولايات المُتحدة داخل أراضيها. حتى أن الأمر صار بالغ الوضوح: إما الإرهاب العدمي أو الدول الحديثة..! وبهذا المعنى كانت الامتحان الأكثر وضوحاً للصراع الكُلي في منطقتنا.

كانت أفغانستان بذلك المعنى صورة واستعارة عن كل ما تصارعت عليه منطقتنا طوال عقدين ماضيين: إما دولة حديثة ذات مؤسسات وأدوات، متعاونة مع العالم وقابلة به، أو أنماط من الكيانات المبنية على حُكم تنظيمات وقوى شديدة الأصولية والرجعية، تعادي طيفاً من الفاعلين، من المجتمع المدني والنساء والمعارضين وحتى البيئة. ولسوء طالع ما، فإن ما جرى مؤخراً في أفغانستان هو إقرار بأن النمط الأخير قد "انتصر".

لا تشبه هذه الهزيمة غيرها من الكبوات، انقلاب هنا وسلوك سياسي لنظام سياسي هناك، بل تتجاوز ذلك لأن تكون تأسيساً لما يُمكن أن تجري عليه أشكال الحياة السياسية والعامة في منطقتنا لسنوات كثيرة مقبلة، حتى إن كامل المرحلة المنتظرة يُمكن تسميتها "زمن ما بعد أفغانستان".

الإحباط والشمولية والسلوكيات السلطوية المتوقعة خلال السنوات المقبلة، لن تكون صورة عن الموجات الشمولية السابقة، مثل تلك التي اندفعت عبر الانقلابات العسكرية في أواسط الخمسينيات، أو الاستبداديات الأمنية/الحزبية في أواخر السبعينيات، بل سيكون لها تأثيرات فادحة أكثر من كُل ما يُتوقع.

فموجة النزعات الشمولية التي في زمن ما بعد أفغانستان إنما ستجري في بُلدان مهترئة، تكاد خزائنها العامة فارغة، ومستويات الحساسيات الطائفية والقومية والمناطقية داخلها تشبه صندوق بارود بارد. فوق ذلك، فأن الجفاف والتصحر والأزمات البيئية التي تهدد كل أشكال الحياة تحاصرها من كل حدب. ومع كُل ذلك ثمة مجتمعات جديدة في هذه البلدان، تملك ديناميكيات حديثة للغاية للتواصل مع العالم والاستجابة لإغراءات هذا العالم، لن تقبل ما كانت ترضى به من سكون ومهادنة.

عالم ما بعد أفغانستان يشبه شكل الحياة في مسلسل "صح النوم"، حيث كان أنماط الحياة والعلاقات بين الناس والمؤسسات تُختصر بجملة واحدة، هي اسم الحارة نفسها "حارة كُل مين أيدو ألو"، أي "الحارة التي يستطيع أي شخص فيها فعل كل ما يستطيعه ويحلو له".   

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.