حزب الله تبنى إطلاق الصواريخ على إسرائيل
إسرائيل خاضت حربا في مواجهة حزب الله عام 2006.

يغلب على التقييمات التي صاحبت الذكرى العشرين لاعتداءات الحادي عشر من أيلول 2001 تصوير الأمر على أن الولايات المتحدة فشلت في حربها على الإرهاب. يأتي ذلك طبعاً في سياق الانسحاب من أفغانستان وعودة طالبان إلى الحكم فيها، وفي إطار الإدانات التي تنهال على إدارة الرئيس بايدن داخل الولايات المتحدة، وعلى الولايات المتحدة نفسها خارجها.

هنا وهنالك يكثر الكلام عن نهاية العصر الأميركي، وعن أن جبروت الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة قد انتهى، أو على الأقل في طريقه إلى الانتهاء.

أما الانتقادات الداخلية، فلا حاجة إلى تفنيدها، حيث أن الولايات المتحدة تعاني من حالة متعبة من التنافر الحزبي والتناكف الفئوي، ما يفقد أي اعتراض أو تأييد صدقيته، أو على الأقل يجعله مشوباً بالأهواء.

أما الاعتراضات الخارجية فمنها ما هو صادق، ومنها ما هو مغرض. وقد يكون الجبروت الأميركي في طريقه فعلاً إلى خاتمته. ولكن يبدو أن هذا الطريق طويل جداً. بعض الأصوات التي تصدح اليوم بالتأكيدات على نهاية القوة الأميركية هي عينها التي رأت الرأي نفسه في أعقاب ضربات الحادي عشر من أيلول، وأذنت حينها أن القرن المقبل لن يكون أميركياً، وهي التي استشفّت بـ "البريكس" وما تلا "البريكس" بديلاً عن الأحادية القطبية في القرن الجديد، وإن غضّت النظر عن تلك التوقعات في مرحلة تالية، لتستعيض عنها إما بتحالف غير قائم بين الصين وروسيا، أو بالصين وحدها، أو بـ"شرق" ما يجمعهما وإيران.

الحقيقة هي أن القرن "الجديد" قد بلغ سن الرشد وتجاوزه، ولا تزال الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة. لا يبدل ذلك أن روسيا نجحت باستعادة موضعية لبعض قوتها، من خلال استهتار واشنطن بعدد من الملفات ولا سيما منها المأساة السورية.

ولا يغيّر ذلك أن تسير الصين بخطى وثيقة نحو تحقيق التوازن البعيد المدى مع الولايات المتحدة اقتصادياً، سيما وإن حاجة الصين للولايات المتحدة، كمستثمر وكسوق، لا تزال قاطعة، وثروة الصين بمعظمها لا تزال بالعملة الأميركية.

واقع الحال أن الأداء الأميركي في الحرب على "الإرهاب" على مدى العقدين المنصرمين قد اعتراه قدر ضخم من الفوضى والالتباس وضياع الرؤيا، بدءاً بصياغة المفهوم وتحديد طبيعة المعركة، مما أدّى بالفعل إلى فشل أميركي، على أن هذا الفشل هو وفق المعايير الذاتية للولايات المتحدة، ولا مجال لتوظيفه للتغني والتشفي لدى خصومها.

يمكن استيضاح مضمون هذا التوصيف باستدعاء آخر يشبهه.

يذكر هنا أن إسرائيل، بعد انتهاء المواجهة مع حزب الله في لبنان عام 2006، أرادت بدورها تقييم أدائها عسكرياً وسياسياً، انطلاقاً من تقدير أولي في الصحافة والمجتمع فيها بأن ما جرى يلامس التقصير والفشل، مجدداً وفق معاييرها الذاتية. فتمّ تشكيل لجنة لدراسة الموضوع وإعداد تقرير يتضمن التقييم والتوصيات.

وبالفعل صدر تقرير "ڤينوغراد" ليكشف عن سوء أداء وتخطيط وتنفيذ وفق المعايير المتبعة لدى إسرائيل. وصاحَب صدور هذا التقرير احتفالات في لبنان تضمنت المفرقعات النارية، بعد أن كان لسان حال حزب الله في لبنان أن ما تحقّق خلال المواجهة مع إسرائيل هو "نصر من الله".

ثمة اختلاط في المقاييس هنا، بين الوصف الذاتي في إسرائيل لنتيجة المواجهة على أنها "فشل"، حيث الفشل هو عدم تحقيق النتيجة القصوى المرتقبة، في مقابل الوصف الذاتي للحدث نفسه لدى حزب الله على أنه "انتصار"، حيث الانتصار ليس إلا منع الخصم من تحقيق النتيجة القصوى المرتقبة، وإن كلّف ذلك الأثمان الباهظة.

المقياس الأول يرى في النزول من قمة الجبل إلى أعالي سفوحه فشلاً، أما المقياس الثاني فلا يسعى إلى ارتقاء السفوح أساساً، بل يرى في إرغام الخصم على النزول، وإن لوهلة وإن لدرجات قليلة، انتصاراً.

المغالطة هي بالجمع بين هذين الوصفين لزعم أن حزب الله انتصر على إسرائيل، وهو ما حدث، ليؤسس لمقولة أن عصر الهزائم قد ولّى وجاء عصر الانتصارات.

لا شك أن حرب تموز 2006 قد تسببت بمقادير لا يرتضيها المجتمع الإسرائيلي من الموت والدمار. فقد سقط لإسرائيل خلال تلك الحرب قتلى عسكريين وضحايا مدنيين، وأصيبت بعض المنشآت والأبنية بأضرار مادية، وأرغم سكان المناطق الشمالية من البلاد على الاختباء في الملاجئ، وتعرّض الموسم السياحي لقدر من الاختلال. هذا ما استوجب التحقيق والتقييم.

في المقابل، فإن لبنان تعرّض، نتيجة الحرب التي أقحمه فيها حزب الله، لخسارات مريعة في الأرواح، وأعداد كبيرة من الجرحى، ولدمار منهك في بنيته التحتية. ورغم أن الدول العربية وغيرها من الدول الصديقة، بمجتمعاتها كما بحكوماتها، قد اندفعت إلى رصد الأموال لاستنهاض لبنان من محنته، ورغم أن إيران الرسمية، من خلال المؤسسات التابعة لها في لبنان قد ساهمت بقدر من التعويض وإعادة الإعمار (فيما هي ومقلّدها حزب الله مسؤولة عن كامل الخراب)، فإن الإنهاك الذي أصاب لبنان نتيجة الحرب، وتوظيف حزب الله لنتائج المواجهة لتعزيز قبضته على المجتمع والدولة في لبنان، أخرج لبنان من مسار إعادة الإعمار والتقدم، ليدرجه قصراً في محور يعتاش، على ما يبدو، من "العزّة" المفترضة في مواجهات اسمية ووهمية.

كم هو قبيح منظر الاحتفال، بالمفرقعات النارية، بنتيجة أن العدو، فيما هو يضمّد جراحه، قرّر إدانة قياداته السياسية والعسكرية لأنها فشلت في تجنيبه هذه الجراح القليلة، في حين أن الموت والألم والدمار هنا غير قابل للتمضيد، ولا من يُساءل.

ما يقوله هذا النَفَس الاحتفالي هو أن قليل الألم لدى العدو أغلى ثمناً من كثير الموت والدمار لدينا. ربما أن هذه المعادلة المجحفة كانت حقاً قناعة اضطر إليها العديد يوم كانت الحرب لكسر قيود الاحتلال في ظل التفاوت الكبير في موازين القوى. ولكنها حتى في 2006 لم تعد هي المعادلة، وحروب حزب الله منذ خروج إسرائيل من لبنان عام 2000 لم تعد حروب تحرير أو مقاومة، وإن أصرّ إعلامه على تسويق الوهم.

واقع الأمر، فيما صناديد "المقاومة" يسجلون الأيام "المجيدة" داخل الوطن على حساب حياة الآخرين وكراماتهم، ويتجولون "منتصرين" في سوريا دفاعاً عن نظام قاتل، يحطمون المنازل التي فتحت لأهاليهم ساعة الحاجة، يا لعارِكم، وفيما مواطنوهم في لبنان يذلّون ويرحلون ويتركون وطناً كان وعداً فأمسى خراباً، فإن إسرائيل تنعم منذ "هزيمتها" التي استحقت احتفالات المفرقعات النارية في لبنان بحراسة لحدودها من جانب حزب الله، فيما هي تبني أجيالاً من العلماء والخبراء والمنتجين.

واليوم جاء دور الولايات المتحدة وحربها على "الإرهاب"، لم تكن الصيغة المعتمدة لهذه الحرب صائبة، ولا كان الأداء متجانساً، ولا كانت القرار السياسي واضحاً. والنتيجة بالفعل ليست منسجمة مع الطموحات.

ولكن، ما جرى على مدى العقدين الماضيين، ومنذ أن ضرب تنظيم القاعدة البرجين ومبنى وزارة الدفاع، وفشل في ضربة رابعة، هي أن الولايات المتحدة قد استجابت للخطر الداهم عليها، ومنعته من أن يطالها مجدداً. ثمة "ذئاب منفردة" طبعاً، على أن مجموع "حصادهم"، (وفق المصطلح القبيح لمن يعمل على إثارتهم)، لا يتجاوز بضع عشرات على مدى كامل العقدين الماضيين، أي بما يماثل عدد من يموت في الحوادث المرورية في الولايات المتحدة في يوم واحد وحسب.

أما الثمن الذي دفعه العالم ككل، وفي مقدمته مجتمعات يغلب على أهلها الدين الإسلامي، مقابل هذا "النصر الجهادي" العظيم، فهو فقدان أرواح لا تحصى، كل روح منها لا تقدّر بثمن، وخراب أوطان، وضياع أجيال، واستنزاف ثروات، وتبديد أحلام.

قد تقدم الولايات المتحدة، لغرض أو لآخر، على تشكيل لجنة مراجعة وتقييم لأدائها خلال العقدين الماضيين في حربها على الإرهاب. وقد تأتي نتيجة التقييم إدانة وانتقاد ومطالبة بمراجعات في السياسة وتوصيات لتوجهات جديدة. عسى وحسب، في حال جرى ذلك، ألا نشهد من يطلق المفرقعات النارية في كابل وطهران وبغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.