حزب الله تبنى إطلاق الصواريخ على إسرائيل
إسرائيل خاضت حربا في مواجهة حزب الله عام 2006.

يغلب على التقييمات التي صاحبت الذكرى العشرين لاعتداءات الحادي عشر من أيلول 2001 تصوير الأمر على أن الولايات المتحدة فشلت في حربها على الإرهاب. يأتي ذلك طبعاً في سياق الانسحاب من أفغانستان وعودة طالبان إلى الحكم فيها، وفي إطار الإدانات التي تنهال على إدارة الرئيس بايدن داخل الولايات المتحدة، وعلى الولايات المتحدة نفسها خارجها.

هنا وهنالك يكثر الكلام عن نهاية العصر الأميركي، وعن أن جبروت الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة قد انتهى، أو على الأقل في طريقه إلى الانتهاء.

أما الانتقادات الداخلية، فلا حاجة إلى تفنيدها، حيث أن الولايات المتحدة تعاني من حالة متعبة من التنافر الحزبي والتناكف الفئوي، ما يفقد أي اعتراض أو تأييد صدقيته، أو على الأقل يجعله مشوباً بالأهواء.

أما الاعتراضات الخارجية فمنها ما هو صادق، ومنها ما هو مغرض. وقد يكون الجبروت الأميركي في طريقه فعلاً إلى خاتمته. ولكن يبدو أن هذا الطريق طويل جداً. بعض الأصوات التي تصدح اليوم بالتأكيدات على نهاية القوة الأميركية هي عينها التي رأت الرأي نفسه في أعقاب ضربات الحادي عشر من أيلول، وأذنت حينها أن القرن المقبل لن يكون أميركياً، وهي التي استشفّت بـ "البريكس" وما تلا "البريكس" بديلاً عن الأحادية القطبية في القرن الجديد، وإن غضّت النظر عن تلك التوقعات في مرحلة تالية، لتستعيض عنها إما بتحالف غير قائم بين الصين وروسيا، أو بالصين وحدها، أو بـ"شرق" ما يجمعهما وإيران.

الحقيقة هي أن القرن "الجديد" قد بلغ سن الرشد وتجاوزه، ولا تزال الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة. لا يبدل ذلك أن روسيا نجحت باستعادة موضعية لبعض قوتها، من خلال استهتار واشنطن بعدد من الملفات ولا سيما منها المأساة السورية.

ولا يغيّر ذلك أن تسير الصين بخطى وثيقة نحو تحقيق التوازن البعيد المدى مع الولايات المتحدة اقتصادياً، سيما وإن حاجة الصين للولايات المتحدة، كمستثمر وكسوق، لا تزال قاطعة، وثروة الصين بمعظمها لا تزال بالعملة الأميركية.

واقع الحال أن الأداء الأميركي في الحرب على "الإرهاب" على مدى العقدين المنصرمين قد اعتراه قدر ضخم من الفوضى والالتباس وضياع الرؤيا، بدءاً بصياغة المفهوم وتحديد طبيعة المعركة، مما أدّى بالفعل إلى فشل أميركي، على أن هذا الفشل هو وفق المعايير الذاتية للولايات المتحدة، ولا مجال لتوظيفه للتغني والتشفي لدى خصومها.

يمكن استيضاح مضمون هذا التوصيف باستدعاء آخر يشبهه.

يذكر هنا أن إسرائيل، بعد انتهاء المواجهة مع حزب الله في لبنان عام 2006، أرادت بدورها تقييم أدائها عسكرياً وسياسياً، انطلاقاً من تقدير أولي في الصحافة والمجتمع فيها بأن ما جرى يلامس التقصير والفشل، مجدداً وفق معاييرها الذاتية. فتمّ تشكيل لجنة لدراسة الموضوع وإعداد تقرير يتضمن التقييم والتوصيات.

وبالفعل صدر تقرير "ڤينوغراد" ليكشف عن سوء أداء وتخطيط وتنفيذ وفق المعايير المتبعة لدى إسرائيل. وصاحَب صدور هذا التقرير احتفالات في لبنان تضمنت المفرقعات النارية، بعد أن كان لسان حال حزب الله في لبنان أن ما تحقّق خلال المواجهة مع إسرائيل هو "نصر من الله".

ثمة اختلاط في المقاييس هنا، بين الوصف الذاتي في إسرائيل لنتيجة المواجهة على أنها "فشل"، حيث الفشل هو عدم تحقيق النتيجة القصوى المرتقبة، في مقابل الوصف الذاتي للحدث نفسه لدى حزب الله على أنه "انتصار"، حيث الانتصار ليس إلا منع الخصم من تحقيق النتيجة القصوى المرتقبة، وإن كلّف ذلك الأثمان الباهظة.

المقياس الأول يرى في النزول من قمة الجبل إلى أعالي سفوحه فشلاً، أما المقياس الثاني فلا يسعى إلى ارتقاء السفوح أساساً، بل يرى في إرغام الخصم على النزول، وإن لوهلة وإن لدرجات قليلة، انتصاراً.

المغالطة هي بالجمع بين هذين الوصفين لزعم أن حزب الله انتصر على إسرائيل، وهو ما حدث، ليؤسس لمقولة أن عصر الهزائم قد ولّى وجاء عصر الانتصارات.

لا شك أن حرب تموز 2006 قد تسببت بمقادير لا يرتضيها المجتمع الإسرائيلي من الموت والدمار. فقد سقط لإسرائيل خلال تلك الحرب قتلى عسكريين وضحايا مدنيين، وأصيبت بعض المنشآت والأبنية بأضرار مادية، وأرغم سكان المناطق الشمالية من البلاد على الاختباء في الملاجئ، وتعرّض الموسم السياحي لقدر من الاختلال. هذا ما استوجب التحقيق والتقييم.

في المقابل، فإن لبنان تعرّض، نتيجة الحرب التي أقحمه فيها حزب الله، لخسارات مريعة في الأرواح، وأعداد كبيرة من الجرحى، ولدمار منهك في بنيته التحتية. ورغم أن الدول العربية وغيرها من الدول الصديقة، بمجتمعاتها كما بحكوماتها، قد اندفعت إلى رصد الأموال لاستنهاض لبنان من محنته، ورغم أن إيران الرسمية، من خلال المؤسسات التابعة لها في لبنان قد ساهمت بقدر من التعويض وإعادة الإعمار (فيما هي ومقلّدها حزب الله مسؤولة عن كامل الخراب)، فإن الإنهاك الذي أصاب لبنان نتيجة الحرب، وتوظيف حزب الله لنتائج المواجهة لتعزيز قبضته على المجتمع والدولة في لبنان، أخرج لبنان من مسار إعادة الإعمار والتقدم، ليدرجه قصراً في محور يعتاش، على ما يبدو، من "العزّة" المفترضة في مواجهات اسمية ووهمية.

كم هو قبيح منظر الاحتفال، بالمفرقعات النارية، بنتيجة أن العدو، فيما هو يضمّد جراحه، قرّر إدانة قياداته السياسية والعسكرية لأنها فشلت في تجنيبه هذه الجراح القليلة، في حين أن الموت والألم والدمار هنا غير قابل للتمضيد، ولا من يُساءل.

ما يقوله هذا النَفَس الاحتفالي هو أن قليل الألم لدى العدو أغلى ثمناً من كثير الموت والدمار لدينا. ربما أن هذه المعادلة المجحفة كانت حقاً قناعة اضطر إليها العديد يوم كانت الحرب لكسر قيود الاحتلال في ظل التفاوت الكبير في موازين القوى. ولكنها حتى في 2006 لم تعد هي المعادلة، وحروب حزب الله منذ خروج إسرائيل من لبنان عام 2000 لم تعد حروب تحرير أو مقاومة، وإن أصرّ إعلامه على تسويق الوهم.

واقع الأمر، فيما صناديد "المقاومة" يسجلون الأيام "المجيدة" داخل الوطن على حساب حياة الآخرين وكراماتهم، ويتجولون "منتصرين" في سوريا دفاعاً عن نظام قاتل، يحطمون المنازل التي فتحت لأهاليهم ساعة الحاجة، يا لعارِكم، وفيما مواطنوهم في لبنان يذلّون ويرحلون ويتركون وطناً كان وعداً فأمسى خراباً، فإن إسرائيل تنعم منذ "هزيمتها" التي استحقت احتفالات المفرقعات النارية في لبنان بحراسة لحدودها من جانب حزب الله، فيما هي تبني أجيالاً من العلماء والخبراء والمنتجين.

واليوم جاء دور الولايات المتحدة وحربها على "الإرهاب"، لم تكن الصيغة المعتمدة لهذه الحرب صائبة، ولا كان الأداء متجانساً، ولا كانت القرار السياسي واضحاً. والنتيجة بالفعل ليست منسجمة مع الطموحات.

ولكن، ما جرى على مدى العقدين الماضيين، ومنذ أن ضرب تنظيم القاعدة البرجين ومبنى وزارة الدفاع، وفشل في ضربة رابعة، هي أن الولايات المتحدة قد استجابت للخطر الداهم عليها، ومنعته من أن يطالها مجدداً. ثمة "ذئاب منفردة" طبعاً، على أن مجموع "حصادهم"، (وفق المصطلح القبيح لمن يعمل على إثارتهم)، لا يتجاوز بضع عشرات على مدى كامل العقدين الماضيين، أي بما يماثل عدد من يموت في الحوادث المرورية في الولايات المتحدة في يوم واحد وحسب.

أما الثمن الذي دفعه العالم ككل، وفي مقدمته مجتمعات يغلب على أهلها الدين الإسلامي، مقابل هذا "النصر الجهادي" العظيم، فهو فقدان أرواح لا تحصى، كل روح منها لا تقدّر بثمن، وخراب أوطان، وضياع أجيال، واستنزاف ثروات، وتبديد أحلام.

قد تقدم الولايات المتحدة، لغرض أو لآخر، على تشكيل لجنة مراجعة وتقييم لأدائها خلال العقدين الماضيين في حربها على الإرهاب. وقد تأتي نتيجة التقييم إدانة وانتقاد ومطالبة بمراجعات في السياسة وتوصيات لتوجهات جديدة. عسى وحسب، في حال جرى ذلك، ألا نشهد من يطلق المفرقعات النارية في كابل وطهران وبغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.