المرأة السودانية.. طموحات وتحديات
المرأة السودانية.. طموحات وتحديات

لعبت المرأة السودانية دورا كبيرا وحاسما في نجاح ثورة ديسمبر 2018 التي أسقطت نظام جماعة الإخوان المسلمين الذي سيطر على مقاليد الحكم بالبلاد لمدة 30 عاما، وكانت فئة النساء من أكثر فئات الشعب السوداني التي عانت من القمع والاضطهاد أبان فترة حكم الجماعة.

وقد بدأت آثار التغيير الثوري في الانعكاس على أوضاع المرأة بصورة واضحة، إذ تبوأت أرفع المناصب في السلطتين التنفيذية والسيادية، كما ضمنت لها الوثيقة الدستورية التمثيل بما لا يقل عن 40 في المئة في المجلس التشريعي، فضلا عن التغيير الكبير الذي لحق بالقوانين التي كانت تهدف لتضييق الخناق على النساء.

ومع أن هناك المزيد من الجهد المطلوب لرفع المعاناة عن كاهل المرأة في مختلف مناحي الحياة، إلا أن كل الشواهد تؤكد أن النساء يحققن كل يوم مكاسب جديدة خاصة في مجال الحقوق، ومن بين تلك الانتصارات الفتوى التي صدرت مؤخرا عن وزارة العدل حول حق المرأة في الضمانة أمام الأجهزة الشرطية والقانونية والعدلية.

أرسلت مواطنة سودانية خطاباً مفتوحا للسيد وزير العدل تشتكي فيه من رفض قبول ضمانة شقيقتها لها في أمر قبض صادر بحقها، وجاء في الرسالة التالي: (أنا المواطنة خديجة محمد الدويحي تم رفض ضمانة شقيقتي السيدة سلمى محمد الدويحي في يوم الأحد الموافق 20 حزيران/يونيو 2021، في قسم جرائم المعلوماتية ببحري، من ضابط لسمه (أحمد) لشخصي، في أمر قبض صادر في مواجهتي، وفقا للتهم الموجهة إلي بموجب المادة (25/24) من قانون جرائم المعلوماتية للعام 2018).

وأوضحت الدويحي في رسالتها أن ضابط الشرطة رفض إجراء الضمانة الشخصية عندما علم أن الضامن هي شقيقتها "امرأة"، وقال لها : "لا يمكن أن تضمنك"، وأشارت إلى أن الضابط أكد رفض إجراء الضمان بواسطة امرأة مُطلقا، مستشهدا بجزء من الآية (11) من سورة النساء "للذكر مثل حظ الأنثيين"، التي اعتبرتها الدويحي "متعلقة بالميراث ونزلت في سياق مُحدد".

وفي يوم الخميس 26 أغسطس2021 أصدرت إدارة التشريعات بوزارة العدل فتوى في الرد على خطاب الدويحي أكدت فيها أنه (لا يوجد نص في القانون أو مانع فقهي يشترط ضمانة الرجل وعدم قبول ضمانة المرأة، لكنه اشترط كفاءة الضامن حسب قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991، وبالإضافة إلى ذلك فإن قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974، أورد أن الكلمات في القوانين بصيغة المذكر تشمل المؤنث، وبذلك لا مانع قانوني من قبول ضمانة المرأة).

وأوضحت الفتوى أنه (وفقا لقانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991، فإن النائب العام، وهو الجهة المخولة بإصدار القواعد اللازمة لتنفيذ أحكام القانون، لم يُصدر أي قواعد أو منشورات بهذا الخصوص تمنع ضمانة المرأة وتشترط ضمانة الرجل).

ووفقا لفتوى وزارة العدل يتضح أن رفض قبول ضمانة المرأة في مراكز الشرطة والأجهزة العدلية لا يستند لأي مرجعية قانونية، بل هو نتاج الممارسات الذكورية المتفشية في المجتمع، التي تحولت بمرور الزمن إلى أعراف راسخة لها ذات قوة القانون.

ومن المفارقات المرتبطة بقضية الضمانة التي نتحدث عنها أن المرأة السودانية نالت الحق في أن تصبح ضابطة في الشرطة ووكيلة للنيابة وقاضية في المحاكم، حتى أنها تبوأت منصب رئيسة القضاء في ظل الحكومة الحالية، فما هو المبرر العقلي أو الديني، دعك من المسوغ القانوني، الذي يمنع عنها حق الضمانة للمتهم؟!

وقد نصت الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية بوضوح في المادة (49) المتعلقة بحقوق المرأة على أن الدولة: (تحمي حقوق المرأة كما وردت في الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي صادق عليها السودان)، كما أنها: (تكفل للرجال والنساء الحق المتساوي في التمتع بكل الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية بما فيها الحق في الأجر المتساوي للعمل المتساوي والمزايا الوظيفية الأخرى).

ولا شك أن رفض قبول ضمانة المرأة للمتهم في مراكز الشرطة يمثل تقويضا للنص الدستوري أعلاه، الذي منح الرجال والنساء الحقوق على أساس المواطنة، مما يحرم أي تمييز بينهما على أساس النوع، وهو الأمر الذي ينطبق على شروط الضامن التي تتطلب الكفاءة فقط.

إن المعضلة الحالية تكمن في كيفية إنزال الفتوى لواقع التطبيق العملي، حيث أن ممارسة رفض قبول كفالة المرأة للمتهم استمرت لسنوات طويلة دون أن تتساءل أي جهة عن مشروعيتها، وبما أن الخطوة التالية تتمثل في إصدار النائب العام لقرار للجهات المعنية بقبول ضمانة المرأة، فإن ذلك القرار يجب أن تصاحبه حملة توعوية واسعة داخل أروقة الشرطة وأجهزة العدالة والمجتمع ككل للتنوير بالقرار ووجوب الالتزام به.

 

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!