هجمات سبتمبر.. تساؤلات باقية
هجمات سبتمبر.. تساؤلات باقية

كان من الطبيعي أن تتناول الكثير من الدراسات والأبحاث اعتداءات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، لأنها أكبر عملية إرهابية في التاريخ قتلت 3 آلاف إنسان وتسببت بخسارة مئات المليارات من الدولارات وترتّب عليها آثار كبيرة شملت العالم بأكمله.

ولكن هناك ناحية لم تنل ما يكفي من الاهتمام وهي لماذا يستهدف متطرفون إسلاميون برجي مركز التجارة العالمي، فإذا كانت مبرراتهم المعلنة هي اعتراضهم على سياسة الحكومة الأميركية في الشرق الأوسط فربما كان من الأفضل لهم استهداف مؤسسات هذه الحكومة، ولكنّهم استهدفوا مركز التجارة العالمي الذي يرون فيه أهم رموز النظام الرأسمالي العالمي.

ويبدو أن تنظيم القاعدة كان مصرّا على استهداف هذا المركز دون غيره، لأنه في فبراير 1993 قام بمحاولة تفجيره عندما وضع الباكستاني رمزي يوسف، بالتعاون مع مجموعة من المساعدين، شاحنة محمّلة بمئات الكيلوغرامات من المتفجرات في مرآب البرج الشمالي، وكانت توقعات الإرهابيين أن الانفجار سيؤدي إلى سقوط البرج الشمالي على البرج الجنوبي وانهيارهما معا ومقتل عشرات آلاف الأشخاص.

ولكن رغم قوة الانفجار لم يحصل شيء من ذلك، فقد قتل فقط 6 أشخاص وأصيب ألف آخرون بجراح دون أن يتأثر المبنى، وتعمّد استهداف مركز التجارة العالمي يشير إلى أن الإسلاميين قد اقتنعوا بما يقوله اليساريون في أن البنوك والمراكز المالية هما القوة الحقيقية المتحكمة بسياسة الولايات المتحدة وربما ببقية العالم.

وفي المقابل تأكد تعاطف اليسار مع الإرهاب الإسلامي في رد فعله على هجمات 11 سبتمبر، ففي الوقت الذي كان أغلب العالم مصدوما ومتعاطفا مع الضحايا، كان بعض اليساريين يضعون اللوم في هذه الهجمات على الولايات المتحدة نفسها، بعضهم بسبب قيادتها حرب الخليج عام 1991 لتحرير الكويت، والعقوبات التي فرضتها بعد ذلك على العراق، وآخرون بسبب دعم الحكومة الأميركية لبعض الأنظمة الديكتاتورية في الشرق الأوسط، أو مساندة إسرائيل.

وطوال العقدين الماضيين كان اليساريون والليبراليون يتعمّدون تجاهل هجمات سبتمبر ويركّزون في المقابل على حربي أفغانستان والعراق، وكأن هذه الحروب قد حدثت دون سبب، أو نتيجة نيّة مبيّتة ولأهداف استعمارية، كما كانوا يركّزون هجومهم الإعلامي على الرئيس الأميركي وقتها جورج بوش الابن ونائبه ديك تشيني ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد وتحميلهم مسؤولية هذه الحروب متجاهلين أن جميع القرارات التي تم اتخاذها كرد فعل على هجمات سبتمبر كانت تتمتع بتأييد 90 في المئة من الشعب الأميركي، وتأكيدا على وجود تأييد شعبي لتلك الإدارة فقد فاز جورج بوش وديك تشيني بالانتخابات الرئاسية التالية عام 2004 بنسبة أفضل من تلك التي حققوها في انتخابات 2000.

ولمعرفة الموقف الحقيقي لقسم رئيسي من اليسار الأميركي والعالمي من أحداث سبتمبر لا يوجد أفضل من المفكّر والمنظّر الرئيسي لليسار الأميركي نعوم تشومسكي لأنه كان الأكثر وضوحا في التعبير عن وجهة نظر هذا اليسار بطريقة مباشرة وبدون مواربة، فقد قال في كتابه "بين إرهاب أميركا و11 سبتمبر"، إن ما وقع في أميركا جريمة "ولكنها لا تختلف عن تدمير إدارة كلينتون لمعمل الشفاء للأدوية في السودان عام 1998"، مع أن قسما رئيسيا من تمويل هذا المعمل قد أتى من تنظيم القاعدة ومن بن لادن شخصيا الذي كان مقيما في السودان قبل انتقاله إلى أفغانستان.

وكانت الولايات المتحدة ضربت هذا المعمل ردّا على تفجير السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998، الذي أدى إلى مقتل 224 شخصا، وبعد معطيات استخبارية أميركية اشارت إلى أن المعمل يقوم بإنتاج مواد تدخل في تركيب غاز الأعصاب، بينما لم ينجم عن تدمير المعمل على يد الأميركيين سوى مقتل شخص واحد.

كما زعم تشومسكي في كتابه أن تدمير المعمل أدى إلى موت عشرات آلاف الأشخاص نتيجة حرمانهم من أدويتهم، مع أن هذا المعمل قد أفتتح رسميا عام 1997 أي قبل سنة واحدة فقط من تدميره، ومن الصعب تصوّر أنه خلال هذه السنة أصبحت حياة السودانيين متوقفة عليه، كما أن السودان بقي 27 عاما خاضعا لعقوبات اقتصادية ودبلوماسية كدولة راعية للإرهاب نتيجة استضافته أسامة بن لادن من عام 1991 حتى عام 1996.

وتابع تشومسكي في كتابه أن المواجهة العسكرية الأميركية مع الصرب في كوسوفو "لم تكن تدخّلا إنسانيا كما تزعم الحكومة الأميركية بل إن اللفظ المناسب لها هو جريمة ولعلها جريمة ضد الإنسانية"، مع أن هذا التدخل قد حدث بقيادة حلف الأطلسي لوقف حرب إبادة للمسلمين هناك على يد الصرب، وتأكيدا على ذلك فإن المحكمة الجنائية الدولية حاكمت ودانت بعض قادة الصرب نتيجة قيامهم بتنفيذ جرائم حرب وتطهير عرقي، وللرئيس كلينتون مكانة خاصة هناك، ويشارك أحيانا في إحياء ذكرى انتهاء حرب كوسوفو، بل هناك أيضا تمثال نصفي لوزيرة خارجيته مادلين أولبرايت تقديرا لدورها في إيقاف المجازر بحق المسلمين، وهذا يؤكد أن الأيديولوجيين اليساريين يبيحون لأنفسهم الكذب على جمهورهم إذا كان يخدمهم سياسيا، ولعل الطريف في الموضوع أن موجز عن كتاب تشومسكي هذا يمكن مشاهدته على موقع "إسلام ويب"..!

وهذا يطرح تساؤلا بشأن أسباب هذا الود بين طرفين يبدوان مختلفين جذريا، فما الذي يجمع اليسار العلماني والليبراليين المنفتحين مع إسلاميين متزمّتين ومعادين لحرية الاعتقاد وللنساء والمثليين.

ولكن عند التأمل يمكن ملاحظة بعض القواسم المشتركة منها أن اليسار المتطرّف والإسلاميين يحلم كل منهما ببناء مدينته الفاضلة، رغم أن تصورات الطرفين عن هذه المدينة مختلف جوهريا، كما أن الطرفين ينتعشون عند وجود انقسام حاد في المجتمع، وكلاهما لا يعرف الرحمة مع خصومه، ولكن نقطة الاتفاق الرئيسية بينهما هي مناهضة "الإمبريالية"، وأحيانا يكون المقصود بهذه المفردة الأنظمة الديمقراطية الغربية.

وورد في نشرة "الإرهاب والعنف السياسي" الأميركية، الصادرة عام 2013 "تحالف أحمر أخضر الناشئ، حيث يلتقي اليسار الراديكالي بالإسلام السياسي الذين تقربوا إلى بعضهم خلال السنوات الأخيرة واستخدم كل منهما عنوانا واحدا هو مناهضة العولمة والرأسمالية لشحن الناس"، وقد بنيت هذه العلاقة على معاداة الإمبريالية الغربية والرأسمالية والولايات المتحدة.

لكن تحالف اليساريين مع الإسلاميين لم يساعدهم، فخلال الانتخابات التمهيدية الأخيرة للحزب الديمقراطي دعم تيار الإسلام السياسي ومنظمات إسلامية عدة، بعضها متشدد، المرشح بيرني ساندرز الذي عيّن مسلما من أصول باكستانية مديرا لحملته الانتخابية في خطوة غير مسبوقة، لكن ذلك أدى لخسارته أصوات المسلمين الليبراليين بالإضافة إلى نسبة من أصوات الاشتراكيين والديمقراطيين الاجتماعيين الأميركيين، وربما ساعد ذلك في خسارته لترشيح حزبه، فقد قال الباحث الباكستاني الليبرالي طارق فتاح "لقد استولى المتشددون الإسلاميون على شعار الماركسيين حول مناهضة الأمركة، لكنهم قضوا بذلك على جاذبية الشعار وعلى اليسار نفسه مثل الطفيليات".

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.