الشباب العراقي عبر عن رغبته في دولة مدنية بمظاهرات تشرين
الشباب العراقي عبر عن رغبته في دولة مدنية بمظاهرات تشرين

أقل من شهر تفصل العراق عن انتخابات البرلمان المُبكرة، والتي يُراهن أن تُحدث تحولات في الحكم السياسي للبلاد، وبعد أسابيع قليلة من الاحتفالات بمرور 100 عام على تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ترافقت مع مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة الذي أخرج بغداد من عزلتها، وكرسها لاعبا سياسيا.

الانتخابات المُبكرة تجيء بعد عامين على حراك تشرين، وتُعتبر ثمرة من ثماره، وأحد مطالبه التي هتف بها المحتجون في ميادين التظاهر، وقدم لأجلها الشباب والشابات أرواحهم.

حراك تشرين نقطة تحول في تاريخ العراق، صحيح لم يُحقق الكثير من مطالبه، لكنه لفت الأنظار إلى أهمية استعادة الدولة العراقية المختطفة، وانتشال البلاد من الخراب والفساد، وبناء الدولة العابرة للهويات المذهبية، والتصدي للديكتاتوريات التي تدثرت برداء الطائفية، وزادت عن مصالح الخارج قبل الداخل.

الأسئلة عن مستقبل العراق لم تتوقف لحظة، وخلال ثلاثة أيام من الحوارات في ملتقى الرافدين، كانت الإجابات تتوارى أحيانا، والأزمات تتناسل، وتبدو الحلول مستحيلة، وأكثر تعقيدا، وبقي الاشتباك والتدافع في الآراء سيد الموقف بين القادة السياسيين في العراق.

في ملتقى الرافدين كل المسؤولين في الدولة العراقية حضروا، منهم من كان يرتدي بزة، ومنهم من كان يضع العمامة، وبعضهم لم يخلع لباس المليشيات، وجميعهم كانوا يرون أنفسهم حماة للعراق حتى وإن كانوا متهمين بالشارع بدماره وسرقته.

عناوين الجلسات في الملتقى تُقدم صورة لحال العراق، فلا يصدمك أن تُناقش إحدى الجلسات عنوان "العراق في مئة عام.. مسارات مضطربة وأزمات متجددة"، أو "العراق والمجتمع الدولي.. علاقات التعاون والمصالح المشتركة"، وكذا "منظومة الأمن والدفاع.. المهمات والتحديات"، ولم يغب حراك تشرين، ومسارات التغيير السياسي عن النقاش، والحشد الشعبي كان حاضرا بقوة، بالإضافة إلى مكافحة الفساد، عدا عن لقاءات القادة والحوار معهم، والشجون التي تُثيرها إجاباتهم.

كثيرة هي القضايا والاستنتاجات التي أثارها ملتقى الرافدين، وربما يتقدمها أن الانتخابات المُقبلة لن تُغير في المعادلات السياسية القائمة، والكتل والأحزاب السياسية المُهيمنة ستبقى تقود المشهد، والتعديلات التي أدخلت على قانون الانتخاب ربما تسمح بحضور قليل للمستقلين، وقد يكون بعضهم ليس سوى واجهات للكتل والتيارات السياسية القائمة، وحتى "حراك تشرين" الذي قاد التحول السياسي، ودفع الثمن باهظا، فإن احتمالات تأثيره وحضوره تحت قبة البرلمان محدودة.

دائرة التنافس لن تتغير جذريا، خاصة بعد عودة الزعيم مقتدى الصدر عن مقاطعة الانتخابات، ومن ظل مقاطعا حتى الآن لن يُغيّر بالمشهد السياسي، وأبرزهم المنبر العراقي بقيادة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، وجبهة الحوار الوطني بزعامة صالح المطلق، إضافة للشيوعيين.

سيعود التيار الصدري "سائرون" إلى الواجهة في الانتخابات، وستبقى المنافسة محصورة بكتل "الفتح" بقيادة هادي العامري، و"النصر" بزعامة حيدر العبادي، و"دولة القانون" ورمزها نوري المالكي، و"تحالف القوى الوطنية" بقيادة عمار الحكيم، والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة نيجيرفان بارزاني، ولن تكون هناك مفاجآت حسب كل التقديرات.

القضية التي يطرحها الجميع، ولا يُغادر مربعها الأكثرية، هي تغليب الهوية المذهبية على الهوية الوطنية، فالنقاش عن دور المكونات الطائفية في إدارة شؤون البلاد والسلطة مسموع، ويتقدم الأبجديات السياسية، والغائب الأبرز عن الحوار العراق الموحد، ولهذا فإن القيادي عمار الحكيم يطرح بقوة شعار "الدولة واللا دولة" في خضم الانتخابات القادمة، ويدعو لمشاريع وطنية عابرة للحكومات، ويُجاهر بالقول "إن التشيع طائفة وليست حزبا سياسيا"، ولا يبتعد عنه كثيرا وزير الخارجية الأسبق، هوشيار زيباري، حين يؤكد أن الدولة تُبنى بالمشاركة وليس التفرد والاحتكار، ويُجدد الدعوة لقيادات وطنية عابرة للمكونات المذهبية، وتقاسم السلطة والثروة على أسس ديمقراطية.

لا تبدو قضية تفصيل السلطة على أسس مذهبية بعيدة عن أصابع التدخل الخارجي في العراق، ولهذا فإن الحوار لم ينقطع في جلسات الملتقى عن التدخلات الخارجية، ووجهت أصابع الاتهام إلى إيران أكثر من غيرها، ولم تتوقف التصريحات والتلميحات إلى ربط بعض الأحزاب السياسية بطهران، وظل الحشد الشعبي تحت قصف الاتهامات، ولم يُخفِ البعض تورطه باستهداف وتصفية المتظاهرين في حراك تشرين، وصولا للقول "السعودية كانت مع الحراك، وإيران كانت ضده".
لا تسلم الكتل والأحزاب السياسية شيعية كانت أم سنية، أم كردية من مسؤولية ما وصل له العراق من تآكل هويته الوطنية للحفاظ على حكمهم ومغانمهم التي يضمنها تقاسم السلطة، وهو ما دفع عمار الحكيم للتحذير من "لبننة" الوضع السياسي في العراق.

على هامش سلطة الطوائف تتكرس ظاهرة الميليشيات المسلحة في العراق في تحدٍ واضح لإرادة الدولة، وأكبر مثال صارخ لها ظاهرة الحشد الشعبي الذي يضم أكثر من 169 ألف مسلح انضوت بعد الحرب ضد "داعش" تحت مظلة القوات المسلحة العراقية، ورغم ذلك فإن الأسئلة عن ولائها وانتمائها السياسي لم تحجبها وتشوش عليها إجابات قادة الحشد، فالح الفياض، وهادي العامري.

الفياض في الحوار معه لم يوارب في أجوبته، فهو رغم تبعيته للقوات المسلحة لم ينكر دعمه لقائمة انتخابية، ويُعلن أنه سيرفض أوامر القائد العام للقوات المسلحة إذا لم تتوافق مع أوامر المرجعية الدينية، والأهم والأخطر أنه يرى أن الحشد الشعبي "فوق الدولة" إن جاز الوصف والتعبير، فهو يعزو الفضل للحشد لبقاء الدولة وعدم انهيارها، وهو من يمنع الانقلاب عليها.

أكثر القضايا الإشكالية التي لم تجد حلولا الفساد، فأزمة العراق كانت بتزاوج السلطة والمال، والوجه السائد للسلطة كان طائفيا بامتياز، والفساد ظل ملازما للثروة والمال.

الأرقام عن الفساد في العراق مُرعبة؛ فتقرير لجنة النزاهة النيابية يتحدث عن 350 مليار هُربت من البلاد منذ عام 2003، أي ما يُقارب 32 بالمئة من إيرادات النفط، وأن 6 آلاف مشروع وهميّ كانت مؤشرا وعنوان آخر للفساد.

يعترف رئيس الوزراء العراقي الأسبق، حيدر العبادي أن الفساد سبب الانهيار والتراجع، ويقول محاربة الفساد منظومة، وليست حربا على الفيسبوك، ويؤيد هذا الكلام عمار الحكيم بالتأكيد على أن مكافحة الفساد ليست كلاما، وإنما كيف نبني دولة تمنع الفساد من الوصول للمال العام، مُعترفا أن الكتل السياسية تحمي الفساد، وهذا هو الأخطر.

رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة، حاول أن يضع حدا للتدخل الخارجي في بلاده، فأنْ يُصبح العراق ساحة لتصفية الحسابات أصبح خطا أحمر، وما عاد مقبولا، وإن نجحت مقاربة الكاظمي في تحييد دول الجوار، فإن المهمة المقبلة بعد الانتخابات إيجاد حلول لأزمات الداخل المستعصية، والأبرز خارطة طريق لبناء الدولة الوطنية، وهذا يعني سلطة تعلو على الطوائف والمذاهب، ودستور يسمو على أي مرجعية أخرى، وقوانين تضمن محاسبة الفاسدين، وتصون حقوق الناس، وجيش لا يُزاحمه مليشيات -مهما كانت مسمياتها- تدين بالولاء لدولة غير العراق. 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.