صورة تعبيرية- اغتصاب
قضية التحرش في طنجة أثارت جدلا واسعا على مواقع التواصل - الصورة تعبيرية

يرفع تنورتها ويضرب مؤخرتها بيده ثم يركض في الشارع مزهوا فرحا فخورا بـ "إنجازه". سلوك همجي وعنف جنسي مؤكد وموثق بالكاميرا! ومع ذلك، فقد فوجئنا (هل فوجئنا حقا؟) بأصوات كثيرة تعتبر الفتاة مذنبة لأنها كانت تتجول في الشارع بتنورة قصيرة، وتجد للشاب المبررات تلو الأخرى. الأكثر مدعاة للاستغراب وللغضب أيضا.. أن بين تلك الأصوات التي اتهمت الفتاة وبررت للشاب فعلته، كانت أصوات النساء كثيرة! هل تسعى هؤلاء النسوة مثلا لإثبات أخلاقهن وكونهن أكثر شرفا وتخلقا من تلك المتبرجة الفاسدة التي تمشي في الشراع بتنورة قصيرة؟ 

مهما كانت الأسباب الخفية أو المعلنة، فالنتيجة واحدة: أجساد النساء مازالت، للأسف، موضوع هوس للنساء والرجال على حد سواء. 

يمكن استعمال كل الحجج لكي نبرئ المتحرش والمغتصب والمعتدي جنسيا: ملابس الفتاة، المخدرات التي استهلكها الشاب، المجتمع الإسلامي المحافظ (رغم أن من يستعملون هذه الحجة لا يتساءلون مثلا إن كان من "الإسلام" ومن "التدين" ومن "الأخلاق المحافظة" أن نرفع تنورة فتاة في الشارع وأن نضرب مؤخرتها). 

حتى حين تقدم نساء محجبات ومنقبات شهاداتهن عن تعرضهن للتحرش والعنف الجنسي. حتى حين تأتي الشهادات من مكة نفسها وخلال أداء مناسك الحج أو العمرة. حتى حين تأتي الشهادات من سيدات حوامل يسمعن أقدح عبارات العنف الجنسي الذي يربط بين حملهن وبين أخلاقهن وممارستهن الجنس (حتى لو كانت ممارساتهن الجنسية تتم مع أزواجهن، فكل شيء قد يستعمل لإهانة النساء). حتى حين تأتي الشهادات من سيدات يمشين في الشارع مع أطفالهن. حتى حين يتم الاعتداء جنسيا على طفلات صغيرات أو على سيدات مسنات (محاضر الشرطة والدرك تشهد بحالات كثيرة من العنف الجنسي الذي مورس على نساء مسنات). حتى حين يتم الاعتداء على جثت سيدات في قبورهن.. كل هذا لا يهم؛ إذ يكفي أن تكوني امرأة في الفضاء العام، لكي تنتفي كل التفاصيل الأخرى وتصبحي محور تحرش وعنف ثم تصبحي متهمة... بكونك تسببت في إثارة شخص بريء!

هل نتخيل مثلا أن نبحث عن تبرير لشخص سرق هاتفا لأن صاحبه غني وهو فقير فاستفزه غنى الآخر؟ هل سنتخيل مثلا أن نجد تبريرات لشخص يقتل جاره لأن جاره يملك سيارة بينما هو مضطر لاستعمال الحافلة العمومية للتنقل لعمله؟ هل سنتخيل مثلا أن نجد التبريرات لسيدة تعنف زميلتها لأنها تملك حقيبة لا تملك هي الإمكانيات لشرائها؟ هل سنتخيل مثلا أن نبرر تعرض شخص للسرقة في الصباح الباكر بينما كان متوجها لعمله أو لصلاة الفجر، بحجة أن الخطأ خطؤه لأنه خرج في غير الوقت المناسب؟

إذا وجدنا كل هذه السلوكيات غير مقبولة وقررنا فيها إدانة المجرم بدل إدانة الضحية، فحينها، نحتاج ربما أن نسائل أنفسنا لماذا، في حالات التحرش والعنف الجنسي، يقرر البعض بكل وعيه أن يقلب الآية ويعتبر أن الفتاة التي ترتدي تنورة قصيرة أو قميصا يكشف ذراعيها مسؤولة عن التحرش بدل أن تكون ضحية؛ ولماذا يجدون للمتحرشين والمغتصبين كل التبريرات (رغم أن سلوكهم، عمليا، مناقض لمنظومة القيم التي يفترض أنهم يدافعون عنها).

وحين لن نجد الجواب ولا التفسير المنطقي لهذا الخلل... حينها، سنتأكد أن التفسير الوحيد هو الميزوجينية المستشرية والرهاب الذي يعانيه الكثيرون (وإن بشكل لا شعوري) من أجساد النساء ومن وجودهن في الفضاء العام.
لكن، إلى متى نتفاجأ ونحن نرى نفس هؤلاء المبررين، يدافعون عن طالبان ويعتبرون أنها تكتفي بتنفيذ الشريعة؟ المشكل إذن عميق جدا وخطير جدا... ويترجم تصورا لما يجب أن نكون عليه! 

ملحوظة: حين كتابة هذه السطور، تم إلقاء القبض على الشاب الذي اعتدى على فتاة طنجة إضافة إلى ثلاثة من شركائه، بانتظار محاكمة نتمناها عادلة؛ لعلها تردع من يتصور أن من حقه أن يتدخل في اختيارات النساء وملابسهن.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.