رؤية جديدة لمواجهة الإرهاب
رؤية جديدة لمواجهة الإرهاب

مرت قبل أيام الذكرى العشرين لهجمات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية، والسؤال الأهم الذي رافق إحياء هذه المناسبة كان: هل من الممكن أن تنجح الجماعات الجهادية في تنفيذ هجمات مماثلة في الولايات المتحدة الآن أو في المستقبل القريب؟ وهل من الممكن أن تشكل أفغانستان من جديد بؤرة لنشاط الجماعات الإرهابية مثل القاعدة، موجهة ضد الخارج وخاصة الولايات المتحدة؟ 

الإجابة على السؤال الثاني تبدو مرهونة بعامل الزمن، وما إذا كانت طالبان سوف تكرر أخطاءها السابقة أم لا، أما الإجابة على السؤال الأول فهي للأسف نعم، على الأقل في نظر بعض المحللين والمختصين في شؤون المنطقة مثل مايكل روبين، من معهد "أميركان انتربرايز"، الذي يقول إن "أي هجوم آخر سوف يكون غير مسبوق ولن يكون تكرارا للماضي".

وهو يشير على سبيل المثال إلى هجومين شنهما مسلحو حركة الشباب الصومالية في كينيا، استهدف أحدهما مركزا تجاريا في نيروبي عام 2013 مما تسبب في مقتل 67 شخصا، فيما استهدف الثاني الحرم الطلابي في جامعة غاريسا، شمال شرقي البلاد، عام 2015 وأسفر عن مقتل 147 شخصا.

ويقول: "القليل من مراكز التسوق في الولايات المتحدة لديها إجراءات أمنية فعالة، فيما الجامعات متساهلة. ومن المحتمل أن تكون مسألة وقت فقط قبل أن يضرب الإرهابيون جامعات مثل هارفارد أو ييل أو برينستون، مدركين أنهم يستطيعون تصدر عناوين الأخبار الدولية من خلال احتجاز أبناء النخبة الأميركية كرهائن".

وإضافة إلى ذلك هناك أيضا هجمات غير تقليدية يمكن أن ينفذها الإرهابيون مثل شن هجمات إلكترونية على البنية التحتية الحيوية الأميركية بما يشمل تخريب أنظمة المياه والشبكة الكهربائية في البلاد، أو تعطيل شبكات إمداد الغذاء والدواء التي يمكن أن يصبح تأثيرها محسوسا وشديدا في غضون يوم أو يومين فقط.

وروبين محق فيما يقوله، لأن الحرب على الإرهاب رغم أنها أضعفت الحركات الجهادية مثل تنظيم القاعدة وداعش، إلا أنها لم تقض عليها تماما.

ورغم طرد القاعدة من أفغانستان وحرمانها من الملاذ الآمن، حتى الآن على الأقل، فإن هذا لم يمنع من انتشار التنظيمين في مناطق أخرى من العالم، وهناك مؤشرات على أن داعش يسعى لإعادة تنظيم صفوفه في العراق وسوريا، كما أن نشاط التنظيمين في أفريقيا، وخاصة منطقة جنوب الصحراء، يبدو أنه يكتسب زخما كبيرا.

وتقول كاثرين زيمرمان، في مقال لها على موقع مركز ويلسون، إنه "بعد عشرين عامًا من هجمات الحادي عشر من سبتمبر، أصبح لدى الحركة الجهادية العالمية مقاتلين في دول أكثر من أي وقت مضى. لقد تطورت الطريقة التي سعت بها الجماعات السلفية الجهادية، بما في ذلك القاعدة، لتحقيق أهدافها منذ عام 2001، لكن الاعتقاد الأساسي بضرورة شن الجهاد العنيف لاستعادة الإسلام في المجتمعات الإسلامية لم يتغير".

وهذا يعني أن الحرب العالمية على الإرهاب أبعد من أن تصل إلى نهايتها، وأن تدمير تنظيم داعش في سوريا والعراق، لا يعني نهاية المطاف.

غير أن هذه الحرب تحتاج إلى إعادة صياغة من الناحية الاستراتيجية.

لقد صرفت الولايات المتحدة مئات مليارات الدولارات على إنشاء وتدريب الجيش في كل من العراق وأفغانستان بحسب المعايير والنموذج الأميركي. وكان التصور أن هذين الجيشين سوف يتكفلان بالدفاع عن البلاد ومواجهة الحركات الجهادية أيضا.

ومن الواضح أن هذه المهمة المكلفة قد فشلت، لأن الجيشين لم يقاتلا حينما تطلب الأمر منهم ذلك.

وبدلا من هذا استفادت من التدريبات بالدرجة الأولى شركات الأمن وشركات التزويد اللوجستي الأميركية وبعض المقاولين المحليين، لكن من الواضح أن جزءا كبيرا من هذه الأموال قد أهدر.

أن جزءا أقل بكثير من هذه الأموال كان يمكن أن ينجز المهمة لو تغيرت العقليات وجرى استيعاب الاختلافات الثقافية والاجتماعية في هذه البلدان بطريقة تجعل التعامل معها لا يتم وفق المقياس الأميركي أو يستجيب للتوقعات الأميركية، وإنما وفق ما تقتضيه البيئات المحلية.

إن السؤال الذي طالما طرحه العديد من المحللين السياسيين هو هل ثمة طريقة أخرى لمقاربة هذه المسألة؟

والإجابة هي نعم.. لمواجهة تنظيمات مثل داعش والقاعدة وغيرها فإن الجيوش النظامية تبدو غير فعالة على المدى المتوسط والبعيد، بل هي قد تتكبد خسائر لا مبرر لها في الواقع، لأن الجندي في ساحة المعركة مكشوف ويمكن تمييزه من ملابسه بينما الإرهابي يمكنه الاختباء بسهولة بين السكان ويصعب التعرف عليه.

ولذلك فالمطلوب كيانات مسلحة على نفس نمط هذه التنظيمات مدعومة بقدرات استخباراتية عالية. والأفضل أن تتمتع هذه بنفس العقائد والثقافة العشائرية والمناطقية.

إن ما يدفع هذه التنظيمات للقتال ليس المحافظة على السيادة أو تأمين الحدود وما شابه. ولكن تأمين سيطرة القبيلة والعشيرة والطائفة، ولذلك فهي تدافع في نهاية المطاف عن مصالح وعن نمط اجتماعي معين، والذي قد يبدو لشخص قادم من خارج هذه الثقافة بأنه لا أهمية له، لكنه في عيون أبناء المنطقة يمثل مسألة وجودية.

لا يعزى الإخفاق هنا كله إلى مسائل ثقافية بطبيعة الحال، فهناك عوامل أخرى كثيرة لعبت دورا في هذه المسألة، لكن الأمر المؤكد هو أن المقاربة التقليدية والقائمة على استخدام الجيوش لمحاربة التنظيمات الإرهابية تبدو فكرة قد عفا عليها الزمن.

      

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.