لبنان.. حسابات مستقبلية معقدة
لبنان.. حسابات مستقبلية معقدة

طريقة تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة وبنيتها وبيانها الوزاري، لا تُثبت أنّ شيئاً لم يتغيّر في السياسة اللبنانية المعتمدة منذ ما قبل الانهيار الكبير فحسب، بل إنّ الأمور قد تراجعت الى الوراء، أيضاً.

إنّ يد "حزب الله" أصبحت "أطول" من أيّ وقت مضى، وتحكّم القوى والأحزاب والتيارات السياسية التي ملأت الشكاوى من فسادها وأنانيتها الفضاءين المحلي والدولي، قد تعزّز، والوزراء الذين كانوا يُحسبون، مباشرة عليها، استبدل من هم أخطر منهم "ديمقراطياً" بهم، لأنّ هذه النوعية من "الاختصاصيين المحظيين"، بغض النظر عن النقاش الدقيق بمستوى كفاءاتهم الحقيقي، ليسوا سوى "رجع صدى" للفئات التي صارعت من أجل الإتيان بهم، من دون أن تتحمّل أيّ تبعة عن نتاج أفعالهم، تماماً كما حصل مع حكومة حسّان دياب التي، في ظل ولايتها، انهار كلّ شيء، وجاع اللبنانيون وهاجروا، وتمّ تفجير مرفأ بيروت.

إذن، طالما أنّ شيئاً لم يتغيّر في المعادلات التي تُمسِك بها القوى اللبنانية، فهل هذا يعني أنّ ثمة تغيّرات في نظرة القوى الخارجية الى لبنان، حيث لم يعد "النأي بالنفس عن المحاور الإقليمية وصراعاتها" ولا تشكيل حكومة من "اختصاصيين مستقلين" مطلوبَين؟

نعم، ولكن!

صحيح أنّ هناك تغيّراً دولياً في التعاطي مع لبنان، ولكنّه تغيّر ظرفي.

والمقصود بـ"التغيّر الظرفي" أنّ القوى المعنية بلبنان، تريد أن تفتح "نافذة" في الجدار المغلق، حتى يتمكّن اللبنانيون من التنفّس، بعدما كاد الانهيار يطيح بهم، ولكن هذا لا يعني مطلقاً أنّ تطلعات اللبنانيين والعالم إلى وضعية "بلاد الأرز" قد انقلبت رأساً على عقب، فتعافي لبنان مرتبط ارتباطاً طبيعياً بالمعايير التي سبق أن طلبها المجتمع الدولي، وعاد وتبنّاها قسم كبير من اللبنانيين.

وهذا "التغيّر الظرفي" هو الذي أتاح للمازوت الإيراني الوصول الى لبنان عبر سوريا، بطريقة "التفلّت المراقب" الممكن ضبطه، في أيّ لحظة، وهو الذي كان قد دفع العراق، عبر الإمارات العربية المتّحدة، إلى توفير مادة الفيول لـ"مؤسسة كهرباء لبنان" لمدة 6 أشهر، وهو الذي عجّل بصدور "موافقة مبدئية" على إعفاء مصر والأردن من "قانون قيصر" لجهة تمرير الغاز والكهرباء، عبر سوريا، إلى لبنان، وهو الذي ساهم بإنجاز التفاهم الفرنسي-الإيراني على تشكيل الحكومة اللبنانية "كيفما اتفق".

إنّ التطورات الإقليمية والدولية الناشئة عن إعادة دراسة الولايات المتحدة الأميركية لأولوياتها الإستراتيجية، قضت بالسماح بفتح نافذة في الجدار اللبناني، لأنّه، في الفترة التي تفصل عن رسم واشنطن خطّها الإستراتيجي في الشرق الأوسط، لا يمكن رمي اللبنانيين في أتون الجوع الكبير، ولكنّ "فترة السماح" هذه يجب ألّا تغش أحداً، فيحسبها "مكسباً صافياً" أو "نصراً مستداماً".

 وعليه، يمكن للبنان أن يستغلّ هذه الفترة لتحسين أوضاعه، كما يمكنه أن يفرّط بها، لإضعاف موقعه.

وهذا، بالتحديد ما نبّهت إليه البيانات الدولية "القليلة" التي صدرت، في أعقاب إعلان تشكيل الحكومة الجديدة، بحيث أتى الترحيب مشروطاً.

إنّ "الأوكسيجين" الذي جرى إمداد لبنان به، سوف يعينه على إظهار توجّهاته المستقبلية، وذلك من خلال طريقة تفاعله مع ملفات المنطقة الخلافية، وفي مفاوضاته مع "صندوق النقد الدولي"، وفي ضوء إظهار مدى جدية استعداداته العملية لإجراء انتخابات نيابية "نزيهة" في مواعيدها الدستورية.

وليس غائباً عن دوائر القرار في الدول المعنية بالشأن اللبناني أنّ في الحكومة الجديدة، "حكومتين"، الأولى تضم أقلية وزارية، تريد التفاوض بجدية مع "صندوق النقد الدولي"، والتفاعل إيجاباً مع المجتمع الدولي، والثانية تضم أكثرية الوزراء، يتحكّم بها "حزب الله" الذي يرغب في أن يأتي يوم ويرى فيه لبنان ملحقاً بإيران ومنفصلاً كلياً عن المجتمع الدولي، وفق معادلة شبيهة عرفها لبنان، حين كان تحت نفوذ النظام السوري.

وتدخل احتفالات "حزب الله" بصهاريخ المازوت الذي استورده من إيران، في سياق ربط بيروت بطهران، لا أكثر ولا أقل.

ويعرف كبار الاقتصاديين أنّ كميات النفط والكهرباء الواردة إلى لبنان عبر سوريا، سواء كانت هبات أو مقايضات أو مدعومة الأسعار، يمكنها أن تخفّف من وطأة الجحيم اللبناني مرحلياً، لكنّها لا تساعد مطلقاً على إخراجه من أزمته، إذ إنّ أكثر التقديرات تفاؤلاً وتساهلاً تشير الى أن لبنان، يحتاج، للخروج من أزمته، الى فترة تتراوح بين 15 و20 سنة، يبدأ احتسابها عندما يتوافر له حوالي 25 مليار دولار أميركي.

ويستحيل توفير "المواد الأوّلية" للإنقاذ من دون تناغم مع المجتمع الدولي، فهل سيوافق "حزب الله" على ذلك؟

ثمّة من يعتقد بأنّ "حزب الله" لن يتوقف عن السعي إلى هدفه الكبير، وقد أمّن له اتفاق إيراني-فرنسي الظروف الملائمة لذلك.

قد يكون ذلك صحيحاً، ولكنّ فرنسا لا تستطيع ضمان اتفاقات من هذا النوع، وليس أدلّ على ذلك من أنّ الولايات المتحدة الأميركية، ما إن حسمت موقفها الاستراتيجي من طريقة التعامل مع الصين، في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حتى أفقدت باريس ما سمي بـ"صفقة القرن" مع أستراليا التي قرّرت فسخ اتفاق مع فرنسا كانت وقعته معها عام 2016 وبدأ تنفذه في العام 2019 ويقضي بأن تزوّد باريس كانبيرا باثنتي عشرة غواصة بحرية.

لقد أخرجت واشنطن حليفتها الفرنسية وأدخلت حليفها الإنكليزي "البريكسيتي"، في عملية سياسية-استراتيجية أغضبت الإدارة الفرنسية التي ذهب وزير خارجيتها جان ايف لورديان إلى الحديث عن "طعنة في الظهر"، مشبّهاً طريقة تعاطي الرئيس جو بايدن بالطريقة التي كان يتعاطى فيها الرئيس السابق دونالد ترامب، مع بلاده.

إنّ فرنسا قادرة في "فترة السماح" أن تعطي أفضل ما لديها، ولكن، عندما تنضبط الرؤية الاستراتيجية الأميركية، يصبح كل ما تقايض به فرنسا بما في ذلك الاتفاقيات المباشرة التي تعنيها مباشرة، في مهب الريح.

وتحاول فرنسا أن تدفع الإتحاد الأوروبي، بمشاركة ألمانيا، إلى انتهاج سياسة خارجية، سواء تجاه الصين أو روسيا أو إيران، مستقلة عن سياسة الولايات المتحدة الأميركية.

ولقد نزل خبر فسخ "صفقة القرن" نزول الصاعقة على الرئيس إيمانويل ماكرون، قبل ساعات من استقباله "الوداعي" لحليفته أنغيلا ماركيل التي سوف تترك السياسة، في السادس والعشرين من هذا الشهر، بعد 16 سنة من رئاستها للسلطة التنفيذية في بلادها.

إذن، على لبنان بدل أن يتيه في أوهام "لعبة الأمم"، أن يستفيد من نفحة "الأوكسيجين" الحالية ليتلمّس، قبل حلول ساعة الحسم في منطقة الشرق الأوسط، المخارج الإنقاذية المتاحة له التي يعرفها القاصي والداني، وبات تكرارها لزوم ما لا يلزم.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.