ماكرون وبايدن
ماكرون وبايدن

أسبوع ساخن أطلسيا فجرته أزمة بين فرنسا والولايات المتحدة على خلفية تخلي أستراليا عن عقد غواصات من باريس بمليارات الدولارات، بعد صفقة لها مع واشنطن ولندن تمنحها غواصات نووية.

وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان خرج عن اللغة الدبلوماسية المعتادة واعتبر أن ما قام به الرئيس جوزيف بايدن مع رئيس وزراء أستراليا جيم موريسون "طعن بالظهر"، و"قرار جائر أحادي وغير متوقع يذكرني كثيرا بما كان يفعله السيد ترامب".

"أشعر بالغضب والمرارة. هذا أمر لا يحدث بين الحلفاء"، أضاف لو دريان بعد خسارة فرنسا لما يقرب من 66 مليار دولار في صفقة جرى التفاوض عليها لسنوات، وكانت حتى يوليو الماضي قيد الإنجاز.

فرنسا ألغت نشاطات احتفالية ودبلوماسية في واشنطن، فيما احتفلت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا بتحالفها الجديد، والتأسيس لشراكة أمنية لمنطقة المحيطين الهندي والهادي، تضع في صلب أعينها احتواء العملاق الصيني.

الغضب الفرنسي مشروع كون لا أستراليا ولا أميركا أبلغتا الحليف التاريخي بالمفاوضات السرية التي اكتشفها الفرنسيون في بيان البيت الأبيض، والإحراج الفرنسي فيه شقان: الشق الدبلوماسي العلني، والشق التجاري مع مجموعة نافال الفرنسية التي وقعت العقد.

مسؤول أميركي قال لـ"نيويورك تايمز" أنه لم يتم إحاطة فرنسا لأنها "لن تكون سعيدة"، وهو عذر أقبح من ذنب.

وفي الوقت نفسه فإن لغة "الصفقات" هي نفسها التي يتحدثها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والثقة بعيدا عن حلف الشمال الأطلسي (ناتو) متضعضعة منذ فترة بين باريس وواشنطن.

فمن صفقات طائرات "رافال" مع مصر، الى التغاضي عن الانقلابات العسكرية في أفريقيا، والاستعداد للانسحاب من مالي بعد الانسحاب من أفغانستان في 2014، هناك ميل ماكرون لوضع مصلحة فرنسا أولا. هناك أيضا استراتيجية ماكرون في الشرق الأدنى وتحركه قبل الأميركيين في لبنان، مع إيران، ثم العراق حيث استثنت قمة بغداد الأخيرة الجانب الأميركي.

إدارة بايدن، التي جاءت للحكم وهي تسعى لقلب صفحة ترامب، تجد نفسها اليوم في موقع مشابه في ملفات خارجية عدة. فالانسحاب من أفغانستان كان طبقا للاتفاق الموقع من ترامب مع طالبان، فيما الاقتراب من أستراليا وحشر الصين في حديقتها الخلفية هو أيضا ما سعى إليه الرئيس السابق.

من جهة أخرى يؤرق واشنطن التقارب الاقتصادي بين كل من ألمانيا وفرنسا من جهة والصين من جهة أخرى. فزيارة ماكرون لبكين في 2019 أسفرت عن صفقات بـ15 مليار دولار. أما أنغيلا ميركل فرفضت أن تحشر برلين في معسكر أميركا ضد الصين.

المشكلة في الأزمة التي نتجت عن غواصات أستراليا هو أن تداعياتها ستفيد الصين، فيما الهدف الأساسي منها الحد من نفوذ بكين. فالتلاسن الكلامي والتشنج وانعدام الثقة بين حلفاء المعسكر الغربي يساعد الصين على خرق هذا المعسكر، وتعزيز شراكتها مع الأوروبيين المستائين من بايدن.

هذا كله يسقط مقاربة العودة الى "الحرب الباردة"، إنما هذه المرة بين أميركا والصين. هذا يفترض معسكرين ومنافسة قطبية فيما الواقع يعكس توزيعا مختلفا للقوى العالمية وتنافسا أحيانا بين الحلفاء، لتصدق مقولة هنري كيسنجر بأن أميركا "ليس لديها أصدقاء أو أعداء دائمين، فقط مصالح".

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.