(المخاض الصعب والضروري للدولة)
بين فندق الرويال الفخم في العاصمة الأردنية عمان، وأطراف مدينة الزرقاء مسافة لا تتجاوز الثلاثين كيلومترا، لكن الفجوة بينهما هي فجوة بين عالمين مختلفين.
لغايات "ضبط الجودة" في مواعيدي ومقابلاتي وأشغالي أقمت في فندق الرويال، ولغايات ضبط "رضا والدتي" وشؤون عائلية أتسلل بين المواعيد إلى الزرقاء حيث بيت والدي رحمه الله.
الطريق إلى الزرقاء مليئة بالتحويلات المرورية المزعجة، وقد قررت الحكومة مد خط مشروع النقل البري إلى المدينة الأكثر اكتظاظا بعد العاصمة، ومن رفاهية الفندق إلى وعورة التفاصيل الحياتية في الحي الذي نشأت به، أفكر مليا وممتلئا بالحيرة من كل ما أقرأ وأسمع وأشاهد عن عملية الإصلاح السياسي والإداري في الدولة الأردنية، ولأكون أكثر دقة: في باقي تلك الدولة وقد تضخمت مؤسساتها باهتراء مطرد.
أعرف أصدقاء طيبين في أحياء عمان الغربية يعيشون حياة تشبه حياة "متوسطي الدخل" في موطني البلجيكي حيث أقيم وأعمل وأعيش، لكن تلك الحياة "المتوسطة" هي غاية في الرفاهية بالنسبة للحي الذي نشأت به.
في العاصمة، التقيت بمسؤولي الصف الأول والثاني في الدولة الأردنية، وكلهم مهتمون (ومنهم من يدعي الاهتمام على الأقل) برؤية الملك الإصلاحية، الرؤية الضرورة التي قرر الملك أن يتدخل بها شخصيا ويدعمها بكامل قوته كما يؤكد الجميع، لكن "الجميع" يفترقون عند التفاصيل في تطبيق الرؤية!
الكل لديه "نوايا حسنة" للوطن.. والكل يحب الغرق في التفاصيل.
ودوما أتذكر أن الطريق إلى جهنم مرصوف بالنوايا الحسنة، وأن الشيطان يتخذ من التفاصيل مسكنا له.
--
"الجماعة"، ليست وصفا لتيار الإخوان المسلمين في مفردات المشهد السياسي الأردني، بل وصف معطوف على الأجهزة الأمنية وتحديدا جهاز المخابرات العامة، الذي يرى فيه الجميع "وربما الملك نفسه" حجر الزاوية التي يجب أن تتغير إحداثياتها لتدوير الزوايا جميعا نحو الوصول إلى منظومة دولة مؤسسات وقانون ديمقراطية برلمانية حزبية.
دولة المؤسسات والقانون مفهوم مختلف ومنفصل، لكن يسير بالتوازي مع دولة ديمقراطية وحزبية، والمدهش ان المخابرات الأردنية "بحكم الخبرة الطويلة" تدرك تماما حدود الفصل بين المفهومين!
الملك، وهو رأس الدولة في الأردن، وبصلاحيات دستورية واسعة تضعه في حالة "المصون عن كل تبعة ومسؤولية" وهو الذي يعين ويقيل مدراء أجهزة الأمن في الدولة بالإضافة إلى أنه القائد الأعلى للجيش، لم يخف طوال سنوات عديدة في أحاديثه العامة، والمغلقة، عن رغبته بالوصول إلى حالة "ديمقراطية" في الدولة الأردنية يكون فيها الحكم برلمانيا قائما على نظام حزبي، بل إن الملك حدد كثيرا في أحاديثه رؤيته لوجود ثلاث أو أربع أحزاب على الأكثر تتداول السلطة في الدولة ضمن حضور برلماني حقيقي.
حديث الملك "التقدمي" واجه دوما حيطان إسمنتية من الصد، في دولة كلها تقع تحت سلطته!
والملك نفسه، تراجع "أكثر من مرة" عند خطوات فاصلة ومهمة عن رؤيته "التقدمية" أمام منعطفات كان بعض "رجال الملك" أنفسهم يقدمون براهين على أن الخطر الكامن في التحولات قد يمس عرش الملك نفسه!
وكنت قد كتبت سابقا ما مفاده أن الإصلاح السياسي الذي يبدو أنه يتحرك بتثاقل شديد باتجاه معاكس لرغبة "قوى الوضع الراهن" من أجهزة وأشخاص ومؤسسات قبلية يجد صداه عند الملك كحالة ضرورة تتجاوز طموحه الشخصي هذه المرة، وبحسابات الأمن الغريزية عند الملك، فإن تأخير استحقاقات الإصلاح السياسي هي الأخطر وهي الخاصرة الرخوة للمملكة التي تحتفل بمئويتها الثانية في سياق إقليمي مرتبك، ووضع محلي لا يحتمل المغامرات على الإطلاق.
من كل مشاهداتي واستماعي كان هناك شبه إجماع على أن ما تم تسميته بقضية "الفتنة" وما تبعها من تداعيات كان أكبرها قضية النائب المفصول وحالة "التجمهر الشعبي" حوله، كانت كلها موجبات للتحرك الفوري نحو "إصلاح الدولة" بمعناها الحقيقي وإعادة ترسيخ المؤسسات الدستورية والقانونية، وتلك عملية ليست سهلة أمام غابات كثيفة ومتشابكة من المصالح وقوى تلك المصالح التي تجذرت في المشهد وتقاطعت علاقاتها إلى حد قدرتها على التبرير المنطقي ووضع كل الأسباب الموجبة امام الملك أيضا لإبقاء الوضع على ما وضعه الراهن، والذي يرى فيه هؤلاء أكثر من كفاية للدولة "ومصالحهم".
--
بين قناعات بوجود تدخل مخابراتي يعيق خطوات الإصلاح "الملكية" وقناعات موازية تقول إن المخابرات رفعت يدها فعلا عن أي "تدخلات"، فإن مصدرا أمنيا أكد لي أن مهمة "الدائرة" اليوم مختلفة عن كل ما سبق، ويضيف المصدر أن الأمر الملكي لا يمكن تجاوزه أو التحايل عليه.
الانطباع الذي لازمني بعد كثير من المقابلات خلاصته أن "الجماعة" وبعد الرسالة الملكية "الواضحة والحادة" لمدراء الأجهزة الأمنية قد رفعوا أيديهم عن وسائل الإعلام والمواقع التي كانت لهم سيطرة طويلة عليها، لكن "رفع اليد الأمنية" ترك "أيتام الدكاكين الصحفية" وفقاعات وسائل التواصل الاجتماعي بلا توجيهات واضحة ومعتادة، مما جعل القصف العشوائي على فكرة الإصلاح قائما على الاجتهاد الشخصي والمنفلت لغياب المعلومات غالبا أو لغياب المهنية الحقيقية في الصحافة أحيانا، وفي مجمل الأحوال فإن عمليات "التبني" للأقلام والمواقع متوفرة من قبل "قوى الوضع الراهن" المستعدة للقتال حتى آخر لحظة لوقف "الإصلاح الملكي" بحجة حماية الملك والعرش والدولة، حسب مواصفات ومقاييس رؤيتهم وحدهم.
نحن اليوم، أمام آخر أيام اللجنة الملكية التي عينها الملك برئاسة سمير الرفاعي، أكثر الشخصيات قربا من عقل الملك على كل الجدل الذي يدور حوله، وهو جدل مفهوم يأتي في سياق كل جدليات تحيط بأي رئيس حكومة من حكومات الملك.
فكرة اللجنة، وأنا أسمح لنفسي بكشف معلومة أثق بمصداقيتها هنا، كانت حاضرة في عقل رئيس الوزراء الأردني بشر الخصاونة قبل تشكيل اللجنة بأشهر عديدة، خصوصا أن كتاب تكليف تلك الحكومة مختلف نوعيا عن كل ما سبق من تكليفات لحكومات سابقة، فكتاب تكليف حكومة الخصاونة تميز بأنه قد تم وبوضوح تأطيره بمهمة تحديث التشريعات لتحديث الحياة السياسية في الدولة، بل وتم وضعها في إطار زمني محدد.
اللجنة التي خرجت باسم الملك وضماناته "المشددة" بعدم التدخل في عملها للخروج بأقصى ما يمكن من مخرجات تضمن مستقبلا سياسيا للدولة على شكل حكومات برلمانية وحياة حزبية كانت هي نفسها تحمل "بعض بذور فناء" الفكرة الإصلاحية من خلال المناكفات بين بعض أعضائها من جماعات "الوضع الراهن" الذين ضمتهم اللجنة، أو مشاغبين من "متربصي الفرصة السانحة" لاكتساب مزيد من الشعبوية.
رئيس اللجنة يحمل لقب "الدولة"، كرئيس وزراء أسبق وهو من الشخصيات الحاضرة دوما في المشهد السياسي الأردني لا يزال، حسب مراقبين ومقربين منه، قادرا على الخروج بأقل الأضرار وقد استأذن الملك بإرفاق "ورقة سياسية" مع المخرجات، وقد تسنى لي الاطلاع على مسودة الورقة التي توحي بأنها خارطة طريق للدولة تتجاوز نقاشات التفاصيل الفنية إلى رؤية "عملية" لاستعادة مؤسسات الدولة وإعادة صياغتها "هيكليا" لتكون الحصان الملائم لعربة الإصلاح المزركشة بالحياة الحزبية والحكومات البرلمانية.
--
نعم، هناك قناعة سائدة وغالبة في الصالونات السياسية الأردنية أن الملك "مصمم وبشدة" على عملية الإصلاح السياسي بل إن هناك حديثا هامسا بات يرتفع ليكون مسموعا بوضوح أن الملك يهيئ الدولة لولي عهده - مشروع الملك القادم- ضمن أسس بنيوية يراها هو ضرورية ليضمن "حكما هادئا وعرشا مستقرا" وهذا لن يتأتى من دون استعادة الدولة بمعناها الحقيقي المؤسساتي والدستوري السليم.
على مستوى العموم، فإن الفراغ الذي نشأ بغياب "الدولة المؤسساتية" تم ملأه بالديماغوجيا والفوضى "والاستهدافات" الخارجية والداخلية وهو ما تجلى بقضية "الفتنة" التي دفعت بالملك نفسه لقيادة عملية الإصلاح السياسي وبصيغة الاستعجال.
الاستعجال الضروري لكن المشوب بالمخاطر، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مليئة بالتكهنات، ونعني مرحلة ما بعد إصدار وتصدير المخرجات من اللجنة التي سينتهي عملها قريبا، وتحويل تلك المخرجات إلى الحكومة التي ستعمل على صياغتها كمشاريع قوانين مطروحة أمام مجلس يدرك تماما أن تلك المشاريع هي مشروع دفن غالبية أعضائه "المنتخبين" ضمن آليات سيتم وأدها بالتشريعات الجديدة.
السؤال الأكثر خطورة في آليات ما بعد لجنة الإصلاح:
هل تدرك حكومة الملك، المكلفة أصلا بإطار زمني لعملية الإصلاح، أن تقديم مشاريع القوانين ليس كافيا وأن معركة الانتصار لتلك المشاريع "الجذرية" يحتاج قتالا سياسيا على كل الجبهات، بدءا من البرلمان "الذي سيحارب المخرجات في بعض المفاصل" وليس انتهاء بقوى الوضع الراهن، وقد رفعت عنها "اليد الأمنية" وبقيت في فراغ الحالة وذخيرتها "الحية" والفاعلة مبنية على "العشيرة والقبيلة" والتوجسات المرعبة من أي تغيير عند الأردنيين؟
الجواب النهائي كان في آخر أيام زيارتي لعمان، وقد رشحت لي مصادر مقربة أن تعديلا وزاريا واسعا بات مطلوبا في حكومة الخصاونة، لتشكيل فريق برأسي حربة، فريق قانوني- سياسي ينتصر للتشريعات الإصلاحية داخل البرلمان وخارجه، وفريق اقتصادي واقعي وعملي وموثوق قادر على تحويل "الدور الإقليمي" الجديد للأردن إلى حالة اقتصادية شاملة تبعث الأمل في اقتصاد منهك ومتعب بدولة منهكة ومتعبة.

