ملك الأردن تحدث عن الأحزاب ودور الدول
ملك الأردن تحدث عن الأحزاب ودور الدول

(المخاض الصعب والضروري للدولة)

بين فندق الرويال الفخم في العاصمة الأردنية عمان، وأطراف مدينة الزرقاء مسافة لا تتجاوز الثلاثين كيلومترا، لكن الفجوة بينهما هي فجوة بين عالمين مختلفين.

لغايات "ضبط الجودة" في مواعيدي ومقابلاتي وأشغالي أقمت في فندق الرويال، ولغايات ضبط "رضا والدتي" وشؤون عائلية أتسلل بين المواعيد إلى الزرقاء حيث بيت والدي رحمه الله.

الطريق إلى الزرقاء مليئة بالتحويلات المرورية المزعجة، وقد قررت الحكومة مد خط مشروع النقل البري إلى المدينة الأكثر اكتظاظا بعد العاصمة، ومن رفاهية الفندق إلى وعورة التفاصيل الحياتية في الحي الذي نشأت به، أفكر مليا وممتلئا بالحيرة من كل ما أقرأ وأسمع وأشاهد عن عملية الإصلاح السياسي والإداري في الدولة الأردنية، ولأكون أكثر دقة: في باقي تلك الدولة وقد تضخمت مؤسساتها باهتراء مطرد.

أعرف أصدقاء طيبين في أحياء عمان الغربية يعيشون حياة تشبه حياة "متوسطي الدخل" في موطني البلجيكي حيث أقيم وأعمل وأعيش، لكن تلك الحياة "المتوسطة" هي غاية في الرفاهية بالنسبة للحي الذي نشأت به.

في العاصمة، التقيت بمسؤولي الصف الأول والثاني في الدولة الأردنية، وكلهم مهتمون (ومنهم من يدعي الاهتمام على الأقل) برؤية الملك الإصلاحية، الرؤية الضرورة التي قرر الملك أن يتدخل بها شخصيا ويدعمها بكامل قوته كما يؤكد الجميع، لكن "الجميع" يفترقون عند التفاصيل في تطبيق الرؤية!

الكل لديه "نوايا حسنة" للوطن.. والكل يحب الغرق في التفاصيل.

ودوما أتذكر أن الطريق إلى جهنم مرصوف بالنوايا الحسنة، وأن الشيطان يتخذ من التفاصيل مسكنا له.

--

"الجماعة"، ليست وصفا لتيار الإخوان المسلمين في مفردات المشهد السياسي الأردني، بل وصف معطوف على الأجهزة الأمنية وتحديدا جهاز المخابرات العامة، الذي يرى فيه الجميع "وربما الملك نفسه" حجر الزاوية التي يجب أن تتغير إحداثياتها لتدوير الزوايا جميعا نحو الوصول إلى منظومة دولة مؤسسات وقانون ديمقراطية برلمانية حزبية.

دولة المؤسسات والقانون مفهوم مختلف ومنفصل، لكن يسير بالتوازي مع دولة ديمقراطية وحزبية، والمدهش ان المخابرات الأردنية "بحكم الخبرة الطويلة" تدرك تماما حدود الفصل بين المفهومين!

الملك، وهو رأس الدولة في الأردن، وبصلاحيات دستورية واسعة تضعه في حالة "المصون عن كل تبعة ومسؤولية" وهو الذي يعين ويقيل مدراء أجهزة الأمن في الدولة بالإضافة إلى أنه القائد الأعلى للجيش، لم يخف طوال سنوات عديدة في أحاديثه العامة، والمغلقة، عن رغبته بالوصول إلى حالة "ديمقراطية" في الدولة الأردنية يكون فيها الحكم برلمانيا قائما على نظام حزبي، بل إن الملك حدد كثيرا في أحاديثه رؤيته لوجود ثلاث أو أربع أحزاب على الأكثر تتداول السلطة في الدولة ضمن حضور برلماني حقيقي.

حديث الملك "التقدمي" واجه دوما حيطان إسمنتية من الصد، في دولة كلها تقع تحت سلطته!

والملك نفسه، تراجع "أكثر من مرة" عند خطوات فاصلة ومهمة عن رؤيته "التقدمية" أمام منعطفات كان بعض "رجال الملك" أنفسهم يقدمون براهين على أن الخطر الكامن في التحولات قد يمس عرش الملك نفسه!

وكنت قد كتبت سابقا ما مفاده أن الإصلاح السياسي الذي يبدو أنه يتحرك بتثاقل شديد باتجاه معاكس لرغبة "قوى الوضع الراهن" من أجهزة وأشخاص ومؤسسات قبلية يجد صداه عند الملك كحالة ضرورة تتجاوز طموحه الشخصي هذه المرة، وبحسابات الأمن الغريزية عند الملك، فإن تأخير استحقاقات الإصلاح السياسي هي الأخطر وهي الخاصرة الرخوة للمملكة التي تحتفل بمئويتها الثانية في سياق إقليمي مرتبك، ووضع محلي لا يحتمل المغامرات على الإطلاق.

من كل مشاهداتي واستماعي كان هناك شبه إجماع على أن ما تم تسميته بقضية "الفتنة" وما تبعها من تداعيات كان أكبرها قضية النائب المفصول وحالة "التجمهر الشعبي" حوله، كانت كلها موجبات للتحرك الفوري نحو "إصلاح الدولة" بمعناها الحقيقي وإعادة ترسيخ المؤسسات الدستورية والقانونية، وتلك عملية ليست سهلة أمام غابات كثيفة ومتشابكة من المصالح وقوى تلك المصالح التي تجذرت في المشهد وتقاطعت علاقاتها إلى حد قدرتها على التبرير المنطقي ووضع كل الأسباب الموجبة امام الملك أيضا لإبقاء الوضع على ما وضعه الراهن، والذي يرى فيه هؤلاء أكثر من كفاية للدولة "ومصالحهم".

--

بين قناعات بوجود تدخل مخابراتي يعيق خطوات الإصلاح "الملكية" وقناعات موازية تقول إن المخابرات رفعت يدها فعلا عن أي "تدخلات"، فإن مصدرا أمنيا أكد لي أن مهمة "الدائرة" اليوم مختلفة عن كل ما سبق، ويضيف المصدر أن الأمر الملكي لا يمكن تجاوزه أو التحايل عليه.

الانطباع الذي لازمني بعد كثير من المقابلات خلاصته أن "الجماعة" وبعد الرسالة الملكية "الواضحة والحادة" لمدراء الأجهزة الأمنية قد رفعوا أيديهم عن وسائل الإعلام والمواقع التي كانت لهم سيطرة طويلة عليها، لكن "رفع اليد الأمنية"  ترك "أيتام الدكاكين الصحفية" وفقاعات وسائل التواصل الاجتماعي بلا توجيهات واضحة ومعتادة، مما جعل القصف العشوائي على فكرة الإصلاح قائما على الاجتهاد الشخصي والمنفلت لغياب المعلومات غالبا أو لغياب المهنية الحقيقية في الصحافة أحيانا، وفي مجمل الأحوال فإن عمليات "التبني" للأقلام والمواقع متوفرة من قبل "قوى الوضع الراهن" المستعدة للقتال حتى آخر لحظة لوقف "الإصلاح الملكي" بحجة حماية الملك والعرش والدولة، حسب مواصفات ومقاييس رؤيتهم وحدهم.

نحن اليوم، أمام آخر أيام اللجنة الملكية التي عينها الملك برئاسة سمير الرفاعي، أكثر الشخصيات قربا من عقل الملك على كل الجدل الذي يدور حوله، وهو جدل مفهوم يأتي في سياق كل جدليات تحيط بأي رئيس حكومة من حكومات الملك.

فكرة اللجنة، وأنا أسمح لنفسي بكشف معلومة أثق بمصداقيتها هنا، كانت حاضرة في عقل رئيس الوزراء الأردني بشر الخصاونة قبل تشكيل اللجنة بأشهر عديدة، خصوصا أن كتاب تكليف تلك الحكومة مختلف نوعيا عن كل ما سبق من تكليفات لحكومات سابقة، فكتاب تكليف حكومة الخصاونة تميز بأنه قد تم وبوضوح تأطيره بمهمة تحديث التشريعات لتحديث الحياة السياسية في الدولة، بل وتم وضعها في إطار زمني محدد.

اللجنة التي خرجت باسم الملك وضماناته "المشددة" بعدم التدخل في عملها للخروج بأقصى ما يمكن من مخرجات تضمن مستقبلا سياسيا للدولة على شكل حكومات برلمانية وحياة حزبية كانت هي نفسها تحمل "بعض بذور فناء" الفكرة الإصلاحية من خلال المناكفات بين بعض أعضائها من جماعات "الوضع الراهن" الذين ضمتهم اللجنة، أو مشاغبين من "متربصي الفرصة السانحة" لاكتساب مزيد من الشعبوية.

رئيس اللجنة يحمل لقب "الدولة"، كرئيس وزراء أسبق وهو من الشخصيات الحاضرة دوما في المشهد السياسي الأردني لا يزال، حسب مراقبين ومقربين منه، قادرا على الخروج بأقل الأضرار وقد استأذن الملك بإرفاق "ورقة سياسية" مع المخرجات، وقد تسنى لي الاطلاع على مسودة الورقة التي توحي بأنها خارطة طريق للدولة تتجاوز نقاشات التفاصيل الفنية إلى رؤية "عملية" لاستعادة مؤسسات الدولة وإعادة صياغتها "هيكليا" لتكون الحصان الملائم لعربة الإصلاح المزركشة بالحياة الحزبية والحكومات البرلمانية.

--

نعم، هناك قناعة سائدة وغالبة في الصالونات السياسية الأردنية أن الملك "مصمم وبشدة" على عملية الإصلاح السياسي بل إن هناك حديثا هامسا بات يرتفع ليكون مسموعا بوضوح أن الملك يهيئ الدولة لولي عهده - مشروع الملك القادم- ضمن أسس بنيوية يراها هو ضرورية ليضمن "حكما هادئا وعرشا مستقرا" وهذا لن يتأتى من دون استعادة الدولة بمعناها الحقيقي المؤسساتي والدستوري السليم.

على مستوى العموم، فإن الفراغ الذي نشأ بغياب "الدولة المؤسساتية" تم ملأه بالديماغوجيا والفوضى "والاستهدافات" الخارجية والداخلية وهو ما تجلى بقضية "الفتنة" التي دفعت بالملك نفسه لقيادة عملية الإصلاح السياسي وبصيغة الاستعجال.

الاستعجال الضروري لكن المشوب بالمخاطر، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مليئة بالتكهنات، ونعني مرحلة ما بعد إصدار وتصدير المخرجات من اللجنة التي سينتهي عملها قريبا، وتحويل تلك المخرجات إلى الحكومة التي ستعمل على صياغتها كمشاريع قوانين مطروحة أمام مجلس يدرك تماما أن تلك المشاريع هي مشروع دفن غالبية أعضائه "المنتخبين" ضمن آليات سيتم وأدها بالتشريعات الجديدة.

السؤال الأكثر خطورة في آليات ما بعد لجنة الإصلاح:

هل تدرك حكومة الملك، المكلفة أصلا بإطار زمني لعملية الإصلاح، أن تقديم مشاريع القوانين ليس كافيا وأن معركة الانتصار لتلك المشاريع "الجذرية" يحتاج قتالا سياسيا على كل الجبهات، بدءا من البرلمان "الذي سيحارب المخرجات في بعض المفاصل" وليس انتهاء بقوى الوضع الراهن، وقد رفعت عنها "اليد الأمنية" وبقيت في فراغ الحالة وذخيرتها "الحية" والفاعلة مبنية على "العشيرة والقبيلة" والتوجسات المرعبة من أي تغيير عند الأردنيين؟

الجواب النهائي كان في آخر أيام زيارتي لعمان، وقد رشحت لي مصادر مقربة أن تعديلا وزاريا واسعا بات مطلوبا في حكومة الخصاونة، لتشكيل فريق برأسي حربة، فريق قانوني- سياسي ينتصر للتشريعات الإصلاحية داخل البرلمان وخارجه، وفريق اقتصادي واقعي وعملي وموثوق قادر على تحويل "الدور الإقليمي" الجديد للأردن إلى حالة اقتصادية شاملة تبعث الأمل في اقتصاد منهك ومتعب بدولة منهكة ومتعبة.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.