مشاكل التربية تشكل أحد أوجه منظومة المشاكل التي تطال مجمل نواحي حياة المواطن اللبناني
مشاكل التربية تشكل أحد أوجه منظومة المشاكل التي تطال مجمل نواحي حياة المواطن اللبناني

في أواخر أغسطس ومطلع سبتمبر، موعد المدارس، كثر الحديث عن التعليم ومستقبل الأجيال ومآلات النظام التربوي في لبنان في زمن الانهيارات التي فاقمت المشاكل التربوية المزمنة.

أكثر ما لفتني مؤخراً عبارة ""نجَونا". أطلقتها معلمة هاجرت الى كندا عام 2020، كما ورد في أحد تقارير جريدة النهار.

"نجونا"، من جهنم تقصد. فالعيش في كندا التي لا تحترم فقط حقوق الانسان في دولة القانون، بل تجهد بتوفير الرفاه لمواطنيها، تكشف بؤس العيش في لبنان المقاوم.

مشاكل التربية تشكل أحد أوجه منظومة المشاكل التي تطال مجمل نواحي حياة المواطن اللبناني. بدءاً من وضع المعلمين المتردي، فأغلبيّتهم لا يتقاضون رواتبهم بالكامل، وشريحة كبيرة لم تحصل على حقها بعد إقرار سلسلة الرتب والرواتب.

إلى الأجور التي أشارت اليها أرقام "رويترز" في مارس الماضي، أنّ "معلمي المدارس الحكومية يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية، التي فقدت ما يقدّر بـ 90٪ من قيمتها. مما يجعل رواتب المعلّمين تساوي الآن ما بين 1 و2 دولار أميركي للساعة".

ويرجّح التقرير الصادر عن البنك الدولي في يونيو بعنوان "التأسيس لمستقبل أفضل: مسار لإصلاح التعليم في لبنان"، أن "تؤدّي الأزمة الاجتماعية والاقتصادية الحالية، وتأثير جائحة كوفيد -19 الصحية، والانفجار الأخير في مرفأ بيروت، إلى انخفاض التمويل المتاح للتعليم". ناهيك عن أن "الإنفاق الحكومي على التعليم غير كافٍ" أصلاً".

من هنا بروز مشكلة الهجرة واستنزاف الخبرات. فبعض المعلمين يفضلون مواجهة المجهول على البقاء في لبنان. حتى أن بعض الأهالي سجلوا أولادهم للدراسة خارج لبنان.
وعلاوة على مشكلة هجرة المعلمين الكثيفة، كجزء من الهجرة غير المسبوقة لمختلف كوادر القطاعات المدربة والمتخصصة، خصوصاً في الطب والتمريض والشباب المتخصص بالتقنيات الرقمية الحديثة، عامود ما يعرف باقتصاد المعرفة؛ هناك مشكلة أوضاع الأسر والتلاميذ أنفسهم. 

يكفي انقطاع البنزين وغلاءه، ما يجعل التنقل مستحيلاً على المعلمين وعلى التلاميذ. يضاف عجز الأهل عن توفير الكتب والقرطاسية واللباس المدرسي، ناهيك عن الأقساط. ثم عجز الحكومة عن توفير مستلزمات الصفوف نفسها من إضاءة وتدفئة... مع مشاكل الانترنت والنقص في الكمبيوترات في ظل التعليم عن بُعد.

كل ذلك يهدّد مستقبل لبنان الذي سيفتقد الكنز البشري الذي طالما كان رأسماله الأهم، للعشرين سنة القادمة. 

عند مراجعتي كتاب آلان غرينسبان (Alan Greenspan)، الرئيس السابق للمجلس الفيدرالي المركزي للخزينة الاميركية، le temps des turbulences، أكثر ما لفت نظري كلامه عن أولوية الكائن البشري وأولوية التربية والنظام التعليمي في الاقتصاد.

نصيحته الأولى، واجب الاقتصاديين دراسة الطبيعة البشرية. خصوصا الابتهاج والخوف، لما لهما من تأثير على الاقتصاد. الأمر الثاني تأثير المرحلة الانتقالية التي نمرّ بها بسبب القفزة الكبيرة في التطور التقني الذي غالباً ما يترافق بالفوضى. وقد يلزم الأسواق عدة سنوات كي تتكيف مع قفزات كهذه. ما يثير اضطراب الأجور، فيرفع أجور الكوادر المهرة. ونتيجة ذلك تزداد الفجوة بين أجور هؤلاء والموظفين الأقل خبرة ومهارة. فتعلو الشكوى من اللامساواة في المداخيل.

يقارن بين الدول النامية التي تعرضت، كالولايات المتحدة لصدمة التكنولوجيا والعولمة، ولكن الآثار عليها كانت أقل مما هي عليه في الولايات المتحدة. ويجد أن التفسير الجزئي لهذا الامر، فيما عدا انظمة الحماية الاجتماعية الاكثر نموا في أوروبا خاصة، ظهور فشل وظيفي في النظام التربوي على المستويين الابتدائي والثانوي، أظهرته دراسة أجريت في العام 1995 في مدرسة Lynch school of education  في كلية بوسطن، وبينت أن طلاب المستوى الرابع، يقعون فوق المتوسط العالمي في الرياضيات والعلوم إلا أنهم يقعون تحت المتوسط في نهاية المرحلة الثانوية.

يسميها "الكارثة التربوية" التي لا يمكن إرجاعها إلى عدم موهبة تلاميذنا. ففي عمر 9 و10 سنوات كانت لديهم متوسطات مُرضية وأكثر. "فما الذي فعلناه خلال السنوات السبع او الثماني التي تلت كي يصبح اداءهم بهذه الرداءة mediocrity مقارنة بالبلدان الاخرى؟"

يشرح لنا كيفية تأثير النظام التربوي على الاقتصاد؛ ليستنتج أن الأدوات السياسية التي تسمح بمباشرة مشاكل اللامساواة المتصاعدة الكبرى، هي لا شك التربية والهجرة. مطالباً بتسريع السيرورات، والسيطرة بشكل أفضل على القدرة التنافسية التي قادت تاريخياً تطور التربية في الولايات المتحدة. كما يقترح تسهيل هجرة البشر الاكثر تأهيلاً الى أميركا.

كما نرى الانسان وإِعداده هو الأصل. والدول الغربية تتنافس على استقبال الكوادر المؤهلة. وأميركا تريد المزيد من العقول. وهي دول لا تعاني ذرة من مشاكلنا. بينما يفرّط لبنان بكوادره ولا يبالي مسؤولوه باستنزاف أفضل القدرات والخبرات وطردهم من البلد.

يهدمون كل ما بني من تراث تربوي عريق خلال عشرات إذا لم يكن مئات السنين!؟ يغيرون وجه لبنان الذي كان جامعة العرب ومهد قياداتها.

تعلمنا التجارب العالمية أن النهوض من مجتمع تقليدي فقير إلى مجتمع متطور لم تحصل إلا بواسطة التربية. جميعنا سمعنا بفترة الحكم الميجي التي نقلت اليابان نقلة نوعية كبيرة جعلتها أحد أهم اقتصادات العالم. هناك توافق عام أن التعليم من بين أهم العوامل التي صنعت من اليابان قوة علمية وصناعية. من هنا التشديد على دور التربية والتعليم. إن فكرة الإصلاح السياسي أو الاقتصادي تظل ناقصة ما لم تترافق مع إيلاء التربية ما تستحقه من العناية بإدخال نظمة تربوية قوية وصلبة والتشديد على أولوية التكوين المدرسي ومن ثم الجامعي للناشئة.

عندما نقارن اليابان بمصر في نهاية القرن التاسع عشر، كانت مصر متقدمة على اليابان بعد أن عرفت طريقها نحو التطور خصوصا بعد التلاقح الحضاري الذي تم بعد دخول نابوليون مصر والبعثة العلمية التي رافقته. قام محمد علي بإصلاحات مهمة لكنها مست الجانب المادي وهُمِّش الجانب البشري. بينما قامت اليابان بالعكس، فاهتمت أولا بالجانب البشري وركزت على إصلاح التعليم. ناهيك عن نهضة كوريا الجنوبية الكبيرة بعد صرف معظم موازناتها على التعليم لمدة 20 عاماً. 

الآن مع الحكومة الجديدة، لدينا وزير تربية نثق بكفاءته ونزاهته. ونرجو أن يتمكن من تحقيق بعض الاصلاح. فعلى كاهله تقع مسؤولية ثقيلة عليه مواجهتها. مطلوب العمل الجاد من أجل الخروج من مأزق القطاع التربوي من أجل استعادة بعض التوازن على مستوى التعليم. ان غض النظر عن الانهيار الذي نعاني منه في منظومة التربية والتعليم يعني القضاء على مستقبل لبنان لأعوام قادة. وننتظر منه أن يُصارح المواطنين بخططه وما قد يضع العراقيل أمامه.

لن نفقد الأمل. السوسيولوجي بوتول يقول إن "التقدم في ميدان التفكير حول الظواهر السوسيولوجية لا يحصل إلا في أوقات الأزمات الكبرى. خاصة عندما تهتز المؤسسات التقليدية أو تتغير لحصول حوادث تاريخية تساهم في قلبها على الأقل".

 لكنه لن يحصل دون هزة يجرؤ عليها من تسلموا السلطة على أمل الانقاذ. ونذكّر أن الأمل بالتقدم يظل ضعيفاً وناقصاً في بلد محتل تتشكل حكومته بتوافق خارجي بين فرنسا وإيران.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.