عبد السلام قال إن وجهة نظر أخنوش تتقاطع مع وجهة نظر اليسار في القضايا الاجتماعية
الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني الاتحادي قال إن وجهة نظر رئيس الحكومة المكلف تتقاطع مع وجهة نظر اليسار في القضايا الاجتماعية

خلفت نتائج انتخابات 8 سبتمبر 2021، موجة ارتياح كبرى لدى فئات شعبية واسعة في المغرب، اكتوت بنيران السياسة اللاشعبية التي راكمها حزب العدالة والتنمية على رأس الحكومة منذ عقد كامل. ارتياح تم التعبير عنه بأشكال مختلفة، عكست بعضا منها مواقع التواصل الاجتماعي.

التحكم عن قرب

رد فعل جماهيري سيكولوجي طبيعي من المحكومين ضد من يحكمون، أضيفت إليه نقمة ترسبت ضد إسلاميين اكتشف أنهم "مزيفون"، يدخلون في زمرة من "يقولون ما لا يفعلون"، أو هم في الواقع "يفعلون ما يؤمرون به من خلف ستار"، إذ تلاحقهم تهمة الائتمار بتعليمات "حكومة الظل"، وهي هنا هيأة مستشاري الملك.

سبق أن أثير هذا "الائتمار" في المنابر والمنتديات، بل إن الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية نبيل بنعبد الله، وكان يشغل في سنة 2016 حقيبة وزارة السكن بحكومة عبد الإله بنكيران، أفصح عن رفضه لسياسة "التحكم"، حين نعت مستشارا بارزا للملك بأنه "تجسيد للتحكم". ما أدى إلى استياء القصر وصدور بلاغ عن الديوان الملكي، جاء فيه أن تصريحات بنعبد الله  تتسم بـ"الخطورة". و"تتنافى مع مقتضيات الدستور والقوانين التي تؤطر العلاقة بين المؤسسة الملكية وجميع المؤسسات والهيئات الوطنية بما فيها الأحزاب السياسية". 

كل هذا يمكن اعتباره أمرا طبيعيا في الحياة السياسية، لكن أن ينشغل اليسار كل هذا الوقت بالاحتفال بهزيمة "الإسلاميين" والشماتة في سقوطهم المريع، دون أن يجد الفرصة للالتفات إلى أطرافه وخلفه والتطلع إلى الأمام، لمساءلة الذات عما حصده الطيف اليساري في الانتخابات، إذ من دون ذلك سيتحول الأمر إلى حالة غير سوية تخالف العقل والمنطق.

احتراق الشمعة وضياع الرسالة

عندما نتكلم هنا عن أحزاب اليسار، يكون القصد منها الأحزاب الراديكالية، ممثلة في حزب النهج الديمقراطي، وقد عودنا على مقاطعته الدائمة للانتخابات. وأحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي الثلاثة، التي انشطر تحالفها عشية الانتخابات، لتطل على الناخبين برأسين، أحدهما احتفظ بالتسمية وبرمز "الرسالة"، والثاني عاد إلى رمزه الحزبي الأول "الشمعة".

وفي مراحل معينة من الحملة الانتخابية لم يتردد حلفاء البارحة في التنابز بالألقاب وتوزيع الاتهامات فيما بينهم. مناضلو حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي مع حزب المؤتمر الوطني الاتحادي المستمرين في التحالف، وقدموا لوائح مشتركة، رموا نبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد، بالانتهازية والتسلط، وأحيانا بالعمالة لجهات معادية للطموحات الشعبية، وبانتهاك مبادئ وأهداف التحالف ومطامحه النبيلة.

ومن جانبها ردت المعنية بغضب شديد على منتقديها، كونهم يستعجلون الاندماج من دون أن يتم بناؤه على أسس فكرية وتنظيمية متينة. وعابت عليهم استغلال اسمها في الحملة الانتخابية لرمز "الرسالة"، في إحالة إلى الشعبية التي راكمتها منيب في الواجهة الإعلامية بصفتها منسقة لتحالف اليسار الديمقراطي.

ولا يزال التراشق ساريا بين المكونات السابقة للفيدرالية المعطوبة، ورفعت من حدته تداعيات الإخفاق في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة.

كانت أعلى درجات طموح أحزاب "اليسار الراديكالي المشارك" في الانتخابات هو تحسين وضعها التمثيلي في المؤسسات، بالحصول على مقاعد إضافية، بدل اثنين في البرلمان السابق. وقد استدعي هذا استحضار قولة للزعيم الراحل عبد الرحيم بوعبيد، لما صرح بأن "المقاعد لا تهمنا"، تعبيرا حارقا عن سؤال صدقية اللعبة الانتخابية في عهد الحسن الثاني، وسياسة التزوير والقمع والتنكيل التي برع فيها وزيره القوي في الداخلية إدريس البصري خلال "سنوات الرصاص".

لقد كان عبد الرحيم بوعبيد يأمل في "أن يدخل المغرب غمار تجربة ديمقراطية تحميه من الهزات العنيفة، وإيجاد أجوبة عملية للخروج من المأزق". كما كتب القيادي ووزير الثقافة الاتحادي السابق محمد الأشعري، خصوصا وأن البلاد كانت بصدد معركة استرجاع الأقاليم الصحراوية.

فما الذي تغير اليوم في المشهد اليساري مع العهد الجديد؟ وما هي الخلاصات والاستنتاجات التي استخلصها اليسار من تجاربه السابقة؟
البيانات الصادرة عن أحزاب اليسار المشار إليها، رغم إدانتها الخروقات التي طبعت سير العملية الانتخابية، بتسجيل استعمال المال لشراء الأصوات، و"الحياد المشبوه للإدارة والسلطة". فقد أظهرت ما يشبه رضى أغلب هؤلاء الفرقاء الحزبين، لدرجة تصح فيهم الآية القرآنية: "كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ".

هكذا احتفلت نبيلة منيب بفوزها بالهتافات والزغاريد التي صدحت في أرجاء المقر الرئيسي للحزب في الدار البيضاء بزنقة أغادير، فرحا بمقعد برلماني عن اللائحة الجهوية بالدار البيضاء. رغم أنها الممثلة اليتيمة للحزب الاشتراكي الموحد في مجلس النواب. 

وبادر بيان صادر عن الهيئة التنفيذية لفيدرالية اليسار لتهنئة "كل المناضلات والمناضلين على المجهودات الجبارة التي قاموا بها خلال الحملة الانتخابية النظيفة التي جسدت قيم اليسار والروح الوحدوية بأفق إعادة بناء حركة اليسار".

هكذ تكلم اليسار بلغة الباطرونا!

وفي الوقت الذي اعتذرت نبيلة منيب عن اللقاء مع رئيس الحكومة المعين، في مشاوراته لتشكيل الحكومة المقبلة. سارع عبد السلام لعزيز، الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني الاتحادي، إلى الاستجابة بصفته منسقا وطنيا لتحالف فيدرالية اليسار الديمقراطي، والتقى مع عزيز أخنوش، ليخرج بعد اللقاء بتصريح تضمن موقفا بالغ الإثارة، يزعم أن رجل الأعمال الأول في البلاد، و"المتهم بمراكمة ثروته من الريع"، "تتقاطع وجهة نظره مع وجهة نظر اليسار في القضايا الاجتماعية".   

أغضب تصريح عبد السلام لعزيز أغلب أهل اليسار، منهم منفي سابق بفرنسا، هو اليساري محمد المحجوبي، الذي لم يخف استنكاره، مستعجبا من تبدل اللغة ولم يمض على الانتخابات إلا أيام، "ليحل الود والتوافق في وجهات النظر مع نفس الشخص الذي دفعت به الدولة العميقة لتصنع منه وزيرا أول؟".

وتساءل المتحدث: "أين هي المواقف المبدئية اليسارية من طبيعة الانتخابات المغشوشة، ومن "القاسم الانتخابي" الذي اعتبر من طرف تحالف الفيدرالية على أنه عملية "ريع سياسي". ثم أين هو تقييم "اليسار" بأن الحكومة لا تحكم، وموقف اليسار من عزيز آخنوش واعتباره واحدا من رجالات الدولة العميقة بامتياز".

ورأى آخرون أن تصريح عبد السلام لعزيز يدخل في باب "الاغتراف من سياسة ميكيافلية وانتهازية بحتة". وأكد سواهم أنه بمثل "أداء" عبد السلام لعزيز يفقد اليسار مكانته الاعتبارية في المجتمع، لينال غضب الشعب والنخب، بل إن اليسار أضحى "موضع شكوك" في مساهمته في تعطيل حركة شباب "20 فبراير" بترويضها، إذ فتحت مقرات الحزب الاشتراكي الموحد والكونفدرالية الديمقراطية للشغل أمام الحركة في عز الانتفاضة، لتنطلق عمليات استقطاب محموم وسط شباب الحركة من لدن أحزاب فيدرالية اليسار. وكانت النتيجة تلاشي الحراك المنبثق عن الربيع العربي.

بمجرد الإعلان عن النتائج الصادمة، أعلنت "حركة تصحيحية" عن نفسها داخل حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي. فيما ظهر تيار جديد في الحزب الاشتراكي الموحد. ولم يأت التيار، الذي سمي بـ"اليسار الجديد"، ولا من تزعموا الحركة التصحيحية بجديد. وكأنها مجرد محاولة للتنفيس ليس إلا، أو لامتصاص الوهم الذي تملك البعض بقدرة "اليسار المشارك" نيل ما يساعده على تشكيل فريق برلماني على الأقل. (يتطلب 20 نائبا).

فيما ساد صمت حزين في صفوف المؤتمر الوطني الاتحادي، الذي صدم أعضاؤه في اليوم الأخير من الحملة الانتخابية، برحيل الزعيم محمد نوبير الأموي مؤسس الحزب وقائد المركزية العمالية الديمقراطية للشغل، التي يعد منخرطوها النقابيون الأساس الصلب لقاعدة المؤتمر الاتحادي. 

الحزب الاشتراكي الملكي

لا تختلف أسباب انتكاسات اليسار المغربي في عمومها عما أصاب اليسار العربي والعالمي. منها ما يعود إلى ضراوة القمع ومصادرة الحق في الرأي وحرية التعبير، بشراسة استهدفت بالأساس تنظيمات اليسار واليساريين، وطالت أحيانا عائلاتهم وبعض المتعاطفين معهم. ما أنهك اليسار وأدى لتراجعه عن محاولات التغيير الحقيقي في المجتمع.

في السبعينيات اقتدى الحسن الثاني بسياسة الرئيس المصري أنور السادات، ملأ السجون بالمعارضين اليساريين ووضع المليشيات الإسلامية في مواجهتهم بالثانويات والجامعات، بل إن الإسلاميين نفذوا عمليات اعتداء بلغت حد اغتيال بعض اليساريين، مثل المحامي عمر بنجلون والطالب المعطي أيت الجيد.

في وقت من الأوقات عمل نظام الحسن الثاني على رفع شعار الاشتراكية، عندما أكد أنه مع "اشتراكية تغني الفقير ولا تفقر الغني". ثم أعطى مستشاره أحمد رضا اغديرة الضوء لصهره (حينها)، لمشروع "الحزب الاشتراكي الملكي"، بقيادة محامي الدولة محمد زيان. (هو نفسه صاحب "الحزب المغربي الحر" اليوم).

في مستهل الثمانينيات برعاية مباشرة من المستشار أحمد رضا اغديرة تأسس حزب الاتحاد الدستوري، ولمزيد من الخلط والتضليل، حضرت لفظة "الاتحاد"، مع لقب المعطي "بوعبيد"، الاتحادي السابق. للتشويش على حزب الاتحاد الاشتراكي وزعيمه البارز عبد الرحيم بوعبيد. ثم تبين لاحقا  أن الأنجع هو تدوير أطر اليسار وإعادة "رسكلتها"، وأمامنا اليوم نموذج الاتحاد الاشتراكي  بقيادة إدريس لشكر، رائد "خدام الدولة"، كما سمى نفسه عندما تم فضح استفادته مع زوجته من أراضي للدولة بسعر بخس، في تحقيق أنجزه الصحفي عمر الراضي، الموجود حاليا رهن الاعتقال بسجن عكاشة بالدار البيضاء.

ولمزيد من إتقان اللعبة، جرى في 2009، بإيعاز من النظام، إنشاء "حركة لكل الديمقراطيين"، بمساهمة يساريين بارزين ومعتقلين سياسيين سابقين، قبل تحويل الحركة إلى إطار سياسي باسم "حزب الأصالة والمعاصرة".

خطوات لاستعادة الأمل

بخلاف ردود الفعل المتشنجة، أو التي اختارت التعبير الغاضب عن موقفها في المجالس المغلقة، يمكن التعامل مع مبادرة اليساري محمد بولعيش ضمن ردود الفعل الواعية والمسؤولة، خصوصا أن المعني "عايش اليسار لما يفوق نصف قرن، ولا زال ملتصقا به قناعة وإيمانا وأملا"، و"رسالته المفتوحة إلى قيادات اليسار ومناضليه" (حوالي 4000 كلمة) تعد وثيقة سجالية لتحريك النقاش، أرادها مؤلف كتاب "السير على الأشواك" تعبيرا عن شعور بالمسؤولية "تجاه يسار نريده جامعا، وغيرة وخوفا عليه من الضياع والتيه ومزيد من التشرذم والانحراف، وتجاه مناضلين أعتبرهم مسؤولين أيضا عما حصل وما سيقع إن تركوا الحبل على الغارب". 

حاول بولعيش القيام بتوصيف موجز لواقع اليسار، وتشخيص أعطاب اليسار المزمنة، ذكر فيه عددا "من الأخطاء والانحرافات، والسلوكات الخارقة للقوانين والأخلاق اليسارية، والكيل بمكيالين حسب درجة القربى العصبوية، ومدى رضا القيادة أو غضبها على من سيطوله سوط العقاب... ولم نسمع ولم نشاهد إلا لماما وبأشكال محتشمة جدا من يحتج أو يرفض أو يستنكر أو يندد، أو يدين ويطالب بمحاسبة أو إقالة المارقين المخطئين المنحرفين، ضدا على ما ينبغي أن يتحلى به المناضل اليساري من جرأة وشجاعة ومبدئية وبعد نظر ودفاع عن الحق". ليخلص في الختام إلى اقتراح خطوات عملية باتجاه المعافاة وتجنب الانكسار المميت.

جيل الضباع والضياع

لقد تأثر جيل الستينيات والسبعينيات بالأجيال السابقة، خاصة بمن خاضوا معركة الاستقلال، وبانتفاضة "ماي 68" الطلابية بفرنسا، وبحرب الفيتنام، ونكسة 67. وتجاوب أكثر مع الثورة الفلسطينية والمقاومة في لبنان.

لكن الجيل الحالي بعد تعديل المناهج التعليمية وتحوير مادة الفلسفة، واشتداد الأزمات المعيشية للأسر المقهورة، يجد نفسه أعزلا، بلا وعي سياسي حقيقي، منقطعا عن تاريخه القريب ورموزه الديمقراطية والتقدمية، متأثرا بسلبيات ثورة المعلوميات وضغط الرقميات، مستهدفا بسياسات الإقصاء وبرامج التيئيس ومخططات الرعب والبطالة لتعميق تخلفه. والنتيجة جيل متذمر معادٍ لقيم العقلانية والأمل والإيمان بالتقدم والمشاركة. ألم يحذر الراحل محمد جسوس، (أحد الآباء المؤسسين لعلم الاجتماع المغربي المعاصر)، من هذا المآل عندما نبه إلى " إنهم يريدون خلق أجيال جديدة من الضباع".

فكيف بإمكان اليسار المغربي مخاطبة الجيل الحالي، والعمل على تخليص المجتمع من تناسل المزيد من الضباع والتضبيع؟

وكيف السبيل إلى توحيد البيت اليساري قبل تنظيفه أولا من الوصولية، وتجاوز حالة التشرذم والانقسام والاندثار والأفق المسدود؟

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.