"سيناريو طالبان"، فتح الباب رحباً لسيلٍ من التقديرات والتكهنات
"سيناريو طالبان"، فتح الباب رحباً لسيلٍ من التقديرات والتكهنات

ثلاث منظمات "سنيّة"، مصنفة على نطاق واسع بـ"الإرهابية"، باتت موضع تحليلات ورهانات من قبل الباحثين والإعلاميين والدبلوماسيين، بعد نجاح طالبان في استرداد سيطرتها على عموم أفغانستان، ودخولها قبل ذلك، في مفاوضات طويلة مع الولايات المتحدة، واتجاه المجتمع الدولي بمختلف مكوناته، للتعامل مع "سلطة الأمر الواقع" باعتبارها خياراً لا يمكن تلافيه...هنا نتحدث أساساً عن حركة حماس في فلسطين، وهيئة تحرير الشام في سوريا وحركة الشباب في الصومال، فيما الجدل يدور خافتاً حول ثلاث حركات "شيعية" كذلك: أنصار الله الحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان.

حين يدور الحديث عن هذه الحركات والمنظمات، يجري التوقف أمام قواسم مشتركة تجمعها، أولها، أنها ذات فعالية عسكرية وميدانية مؤثرة، تفوق في معظم الأحيان، ما لدى حكومات بلدانها من مقدرات، ولولا وجود "حواضن خارجية" لهذه الحكومات، لأمكن لها بسط سيطرتها التامة، تماماً مثلما فعلت طالبان في أفغانستان ما أن قررت واشنطن سحب قواتها وغطائها من هناك... حماس تسطير على قطاع غزة، ولولا الاحتلال الإسرائيلي لاجتاحت الضفة الغربية وأسقطت سلطة الرئيس محمود عباس... تنظيم الشباب يسيطر أجزاء من الصومال، ويحظى بتأييد قدرٍ لا بأس به من أهله وقبائله، ولولا الحضور الدولي والقوات الأفريقية لأمكن له فعل شيء مماثل... حزب الله أقوى من الدولة اللبنانية، ويُنسب للحشد الشعبي أنه منع سقوط بغداد تحت قبضة داعش وإسهامه النشط في تحرير المحافظات الغربية من قبضة التنظيم الإرهابي بعد انهيار الجيش العراقي، أما الحوثي فهو يسيطر على شمال اليمن ومعظم سكانه، ولولا التدخل الخليجي لما خرج من عدن، ولربما وصل إلى حضرموت واستقر فيها.

القاسم المشترك الثاني بين هذه الحركات، أنها جميعها، وإن بتفاوت، تحتفظ بأجندات محلية، وليست منغمسة كثيراً بـ"الجهاد العالمي"، ولولا مقتضيات التحالفات الإقليمية لبعضها، لما خرجت عن نطاقها الجغرافي "الوطني"، إذ حتى "النصرة" التي نشأت من رحم التنظيم العالمي للقاعدة، دخلت في مرحلة مديدة من التحولات، وباتت خصماً للتنظيم الأم، وتحولت إلى فصيل محلي بمرجعية سلفية – جهادية... حماس والحوثي والحشد الشعبي، تكاد تقتصر ميادين تحركها الميداني على حدودها الجغرافية، وكذا الحال بالنسبة للشباب في الصومال، الذي تشكل عملياته خارج نطاقه الجغرافي، الاستثناء الذي يكرس القاعدة.

أما القاسم المشترك الثالث، فيتعلق برغبتها في الوصول إلى السلطة في بلدانها، واستعدادها لتقديم "قدرٍ من التنازلات" للتكيف مع مندرجاتها، أي أنها، وإن بدأ بعضها كحركات جهادية ذات "أجندة كونية"، إلا أنها انتهت، أو بصدد أن تنتهي إلى "حركات وطنية" في أولوياتها ونطاق تحركها وأهدافها، تصارع السلطة في سبيل الوصول إليها... بهذا المعنى، تكاد هذه الحركات، تتوفر على ما توفرت عليه "طالبان"، بصرف النظر عن اختلاف مرجعياتها المذهبية أو درجة تطرفها واعتدالها.

من بين هذه الحركات الست، سبق للولايات المتحدة أن تعاملت مع اثنتين منها: الحشد الشعبي الذي تحوّل رسمياً إلى مكون من مكونات المنظومة الأمنية والدفاعية العراقية، حين وفرت له الطائرات والصواريخ الأميركية غطاء نارياً زمن المعارك الكبرى مع داعش في العراق ... وأنصار الله الحوثيين، الذين سارعت إدارة بايدن لرفع اسمه من قائمة ترامب السوداء للمنظمات الإرهابية، في واحدٍ من أولى القرارات التي صدرت عن الساكن الجديد للبيت الأبيض، وقبل أن تستقر الحركة مطولاً في تلك القائمة.

ومن بين هذه الحركات الست، ثمة اثنتين منهما كذلك، حماس وحزب الله، لا يعود القرار الفصل بشأن التعامل معهما للإدارة الأميركية "حصراً"، بل يمكن القول إن القرار بهذا الصدد يعود أساساً للحكومة الإسرائيلية بمستوييها الأمني والسياسي، ففي كل ما يتعلق بأمن إسرائيل وأولوياتها "الضاغطة"، تبدو واشنطن "منضبطة" لحسابات" نظرية الأمن الإسرائيلية" وفرضياتها، أكثر من أي شيء آخر، وليس متوقعاً أن تقدم واشنطن على أية خطوة – اختراق على خط التعامل مع هاتين الحركتين، قبل أن تكون مهدت الطريق لذلك مع إسرائيل.

"هيئة تحرير الشام" أو "النصرة" سابقاً، تخضع منذ سنوات لعميات تأهيل مكثفة، تقودها تركيا وقطر، وبتواطؤ غربي واضح ... "أبو محمد الجولاني" يظهر في الإعلام الأميركي خالعاً زي "المجاهدين الأفغان"، ومشذباً لحيته، ويجري مقابلات مع وسائل إعلام غربية، ويعرض خدماته، بوصفه جزءاً من الحل وليس جزءاً من المشكلة... التنظيمات الجهادية الأكثر تشدداً، تجد صعوبة في التواصل معه، والقاعدة تمنح اعترافها لتنظيم "حراس الدين" بوصفه ممثلها في بلاد الشام، و"الخُراسانيون" وحدهم، هم الهدف الجاذب لعمليات التصفية والاستهداف الأميركية... ومناطق خفض التصعيد، في الشمال الغربي، تتعايش فيها القوات التركية وعناصر "الهيئة" جنباً إلى جنب وكتفاً إلى كتف، ولا يخفى على أحد، أن التنظيم منذور للقيام بواحدة من المهام التالية، أو جميعها: (1) الاستمرار في استنزاف دمشق وحلفائها على مبعدة كيلومترات قلائل من قاعدة "حميميم"... (2) تحويل الوضع المؤقت في إدلب إلى وضع دائم تحت شعار "الإمارة الإسلامية" الشقيقة التوأم لإمارة أفغانستان الإسلامية... (3) الدخول في شراكة مع النظام وبقايا المعارضة، لتقاسم السلطة والثروة في إطار حل نهائي للمسألة السورية.

هذه العملية لم تكتمل شروطها بعد، وثمة عقبات كؤود تعترض طريقها، بيد أنها ليست مستحيلة، إلا بالقدر الذي ظننا، وظن غيرنا، أن فرص التفاوض والتسويات بين واشنطن وطالبان، مستحيلة كذلك... وأحسب أن ما حدث في كابل، وما يحدث فيها وحولها اليوم، يعطي دفعة إضافية للجهود الرامية لتأهيل "النصرة"، وتطويبها كقوة أمر واقع في سوريا، اقتفاءً لخطى طالبان ومفاوضات الدوحة.

ولكم كان لافتاً في حوار "جانبي" على هامش مؤتمر أشارك فيه في نابولي، حديث زميلة صومالية، عن الشباب، واستعداد الشعب الصومالي للعيش مع التنظيم المصنف إرهابياً، بل والنظر إليه بوصفه "مكوناً من مكوناته"، والأخطر حديث الزميلة عن "الأثر السلبي" الذي استحدثته الحرب الكونية على الشباب، والتصنيف الدولي له بوصفه منظمة إرهابية على مستقبل البلاد وأمنها واستقرارها، والإشارة إلى "الروابط" القبيلة مع التنظيم ذي المرجعية السلفية، في استعادة واضحة لحكاية "العشق القاتل" بين حركات السلفية – الجهادية والبنى القبلية والعشائرية للمجتمعات التي تنشط فيها.

لا تمانع إسرائيل في التعامل "واقعياً" مع حماس كسلطة أمر واقع في قطاع غزة، بل وقيام جنودها بتسليم "الكاش" القطري لمندوبي حماس المفوضين بالاستلام، على حاجز "إيريتز/ بيت حانون"، لكن التعامل "رسمياً" مع الحركة، يطرح سؤالاً حول "شرعية" وجودها في الضفة الغربية، وهو أمرٌ ترفضه إسرائيل وتخشاه، وتفضل عليها استمرار حالة الانقسام الجغرافي/السياسي/ الإيديولوجي بين شطري السلطة الفلسطينية، فليس أفضل من حالة كهذه لتسويغ وتسويق رفضها قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة.. مثل هذا الوضع قد يتغير مع تقدم إسرائيل في تنفيذ استراتيجية الضم الزاحف و"الأسرلة" للضفة والقدس، وقد يفتح ذلك باباً أمام الحركة لاقتفاء خطوات طالبان، فيما عمليات التكيّف والتأهيل، تسير على قدم وساق في الدوحة، تحفزها رغبة إسرائيل ومختلف الأطراف الإقليمية والدولية في تكريس "التهدئة" على جبهة القطاع، وتدعيمها بالمساعدات الإنسانية وعمليات إعادة الإعمار المشروطة والمتدرجة، القائمة على قاعدة كلما مضت حماس قدما في تأمين الأمن والاستقرار للجانب الإسرائيلي، كلما تلقت المزيد من "الهدايا" و"الحوافز" في المقابل.

ولا تمانع أوروبا ودول أخرى عديدة، في التمييز بين جناحي حزب الله السياسي والعسكري، فتتعامل مع الأول وتصنف الثاني إرهابياً... تلكم "إشارة دوران كامل U-Turn" على الطريق الطويل، المليء بالمطبات، في حال اقتضت الحاجة استحداث هذه الاستدارة، لكن مع التذكير بأن القول الفصل في أمرٍ كهذا، أنما يعود لإسرائيل وحكوماتها في المقام الأول.

"سيناريو طالبان"، فتح الباب رحباً لسيلٍ من التقديرات والتكهنات، والحركات الست المذكورة، هي الأكثر ترشيحاً للسير على هذا الطريق، وهي في مسعاها هذا، تجد أطرافاً إقليمية وأحياناً دولية داعمة ومساهمة بنشاط في عمليات "التأهيل وإعادة التأهيل"... حتى لكأن الحرب الكونية على الإرهاب بمجملها، قد دخلت مرحلة جديدة بعد مجيء إدارة بايدن وبالأخص بعد أحداث "مطار كابل"، أدواتها أكثر نعومة هذه المرة، وقد تميل للاحتواء بدل الاستئصال، وتركز عملياتها الحربية على المجموعات الأكثر خشونة ودموية من بين الفصائل الجهادية، وتنبذ استراتيجية "تغير الأنظمة" كما يتضح من "مبدأ بايدن" المصاغ في ضوء نتائج عقدين من الفشل والخسارة أعقبت أحدث الحادي عشر من سبتمبر، لكنها مع ذلك عملية طويلة ومعقدة، والأهم أن نتائجها غير مضمونة، وتداعياتها على الدول والمجتمعات الحاضنة لهذه المنظمات بالأخص، ليست محسوبة.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.