قوى السلطة توظف المال والنفوذ السياسي في الدعاية الانتخابية
قوى السلطة توظف المال والنفوذ السياسي في الدعاية الانتخابية

لم تكن فكرة قيام النظام البرلماني في البلدان الديمقراطية على أساس حكم الأغلبية نوعاً من الخيارات التفضيلية، وإنما هو مرتكز أساسي لترسيخ مبادئ تداول الحكم، لأنَّ الانقسام بين السلطة والمعارضة هو الذي يحكم عملية التنافس بين الفرقاء السياسيين، فمَن يقدّم لجمهوره منجزاً في الإدارة والحكم يستحق أن يبقى في السلطة، وعندما يفشل فَعليه أن يتقبل خسارة الحكم ويذهب باتجاه المعارضة ويعيد حساباته ويصحح أخطاءه، وإلّا فمصيره الاندثار. 

وإذا كان مفهوم الديمقراطية يعني أن تحكم الأغلبية البرلمانية باعتبارها حاملة تفويض الشعب، والذي يعني ببساطة أن يحكم الذي يربح الانتخابات وأن تقوم الأقلية المعارضة بمهام ووظيفة المراقبة والمحاسبة، فإنَّ الأمر ليس كذلك في تطبيق ديمقراطيتنا، إذ يتم الالتفاف عليه وإفراغه من مضمونه في التجربة العراقية، فيحكم بدلاً من ذلك الكل، الرابح والخاسر، ويشكلون الحكومات، مرةً بعنوان حكومة (الوحدة الوطنية)، وأخرى عنوانها حكومة (الشراكة الوطنية)، وأخيراً (حكومة مستقلين). 

وفي تجربة حكم العراق بعد 2003، أدركت الطبقة السياسية أن تطبيق النظام البرلماني بصورة صحيحة لا يتلاءم مع رغبتها بالبقاء في الحكم، لذلك هي رسخت تطبيق نظام برلماني هجين يقوم على الجمع بين ثنائية متناقضة: الجميع في الحكم والجميع في المعارضة. وبهذه الطريقة حققت الانسداد الانتخابي الذي يعبّر عن بقاء التنافس الانتخابي بين قوى سياسية تقليدية، حتّى وإن فشلت أو عجزت عن تقديم منجز سياسي أو اقتصادي لمجتمعها.

تقوم فكرة الانتخابات ومبدأ دوريتها لتحقيق غايات متعددة لا تنحصر فقط بمنح الشرعية للنظام السياسي، وإنما هي محاولة لضمان طريقة التعبير عن آراء الجمهور تجاه الحكومات التي غالباً ما تكون محكومة بالتغيير ولا تعتمد الثبات، وتراعي تغيير قناعات الأجيال إزاء الأحزاب والشخصيات والقوى السياسية. لكن هذه الغاية لا تتحقق إلا بالديمقراطيات الناضجة. 

أما في تجربة ديمقراطيتنا الهجينة والهشة، فالموضوع يختلف تماماً. فالانتخابات قد تساهم بتغير حسابات المقاعد الانتخابية بالزيادة أو النقصان لكل حزب. لكن المنظومة السياسية لا تتغير ولا تستجيب لتغير مزاج الجمهور السياسي والانتخابي؛ لأنَّ مَن يحكم ويتحكّم في هذه المنظومة ليس الأوزان الانتخابية وإنما الزعامات السياسية على اختلاف مصادر قوّتها ونفوذها، سواء أكانت سياسية أو دينية أو مالية، أو حتى بدعم خارجي. 

الطبقة السياسية التي تحكم العراق، تريد منا التعايش معها وفقاً لقاعدة: لا بديل عنها ولا منافس لها، وهي مَن يحتكر القرار في هذا النظام السياسي عن طريق الصفقات والتوافقات. وهي تعمل باحترافية عالية لتسخير موارد الدولة ومؤسساتها وإعلامها لتسقيط الخصوم وإحكام دائرة الانغلاق السياسي على كل من يريد المنافسة معها في المجال السياسي. 

وبعد أن كان يحكمنا لسنوات دكتاتور واحد، يختزل الدولة بشخصه ومزاجيته. وكان غالباً ما يردد عبارة (أنا وبديلي الفوضى). نظامنا الحالي الذي يحمل عنوان (الديمقراطية) يخضع لمزاجيات زعامات سياسية لو ثنيت لها الوسادة لما اختلف سلوكها عن حكم الدكتاتوريات، وهي تعيد اليوم نفس مقولة الدكتاتوريات بشأن بديلهم هو الفوضى.

ولذلك نظامنا السياسي الحالي هو نظام حكم الدكتاتوريات المتعددة، ولكنّها تتحكَّم بنا بعنوان الديمقراطية وتدعي بأن شرعيتها في السلطة والنفوذ تأتي عن طريق الانتخابات.

هذه الزعامات تختلف فيما بينها وتتصارع ويُخوّن بعضها الآخر، وتسعى إلى تسقيط بعضها البعض، لكنها على الرغم من ذلك لا يمكن أن نتوقع منها أن تختلف عندما يكون الموضوع تقاسم السلطة ومغانمها، وتتوحد عندما تشعر أن سلطتها ونفوذها تواجه تحدياً من قبل قوى سياسية جديدة صاعدة وتسعى بكل ما أوتيت من قوة لتدميرها، حتّى وإن كان الوسيلة إراقة الدماء. 

تراهن القوى السياسية على عدم وجود منافس لها في الساحة السياسية بعد احتجاجات تشرين، فأغلب القوى التي تحاول المنافسة في انتخابات أكتوبر القادمة هي إما تكون حركات ظلّ أو واجهات جديدة للقوى السياسية التقليدية؛ أما الحركات والأحزاب السياسية الجديدة التي تحمل عنوان احتجاجات تشرين فهي الحلقة الأضعف المنافسة الانتخابية القادمة، لسببين: الأول، تشتتها وعدم اتفاقها على توحيد المواقف. والثاني، عدم قدرتها على التنافس في الدعاية والتحشيد مع قوى السلطة التي توظّف المال والنفوذ السياسي في الدعاية الانتخابية. 

ومطالبة القوى السياسية التقليدية المتنافسة في الانتخابات ببرنامج سياسي واضح الملامح يحدد رؤيتهم لإدارة الدولة في الفترة القادمة، وهو نوع من الترف السياسي. فهذه القوى لا تتنافس على كسب أصوات المترددين الذين يشكلون عامل الحسم في تحديد نتائج الانتخابات، وإنما هي تعتمد أصوات زبائنها وقطاعاتها الانتخابية التي ترتبط بروابط مصلحية معها، والتي رسخت هذا الارتباط المصلحي من خلال تغلغلها في مؤسسات الدولة ووسعت دائرة زبائنها السياسيين. 

وبما أن الانتخابات القادمة محكومة مسبقاً باستحالة انبثاق كتلة سياسية قادرة على تحقيق الأغلبية في الانتخابات أو الاقتراب من نسبتها، فستبقى أمام خيار التعايش مع اللابديل الذي تحوَّل إلى واقع يحكم النظام السياسي في العراق. أو نبقى بانتظار معجزة الانقلاب البنيوي على منظومة تقاسم السلطة والنفوذ، والذي يمكن أن يتحقق بتشكيل تحالف سياسي بعد الانتخابات يكون هدفه تشكيل حكومة على أساس الأغلبية السياسية. عدا ذلك فإن الانتخابات لا يمكن أن تصحح مسار النظام السياسي ولا تجد حلاً للانسداد الديمقراطي.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.