ما إن أعلن الأسبوع الفائت عن تشكيل الحكومة اللبنانية بعد طول عسر وتأجيل، اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي موجة من ردود الفعل المتحمّسة والمرحبّة بها بشكل كبير ومختلف. ليس لاعتبارات تخصها، أو تفاؤل مفرط بمقدرتها على اجتراع الحلول الإنقاذية السحرية. بل تهليلاً بجمال المحيّا الذي أظهرته الصور المتداولة لوزيري الاقتصاد والطاقة في القائمة الوزارية المعلنة، ومنحتاها بوسامتهما الملفتة التي شابهت وسامة نجوم السينما، صبغة حكومة "مهضومة".
ردود الفعل التي عبّرت في معظمها عن أصوات نسائية بشكل خاص، فاضت بالكثير من مشاعر الأنوثة والظرافة والطرافة والمفارقة. انطلقت شرارتها من لبنان أولاً، وسرعان ما انتشرت بين نساء وفتيات عربيات خفقت قلوبهن بالمثل، وحسدن اللبنانيات على وزيريهما، وقمن بمقارنتهما ببعض وزرائهن المتجهّمين، وأجمعن جميعاً على فتنة الشباب الآسر، بل تغزلن بهما علناً وصراحة على مبدأ "القلب يعشق كلّ جميل".
الملفت في رصد معظم الأخبار التي تعلقت بموجة تسونامي الاعجاب هذه، أنها أجمعت على أن اللبنانيين تناسوا أزماتهم في ظل طغيان الوسامة. وفي واقع الأمر، ربما بالغت هذه التقديرات خدمة لمزيد من الإثارة المتعلقة بالخبر. إذ لا يمكن لشعب يعيش مثل هذه الضغوط أن ينساها أو يتناساها بين ليلة وضحاها. وما حدث، وإن جاء بشكل مزاح لا يخلو من جدية، يشفّ في عمقه عن حقيقة تتعلق بسيكولوجية شعب تميز بعشقه للجمال والحرص على استمرار بهائه، كواحدة من الثوابت التي تبدو وكأنها تسري في دمه بالجينات.
إذ لا يسهو الفرد اللبناني، مهما تبدلت أحوال الزمن عليه وأياً يكن وضعه المعيشي، عن الظهور بمظهر لائق تماشياً مع ميل اجتماعي عام وعريق، تميز بالسخاء المادي على الذات وعلى كل ما يحيط بها. ورغم شح المال وضيق العيش السائد في مثل هذه الأوقات العسيرة، إلا أن الزائر للبلد سيلاحظ استمرار مستوى مقبول نسبياً للذوق العام، والحفاظ على شيء من الأناقة في المظهر، وإن بتكاليف زهيدة للغاية يمكن تقديرها دون عناء.
صديقتي التي فقدت أكثر من نصف راتبها، تخبرني عن ارتفاع تكاليف مواد التجميل كواحدة من الهموم المضافة بالنسبة لأساسياتها في الحياة، مع إبداء نزقها لعدم تمكنها -مثل معظم النساء- من الذهاب إلى مصفف الشعر بسبب عدم توفر الكهرباء. ومع ذلك، لا تخلو الحياة من البدائل السحرية، مثل ورق البصل الأحمر أو قشر الباذنجان الأسود الممزوج ببعض الحناء لصباغة الشعر، فالمهم أن يبدو مقنعاً ولائقاً، تضيف وهي تبتسم: "سنقاوم.. مارح نسمحلهم يشرشحونا".
جواب السيدة الذي عبر بعمق عن الشريحة الأكبر من اللبنانيين، يشير بالتأكيد إلى مفهوم المقاومة النفسية الذي تمنحه سطوة الجمال لتفادي تغول القباحة. الجمال كمفهوم عام، نجح هذا الشعب لعقود أن يكون أحد صنّاعه ومصدريه، واجتهد أبناؤه بإخلاص كي يليقوا بسحر بيئتهم والتماهي معها، عبر تزيين الذات بكل أنيق وجديد، كتفصيل أساسي ضمن حزمة متكاملة معتنى بها، تتصل بتجميل البيت والشارع، والمأكل والمشرب، والفنون والإعلام، والثقافة والنشر وغيرها.
لا حاجة للتوضيح هنا أن الاعجاب الذي حظي به الوزيران –كمثالين- لا يعني سطحية الرؤية التي تعول على المظهر الخارجي. بل هي مطالبة طبيعية من الجمهور بأهمية تكامل الظاهر بجمال الأداء. وهو امتحان صعب ومزدوج يقع فيه جميع أصحاب الجمال أياً تكن قيمتهم الفنية أو السياسية أو الاجتماعية، إذ سرعان ما يخسر واحدهم شعبيته ويتلاشى أثر جماله، حال اكتشاف سلبيات فاقعة أو فجاجة مفرطة في أدائه وسلوكياته، تتخفى بمهارة خلف طلعته البهية أو ابتسامته الساحرة أو رمش عينه الكحيل.
في جوهر الحكاية، فإن كل ما تقدم عن الجمال ومعانيه، يبتدئ في الأصول اللبنانية وينتهي، كأنموذج يستحضر هنا لواحد من البلدان القليلة التي تتمتع بهذه الخاصية، استناداً إلى أساس راسخ يتعلق بهوى العلم والتعلم. وهو القاعدة التي هذبت النفوس، واجتهدت لتحريرها وتغذيتها بالموارد العلمية والفكرية بسخاء، حتى غدت مهيأة لتلقف الجمال وتصنيعه. وما يطلبه معجبو الوزيرين، يصب في هذا المجرى تحديداً، وإثبات أن علميهما يتبنى هذه القاعدة، وسيسعى لإعادة بعض الجمال للمشهد اللبناني المهدد بالبشاعة.
يفسر علم النفس مشاعر البهجة التي تتولد من رؤية الجمال المتعلق بالأفراد أو تفاصيل الحياة، بأن الدماغ يعتبر هذا الجمال مكافأة له، فيصاب بالسرور ويصدر أوامره للجسد لإفراز هرمون السعادة. وما ردود الفعل التي انتشرت إلا دليل مضاف على نبض الشارع وعافيته، وتشبثه بحصانته الجمالية، واستمرار تدفق شريان الشغف، والتوق إلى إعادة تصفية العين وطمأنة الروح، ولو بمكافآت حلوة وصغيرة وعابرة.

