الأيزيديات.. إرث مؤلم
الأيزيديات.. إرث مؤلم

لأغراض تتعلق بالعمل البحثي، التقى كاتب هذه السطور خلال الشهور الماضية بالعشرات من الفتيات والسيدات الأيزيديات/الكرديات العراقيات، من اللواتي استطعن التحرر من أسر تنظيم داعش الإرهابي، إذ أصدر البرلمان العراقي قانوناً خاصاً لتعويضهن وإعادتهن إلى دورة الحياة، المُسمى بـ "قانون الناجيات الأيزيديات".

كانت تلك اللقاءات البحثية بغرض محاولة معرفة ما تغير في الحياة اليومية والموضوعية المباشرة لهذه الفئة الاجتماعية خلال هذه الفترة، بعد صدور القانون.

بثقة تامة، يُمكن القول إن الأغلبية المُطلقة منهن لا تزلن محملات بإرث وجداني وحياتي شديد الوحشية، يحاصر حياتهن الجديدة من كُل حدب. أساس ذلك عدم الشعور بالأمان والطمأنينة، من كامل البيئة الاجتماعية والسياسية والقانونية المحيطة بهن راهناً، وحتى بعد شهور من إصدار هذا القانون، المفترض أنه حمائي الطابع.

ثمة إحساس دفين يتملكهن، يقول إن كُل شيء يُمكن أن يُستعاد من جديد، وإن ما أدى بهن إلى تلك المذبحة لا يزال حياً وفاعلاً وساعياً لتكرار فعلته، ولو بألوانٍ وصورٍ أخرى.

في تفاصيل القانون، الذي أصدره البرلمان العراقي لأجلهن، يُمكن للباحث أن يجد كُل شيء تعتقد سلطات ومؤسسات أي دولة عادية أنها مهامها الطبيعية الواجبة تجاه الآلاف من المغبونات من بناتها. إذ يحوي القانون تعهدات بالتعويضات المالية وتأمين السكن وملاحقة الفاعلين ومحاكمتهم وعدم العفو عنهم، إلى جانب البحث عن آلاف الباقيات منهن في قبضة التنظيم الإرهابي.

لكن كل ذلك يبدو بالنسبة للـ"الناجيات" كأنه لا شيء.

ففي أعماقهن، وبأدوات تعبير شديدة القسوة والتركيب والخصوصية، يعبرن لك من يلتقي بهن عن عدم ثقتهن بكل أشكال ومحاولات التعويض تلك، مُذكراتٍ إنه ثمة ما هو أكثر جوهرية وحقيقة وفاعلية بالنسبة لمسألة الأيزيديات، تغاضت عنه الدولة والمؤسسات والسلطة والنخبة والقوى السياسية العراقية، ولا تزال هذه الدولة، بكل أدوتها تلك، مصرة على طمره وتجاوزه، وكأنه لم يكن يوماً فاعلاً ومنتجاً لهذه المأساة.

ذلك الشيء هو المنبت الذي انبلجت عنه مأساة هؤلاء الأيزيديات: المكون من ذلك المزيج المريع من طبقات رجال الدين ومروياتهم العمومية الخرافية والتكفيرية، المعلنة والمستترة، حول الديانة الأيزيدية ومُعتنقيها. ومعهم فوقية الجماعات الأهلية الأخرى المحيطين بهم جغرافياً، تلك الفوقية المستمدة من تراث وتاريخ عميق وطويل لتهميش الأيزيديين وإخراجهم من كل فاعلية اقتصادية وسياسية وثقافية.

وفوق ذلك ثمة الدور العظيم الذي لعبته الصراعات السياسية الكُبرى حول تلك منطقة الأيزيدية خلال تلك السنوات، حيث ثمة شكوك كُبرى حول دور الجيش العراقي وقائده العام وقتئذ للانسحاب المفاجئ من تلك المنطقة، وتركها كلقمة لوحوش التنظيم الإرهابي. وطبعاً ثمة أفعال المناهج التربوية والقوانين القضائية والمنتجات "المعرفية" والإعلامية التي أفرزها العراق حول هذه الجماعية الدينية الأهلية الريفية البعيدة خلال عقود طويلة مضت، منذ تأسيس الدولة العراقية.

كل تلك الأشياء، صنعت بالتعاضد والشراكة والتكامل، هامشية وهشاشة استثنائية لأبناء هذه الجماعة العراقية، بالذات لنسائهن، اللواتي يُعتبرن محصلة نهائية لكل ما هو هين في العراق: أناث ريفيات وكرديات ومن ديانة مختلفة أغلبيتهن أميات وليس لهن حضور في سوق العمل، يعشن في دولة أنتجت طوال قرن كامل عنفاً مناهضاً لكل تفصيل مما في ذلك.

كل ذلك لا تريد الدولة العراقية أن تعترف به، أو أن تناقشه على الأقل.

بمعنى ما، فإن هذه الدولة العراقية، وبكل أدواتها تلك، تُريد نوعاً من المساومة مع الناجيات/الضحايا وذويهم، تُعطيهم بعض الأموال والتعويضات، لتجترح منهم ببراءة ذلك المنبت الجوهراني من كل ذلك الإرث المريع.

بالضبط كما كُل التنظيمات والتشكيلات الراديكالية، فإن الدولة العراقية شديدة الحرص والانتباه للحفاظ على الجذر والعلاقات الأولية التي تأسست عليها، كدولة ومؤسسات وكيان لجماعة قومية وطائفية مركزية، مقابل أخرى مهمشة. مملوكة لأمراء المُدن الحاكمة للأرياف القصية المحكومة. الخاضعة لسلطة الأقوياء الحاكمين، والمستبعدة تماماً لبحر المحكومين.

هذا الجذر هو ما أنتج المأساة الأيزيدية المعاصرة، وقبلها أنتج كُل الفاعلين المرئيين الذين ساهموا بها، رجال دين ينشرون الكراهية والدعوة للعنف والتكفير على المنابر وبرعاية وزارات الدولة، مناهج تعليمية تفعل ذلك بشكل منظم، شبان يافعون جاهزون للانخراط في أي عصابة عدوانية، وقابلية اجتماعية ذكورية لتعنيف واعتبار المرأة مجرد فريسة، وجيش يبدو شديد العدوانية ودائم الهزيمة في مهامه الحقيقة، نُخب سياسية فظيعة الانقطاع عن مجتمعاتها، تتخلى عنهم لأكثر كائنات الأرض وحشية، وفيض من الخطابات "الوطنجية" الرنانة، التي تُكفر كُل من يخرط عن سياجها.

لا تشعر الأيزيديات بالأمان، ولا بالامتنان لمثل ذلك القانون، يعرفن بغريزتهن الأكثر براءة وصدقاً أن الجريمة والمجرمين هُم فقط في مرحلة استراحة المحارب.

أحد المدراء التربويين، بينما كان كاتب هذه السطور يشرح له هذه التفاصيل، علق بجملة كثيفة التعبير "لكن ذلك لو حدث ما هو مطلوب، لربما يؤدي ذلك إلى تفكيك الدولة العراقية".

بالضبط هذا هو جوهر الموضوع، الدولة العراقية ومُلاكها، يعتبرون كيانية الدولة وأساطيرها وأوهامها عن نفسها ومجدها وصورتها المزركشة ووحدة ترابها، أكبر وأسمى من أي شيء آخر، حتى من "الحق في الحياة"، الذي كانت تملكه هؤلاء الأيزيديات المسكينات يوماً ما.

 

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.