غواصة فرنسية
غواصة فرنسية

تدهورت العلاقات الأميركية-الفرنسية فجأة إلى مستويات غير معهودة عقب الإعلان الأميركي-الأسترالي-البريطاني يوم الأربعاء عن صفقة غواصات أميركية تسيرها الطاقة النووية إلى أستراليا لتعزيز دفاعاتها وقدراتها البحرية في مواجهة البحرية الصينية، وذلك بعد ساعات من إلغاء أستراليا لصفقة توصلت إليها قبل سنوات مع فرنسا لشراء 12 غواصة تستخدم طاقة المازوت بقيمة 66 مليار دولار.

ووصف بعض المحللين هذه الأزمة بين واشنطن وباريس بأنها الأسوأ منذ قرار الرئيس جورج بوش الابن غزو العراق في 2003، بينما رأى آخرون أنها الأخطر منذ أزمة قناة السويس في 1956، حين عارضت واشنطن الهجوم الثلاثي الفرنسي-البريطاني-الإسرائيلي ضد مصر.

الرد الفرنسي جاء سريعا وغاضبا، حيث استخدم المسؤولون الفرنسيون عبارات مثل "طعنة في الظهر" أو "خيانة حليف" أو قرار "مجحف" وغير مبرر في وصفهم للاتفاق الأميركي –الأسترالي.

وسارع الرئيس إيمانويل ماكرون إلى استدعاء سفيريه لدى واشنطن وكانبيرا للتشاور حول الخطوات المقبلة. ليس من الواضح في هذا الوقت المبكر معرفة أبعاد ومضاعفات هذه الأزمة بين واشنطن وباريس، وما إذا كانت أضرارها بعيدة المدى، أم أنها ستتبخر بسرعة نسبية كما حدث بعد غزو العراق.

ولكن الصدمة التي تلقتها فرنسا، وخاصة بعد أن كشفت التقارير الصحفية إلى أي مدى سعت الدول الثلاثة المعنية بالصفقة وبما يمكن اعتباره تحالفا وثيقا بين واشنطن ولندن وكانبيرا لاحتواء الصين، إلى إبقاء اتصالاتها سرية، تؤكد بشكل لا لبس فيه أن سياسة الاستدارة إلى آسيا أصبحت واقعا استراتيجيا جديدا.

وخلال الأيام التي أعقبت المفاجأة الاستراتيجية بدت الصفقة الأميركية-الأسترالية كأنها تسونامي وصلت أمواجه العاتية إلى معظم شواطئ الدول الواقعة حول حوض المحيط الهادئ.

عسكريا، الغواصات الأميركية متطورة أكثر من الغواصات الفرنسية واستخدامها للطاقة النووية يجعلها أسرع وأكثر هدوء ما يعني صعوبة اكتشافها ورصدها من قبل البحرية الصينية، كما أن الطاقة النووية تجعلها قادرة على البقاء في أعماق المحيطات لأشهر وليس فقط لأسابيع كما هو الحال في الغواصات التي تستخدم المازوت.

سياسيا، الصفقة تعني أن أستراليا اتخذت قرارا استراتيجيا لأن تصبح عضوا فعالا في تحالف دولي تقوده واشنطن لاحتواء الصين.

بدأت الولايات المتحدة خلال إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما ما عرف بسياسة التحول أو الاستدارة إلى آسيا، أي إلى المنطقة الأهم لمستقبل الولايات المتحدة اقتصاديا واستراتيجيا، التي اصبحت أيضا في السنوات والعقود الاخيرة مع الصعود الاقتصادي والاستراتيجي للصين مصدر التهديد المتنامي لمكانة أميركا في العالم.

هذا التوجه الاستراتيجي الجديد يعني تخصيص موارد اقتصادية وعسكرية جديدة واهتمام سياسي إضافي لمنطقة جغرافية واسعة تشمل دولا عديدة تقع على ضفاف المحيطين الهادئ والهندي.

هذه الاستدارة تفترض أيضا تقليص الموارد وحتى الاهتمام السياسي بالمناطق الجغرافية التي استحوذت على اهتمام وطاقات الولايات المتحدة منذ قرن تقريبا، وتحديدا القارة الأوروبية، والشرق الأوسط.

بعد الحرب العالمية الثانية بنت الولايات المتحدة نظاما أمنيا واقتصاديا جديدا في أوروبا الغربية جمعها مع هذه الدول وكندا في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وأدى إلى تعاون اقتصادي غير مسبوق، وإلى اعتماد سياسة احتواء فعّال للاتحاد السوفياتي ساهمت في انهياره وتفككه خلال أقل من خمسين سنة.

الاهتمام الأميركي بنفط الشرق الأوسط بدأ قبل الحرب العالمية الثانية، ولكن بعد الحرب أصبح للولايات المتحدة وجود عسكري دائم في المنطقة لدعم حلفائها وضمان تدفق النفط ولردع أي محاولات من خارج أو داخل المنطقة لعرقلة أو وقف إنتاج ونقل النفط والغاز من منطقة أصبحت بعد الحرب محورية لازدهار واستقرار الاقتصاد العالمي.

نفط منطقة الخليج لا يزال مهما للاقتصاد العالمي، لكنه فقد بعض أهميته مع ازدياد إنتاج النفط في مناطق أخرى من العالم، وبعد أن تحولت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة إلى أكبر منتج للنفط والغاز في العالم.

الاستدارة إلى آسيا ساهمت في قرار الرئيس أوباما بالانسحاب من العراق، (قبل أن يرغمه تنظيم داعش على العودة إلى العراق عسكريا) وعدم تدخله عسكريا في سوريا ضد نظام الأسد، وتفسر أيضا رغبته بالانسحاب من أفغانستان، وهو هدف لم ينجح في تحقيقه.

الرئيس السابق ترامب توصل إلى اتفاق أولي مع حركة طالبان للانسحاب من أفغانستان، وقرر سحب القوات الأميركية الخاصة من الصومال وكان يرغب بسحب القوات من العراق وسوريا لو لم يواجه معارضة قوية من وزارة الدفاع. الرئيس بايدن وسلفه ترامب يختلفان حول معظم القضايا الداخلية والخارجية، لكنهما يلتقيان على اعتبار الصين الخطر العالمي الذي يتطلب اهتماما أميركيا مماثلا للاهتمام الذي أبدته الحكومات الأميركية المتعاقبة بردع الخطر السوفياتي خلال الحرب الباردة.

أن تجازف إدارة الرئيس بايدن، وهو الذي دعا خلال حملته الانتخابية، ومنذ وصوله إلى البيت الأبيض إلى تحسين وتعزيز العلاقات الأميركية-الأوروبية، بتأزيم العلاقات مع فرنسا، وهي أقدم حليف لأميركا، من أجل تعزيز سياسة الاستدارة إلى آسيا وتقوية إجراءات احتواء الصين، فهذا يؤكد بشكل واضح، وحتى نافر، إلى أي مدى أصبح ردع الصين هاجسا أميركيا.

معظم العقوبات الاقتصادية التي فرضها ترامب، أبقاها بايدن، لا بل زاد عليها عقوبات طالت شخصيات صينية مسؤولة عن قمع واضطهاد المسلمين الصينيين.

الخلافات بين البلدين تغطي طيفا واسعا يشمل قضايا سياسية مثل الخلاف القوي حول مستقبل تايوان، وانتهاك حقوق الإنسان داخل الصين وفي هونغ كونغ، والعدوانية الصينية التي تطال جزر وأراض متنازع عليها مع حلفاء واشنطن في المنطقة واستخدام الأساطيل الصينية لترهيب هؤلاء الحلفاء، إضافة إلى الخلافات حول الملكية الفكرية وسرقة التقنيات الأميركية والتنافس التقني بين الدولتين، والاختراقات الإلكترونية الصينية للشركات الأميركية.

التنافس بين أول وثاني اقتصاد في العالم مرشح للتفاقم أكثر، لأن الصين تريد أن يصبح اقتصادها الاقتصاد الأول في العالم خلال العقدين المقبلين.

ولا تخف إدارة بايدن رغبتها بالتصدي التقني للصين من خلال حرمانها من الوصول إلى التقنيات الأميركية الجديدة، وإقناع حلفاء واشنطن بعدم استخدام تقنيات صينية متطورة، كما أن بايدن يريد أن يتزامن هذا التصدي التقني والاقتصادي للصين، مع ردع استراتيجي يشمل ائتلافا دوليا من دول محورية حول حوضي المحيطين الهادئ والهندي.

وفي الرابع والعشرين من الشهر الجاري سوف يلتقي في واشنطن وجها لوجه قادة اليابان والهند وأستراليا مع الرئيس بايدن، لتنسيق جهودهم في هذا المضمار.

صفقة الغواصات الأميركية لأستراليا جاءت بعد أن اعربت فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية عن استيائها لأن قرار الرئيس بايدن بسحب القوات العسكرية من أفغانستان كان مفاجئا ولم تسبقه مشاورات عسكرية وسياسية مع الحلفاء الذين نشروا قواتهم في أفغانستان منذ 2001.

الصفقة، والسرية التي أحاطت بها، دفعت بالكثير من المسؤولين الأوروبيين في حلف الناتو وبالمعلقين الأوروبيين للتساؤل حول مستقبل التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وأوروبا.

البعض، أحيا من جديد دعوة فرنسا إلى انشاء قوة عسكرية أوروبية مستقلة عن الولايات المتحدة. آخرون قالوا إن دعوة الرئيس ماكرون التي أعلن عنها قبل الصفقة الأميركية-الأسترالية بضرورة اعتماد أوروبا "استراتيجية مستقلة" في التعامل مع الصين، تكون مختلفة عن سياسة أميركا وأقل تصلبا من الاستراتيجية الأميركية، أي أن تتعاون أوروبا مع الصين في مجال مكافحة التغيير البيئي وفي التجارة، ولكن في الوقت ذاته عدم التردد في انتقاد انتهاكات الصين لحقوق الإنسان.

مثل هذه السياسة الأوروبية المستقلة تجاه الصين، لن تنجح دون دعم ألماني، وهو دعم قد لا يتحقق لأن ألمانيا تدرك أن إدارة الرئيس بايدن حين رفضت إبقاء العقوبات ضد خط أنابيب النفط الروسي الذي التف على الأراضي الأوكرانية والبولندية قد أغضبت هاتين الدولتين لإرضاء ألمانيا، ولذلك فإنها سوف تتردد في السير وراء فرنسا في سياستها تجاه الصين.

الأهمية السياسية والاستراتيجية للصفقة الأميركية-الأسترالية تفوق كثيرا أهميتها العسكرية، لأنها تؤكد أن منطقة شرق آسيا هي الآن المسرح الذي سيشهد المواجهة المتعددة الجوانب بين الولايات المتحدة والصين خلال العقود القليلة المقبلة التي يمكن أن تجعل مياه المحيط الهادئ أكثر اضطرابا.

هذه المواجهة – مثلها مثل المواجهة بين دول حلف الناتو وحلف وارسو حلال الحرب الباردة - سوف ترغم دول العالم، وخاصة الدول التي تملك موارد عسكرية واقتصادية هامة على الاختيار الصعب بين العملاقين المتمددين على جانبي المحيط الهادئ.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.