يتمزّق العالم العربي، والحيّز المشرقي منه على وجه الخصوص، بفعل الانقسامات المجتمعية الطائفية، الدينية/ المذهبية والإثنية/ العرقية الضاربة في عمق التاريخ. أعراق هذا العالم العربي وأديانه ومذاهبه هي من حقائقه الصلبة الماثلة للعيان منذ ما قبل الإسلام، ومع العرب والإسلام.
إنها جزء أصيل، وربما ـ في بعض الحالات ـ هي الأصل، فلم تكن هِبةَ الاستعمار ولا مكيدته، كما لم تكن طارئا ناشزا على وحدانية دينية وعرقية موروثة سابقة على واقعة الافتراق.
هذا يعني أنها ـ من حيث المبدأ ـ انقسامات مشروعة ومستحقة، وكل طرف من أطراف هذا الانقسام يملك "المشروعية الكاملة" في الوجود ابتداء، ومن ثَمَّ في الحقوق المساواتية ـ أو التي يجب أن تتساوى ـ بين جميع الأطراف/ الأديان/ المذاهب/ الأعراق.
التنوع والاختلاف الديني والمذهبي والعرقي قَدَر المشرق العربي، كما هو واقعه الذي لا يُمكن تجاهله. وسواء كان هذا التنوع العرقي والديني والمذهبي ـ وِفْقَ تصوّرٍ ما ـ إيجابيا: مصدرَ ثراء، ومشروعَ انفتاح، ومسارَ تواصل أممي عابر للحدود، أو كان ـ وفقَ تصوّرٍ آخر ـ سلبيا: مصدرَ انقسام، وحالةَ تشرذم، ومِسعرَ صراع، ونذيرَ حروب أهلية، فإنه هو الواقع الذي يجب التعامل معه كما هو. ويبقى أن "طريقة التعامل" مع هذا الواقع، الطريقة التي يُحَدّدها أفق التصور، هي التي تحدّد: هل هذا الواقع واقع إيجابي أم واقع سلبي. أقصد أن الإنسان الآن، إنسان المشرق العربي في راهنيته ـ من حيث هو أداة الوعي ومصدر الفعل وموضوع الانفعال ـ بيده تحديد مسار الأحداث في هذا الواقع.
لا شك أن السياسة تستثمر في هذا الواقع. الطائفية من حيث هي واقعة اجتماعية ذات قدرة على الحشد والتجييش وصناعة الولاءات، وبالتالي التحكّم بمعادلات القوة في الواقع، تغري السياسي، وتدفعه للاستثمار فيها، إن لم يكن استراتيجيا؛ فعلى المستوى التكتيكي.
لكن، لا يعني هذا أن مقولات الطائفية العقائدية، ولا حدودها العرقية، هي التي تدفع الأحداث، وتصوغ الولاءات في سياق هذا الاستثمار، خاصة أتباع الطوائف الكبرى التي تتوزع ولاءاتهم على المحدد القطري لأوطانهم، أو المحدد الوظيفي لِمِهَنهم، أو المحدد الفكري لتصوراتهم الثقافية والأدبية التي قد تجعل ـ مثلا ـ الحداثي المغربي أو الجزائري يًؤثِّل لوشائج فكرية ومجتمعية مع الحداثي العراقي أو السوري، في مقابل التقليدي المغربي على مسار جدلية الأفكار. وكذلك الأمر يتكرر بين العلماني والإسلاموي. لكن، هذا لا يعني أن التواصل والتعاضد الفكري والمجتمعي العابر للأقطار يتجاوز الأوطان ـ كحقائق موضوعية ـ بالقفز عليها. فالوطن يبقى وحدة الانتماء الأصيلة، والمرجعية الواقعية الصلبة، والقاعدة التي ينطلق منها الجميع في فضاء التنوع الهُويّاتي.
قد ترتفع حدة الانتماء الطائفي: الديني أو العرقي، حتى لتبدو وكأنها تتعمّد تجاوز الأوطان. لكن، هذا لا يحدث إلا في الأزمات التي يعتقد المرء فيها أن انتماءه مستهدف، ولهذا يسعى لتصعيد هذا الانتماء على مستوى التصور الذهني المتنكر ـ عبثا أو غضبا ـ للواقع. يقول أمين معلوف: "نميل في أغلب الأحيان لأن نتعرف على أنفسنا في انتمائنا الأكثر عرضة للخطر"(الهويات القاتلة، ص27). ما يعني أن هذا التحديد/ التعصّب يبقى في حدود كونه مجرد رد فعل، وليس فعلا أصيلا، وبالتالي، ليس دائما، إذ الأصيل والدائم هو ما يعيشه الإنسان واقعا متواصلا بحدثه اليومي، الحدث الذي يؤكد ـ بتراكمه ـ حقيقة واقعيته، بقدر ما يؤكدها أنه حدث يتجاوزه كفرد إلى بقية أفراد انتمائه الحميمي (أفراد أسرته/ عائلته) أولئك الذين سيحققون ويؤكدون له ـ بشكل غير مباشر، وبمحض وقائع المعاش وتفاصيل الضرورات الحياتية ـ واقعية انتمائه الأصيل لِمُحَدّد مادي (الوطن)؛ بقدر ما هو ـ وبشكل غير مباشر ـ سيؤكد هذا الأمر لهم؛ لتتحول السلوكيات الإرادوية المشتركة إلى واقعة انتماء تلقائي بديهي لهذا الواقع المادي المُؤَطِّر والمُكَيّف والمُحَدِّد لواقعة الحياة ذاتها.
مع هذا، فللاستثناء وجود دائم. غير أنه استثناء يؤكد القاعدة ولا ينفيها أو يخترقها بحال. في ظروف خاصة، ومع ثلة قليلة، قد ترتفع مستويات الأدلجة لِتتحوّل الأوهامُ (مقولات الأيديولوجيا وشعاراتها الصاخبة) إلى حقائق تطمس حقائق الواقع الصلبة، ولِتتحوّل حقائقُ الواقع (واقعية الأوطان مثلا) ـ بفعل قوة الوهم الأيديولوجي ـ إلى أوهام لا تستحق عناية المؤدلجين.
يقول المفكر اللبناني التفكيكي/ علي حرب عن علاقة الإسلاميين المؤدلجين بأفكارهم من جهة، وبالواقع من جهة أخرى: "فهؤلاء يُعطون الأولوية للإسلام المتعالي على المسلمين المقيمين في أجسادهم، المنخرطين في دنيويتهم. أقصد أن الأولوية عندهم للنص والعقيدة والشريعة والحزب على الوجود والحياة والمعرفة والمجتمع والحاضر"(الاستلاب والارتداد، ص110).
إذن، التنوع الطائفي ـ بكل مستوياته ـ لا ضير منه، بل هو مصدر ثراء، وبوابة انفتاح، ومسار تسامح واقعي يصنع ضروراته في الواقع؛ شرط أن يتم الوعي به من حيث هو كذلك؛ وشرط أن يبقى في حدوده، بعيدا عن توظيفه ـ بالسلب أو بالإيجاب ـ في المسارات الاحترابية الواقعية، أو في المنابذات العقائدية التقليدية ذات المنطق التحيّزي المتجذر في عقائد الولاء والبراء التي تدفع إليها المذاهب القائمة على أوهام الاصطفاء.
في تقديري، ثمة خطوات فكرية وعملية من شأنها أن تجعل من هذا التنوع إضافة، في الوقت الذي تحد من خطورة تحوله إلى انقسامات حادة، قد تتطور لصراعات وحروب أهلية تنشر عدواها على شكل صراعات عابرة للأوطان. ولعل أهم هذه الخطوات ما يلي:
1ـ الحفر المعرفي في أصول هذا التشكّل الطائفي، في محاولة للكشف عن اللاّمقدس فيما يظنه أتباع هذا التنوع مقدسا. أي تظهير وإبراز الدنيوي في ما يبدو دينيا، وأن صراع المصالح القديم بات يُطرح اليوم وكأنه صراع الدين الأزلي. يقول الباحث التونسي/ محمد الحداد: "هل نحتاج إلى التذكير ثانية بأن نقمة المسيحية الغربية على المسيحية الشرقية لم تكن بأقل من نقمتها على الإسلام، كما أن عنف العثمانيين ضد المسلمين الشيعة أقوى من عنفهم ضد المسيحيين"(الإسلام ونزعات العنف، ص47). والمقصود أن أصحاب الدين الواحد قد يقودهم التنافس على رأس المال الرمزي أو المادي (لوحدة أو تقارب المجال في الرمزي أو المادي، أو فيهما كليهما) إلى أن يكون العداء بينهم أشد من العداء لمن يقع خارج إطار المعتقد الديني العام الذي ينتمون إليه جميعا.
إن مما يرفع حدة الانقسام، ومن ثم العنف الطائفي، هو توهم امتلاك الحقيقة المطلقة، لا في أصل الاعتقاد فحسب، وإنما حتى في التفاصيل المذهبية، بل وفي الوقائع التاريخية التي تستند إليها هذه التفاصيل أيضا. ومن حيث يتوهم الطائفي أنه يمتلك الحقيقة الربانية المطلقة، فسيتوهم بالضرورة أن الآخر المختلف معه معاند لهذه الحقيقة، وأنه ـ أزلا وأبدا ـ يكيد لها، ويشتغل ـ تآمرا ـ على الإضرار بأصحابها الأنقياء الأتقياء!
ولا شك أن تعرية كل ذلك، وكشف زيفه، أو ـ على الأقل ـ بث الريب فيه، من شأنه أن يحد من صلابة التعصب، ويحول بينه وبين إمكانية أن يتحول إلى اصطفاف صراعي، قد يبدأ على هيئة صراع فكري، لينتهي إلى صراع دامٍ في الواقع.
2ـ التصدي لأوهام التفسيرات والتبريرات المشحونة بتصورات طائفية؛ خاصة تلك التي يتبرّع بها المتعصبون التقليديون الغارقون في أوهام عقائدهم المتخشبة المتوارثة منذ عصور التخلف والانحطاط. فرسم حدود الوقائع (الملتهبة/ الساخنة التي تشتعل بها عواطف الجماهير)، على أساس المُحَدِّد الطائفي، وكأنه صانع الحدث أساسا؛ من شأنه أن يعمّق الوعي الطائفي، ويدفع به إلى مستويات أعلى وأشد عنفا؛ فضلا عن كونه تزييفا غبيّاً لحقائق الواقع.
3ـ تمتين العلائق الوطنية الجامعة التي تنتظم كل صور التنوع والاختلاف. ففي ظل الانقسامات الطائفية في المشرق العربي، وفي ظل قابليتها ـ بفعل جهالات المتعصبين ـ للاشتعال حروبا دامية، تبقى الدولة الوطنية هي ضامنة الأمن والاستقرار والسلام الاجتماعي. فالـ"الفرد/ المواطن" هو الواقع المادية/ الحقيقية على المستوى الإنساني، كما أن "الوطن" هو الواقعة المادية الحقيقية على المستوى التنظيمي، وربط الأول بالثاني مدنيا ـ بتجاوز (وليس بإلغاء) كل صور الانتماء الأخرى ـ هو ما يحقق المساواة على أساس واقع محسوس؛ بالقدر الذي يؤسس الانتماء على ذات الأساس.
4ـ فتح قنوات التواصل الاجتماعي بين الطوائف/ الأعراق/ الأديان على كل المستويات، بما في ذلك التزاوج بين المختلفين دينيا ومذهبيا وعرقيا، خاصة وأن تكوين "الأسرة المتنوّعة" هو أشد صور التقارب/ التواصل وأعمقها تأثيرا، كما هو أشد صور التسامح وأصدقها وأكثرها موثوقية. فأن تَخْرج لنا في المشرق العربي أجيالٌ مُخْتلطة، يكون الفرد فيها متعدد الانتماءات الطائفية والعرقية، كأن يكون ـ مثلا ـ من أب شيعي وأم سنية أو العكس، ومن أب مسلم وأم مسيحية أو العكس...إلخ، هو ما سيجعل الصفة الدينية/ المذهبية/ العرقية تتوارى إلى الخلف بعيدا؛ بتلاشي الحدود الفاصلة بينها في نهاية المطاف.
أعرف أن هذا قد يكون حُلُما بعيد المنال، خاصة أن التزاوج داخل الدين الواحد قد يبدو اليوم متعذرا لمجرد الاختلاف المذهبي أو حتى القبلي المحدود، وقد زاد هذا الانكفاء السلبي في السنوات الأربعين الماضية. لكن، فتح ثغرات عميقة (ولا أعمق من التزاوج الذي يعني أعلى درجات القبول، كما يعني خلق أجيال جامعة لأكثر من هوية) في حصون هذه التحيّزات الهُويّاتية، وتذويب صلادتها، هو ـ في تصوري ـ شرط أولي وضروري لتحقيق تسالم مجتمعي بعيد المدى.
