الطائفية.. ليست طارئا على المنطقة
الطائفية.. ليست طارئا على المنطقة

يتمزّق العالم العربي، والحيّز المشرقي منه على وجه الخصوص، بفعل الانقسامات المجتمعية الطائفية، الدينية/ المذهبية والإثنية/ العرقية الضاربة في عمق التاريخ. أعراق هذا العالم العربي وأديانه ومذاهبه هي من حقائقه الصلبة الماثلة للعيان منذ ما قبل الإسلام، ومع العرب والإسلام.

إنها جزء أصيل، وربما ـ في بعض الحالات ـ هي الأصل، فلم تكن هِبةَ الاستعمار ولا مكيدته، كما لم تكن طارئا ناشزا على وحدانية دينية وعرقية موروثة سابقة على واقعة الافتراق.

هذا يعني أنها ـ من حيث المبدأ ـ انقسامات مشروعة ومستحقة، وكل طرف من أطراف هذا الانقسام يملك "المشروعية الكاملة" في الوجود ابتداء، ومن ثَمَّ في الحقوق المساواتية ـ أو التي يجب أن تتساوى ـ بين جميع الأطراف/ الأديان/ المذاهب/ الأعراق.

التنوع والاختلاف الديني والمذهبي والعرقي قَدَر المشرق العربي، كما هو واقعه الذي لا يُمكن تجاهله. وسواء كان هذا التنوع العرقي والديني والمذهبي ـ وِفْقَ تصوّرٍ ما ـ إيجابيا: مصدرَ ثراء، ومشروعَ انفتاح، ومسارَ تواصل أممي عابر للحدود، أو كان ـ وفقَ تصوّرٍ آخر ـ سلبيا: مصدرَ انقسام، وحالةَ تشرذم، ومِسعرَ صراع، ونذيرَ حروب أهلية، فإنه هو الواقع الذي يجب التعامل معه كما هو. ويبقى أن "طريقة التعامل" مع هذا الواقع، الطريقة التي يُحَدّدها أفق التصور، هي التي تحدّد: هل هذا الواقع واقع إيجابي أم واقع سلبي. أقصد أن الإنسان الآن، إنسان المشرق العربي في راهنيته ـ من حيث هو أداة الوعي ومصدر الفعل وموضوع الانفعال ـ بيده تحديد مسار الأحداث في هذا الواقع.

لا شك أن السياسة تستثمر في هذا الواقع. الطائفية من حيث هي واقعة اجتماعية ذات قدرة على الحشد والتجييش وصناعة الولاءات، وبالتالي التحكّم بمعادلات القوة في الواقع، تغري السياسي، وتدفعه للاستثمار فيها، إن لم يكن استراتيجيا؛ فعلى المستوى التكتيكي.

لكن، لا يعني هذا أن مقولات الطائفية العقائدية، ولا حدودها العرقية، هي التي تدفع الأحداث، وتصوغ الولاءات في سياق هذا الاستثمار، خاصة أتباع الطوائف الكبرى التي تتوزع ولاءاتهم على المحدد القطري لأوطانهم، أو المحدد الوظيفي لِمِهَنهم، أو المحدد الفكري لتصوراتهم الثقافية والأدبية التي قد تجعل ـ مثلا ـ الحداثي المغربي أو الجزائري يًؤثِّل لوشائج فكرية ومجتمعية مع الحداثي العراقي أو السوري، في مقابل التقليدي المغربي على مسار جدلية الأفكار. وكذلك الأمر يتكرر بين العلماني والإسلاموي. لكن، هذا لا يعني أن التواصل والتعاضد الفكري والمجتمعي العابر للأقطار يتجاوز الأوطان ـ كحقائق موضوعية ـ بالقفز عليها. فالوطن يبقى وحدة الانتماء الأصيلة، والمرجعية الواقعية الصلبة، والقاعدة التي ينطلق منها الجميع في فضاء التنوع الهُويّاتي.

قد ترتفع حدة الانتماء الطائفي: الديني أو العرقي، حتى لتبدو وكأنها تتعمّد تجاوز الأوطان. لكن، هذا لا يحدث إلا في الأزمات التي يعتقد المرء فيها أن انتماءه مستهدف، ولهذا يسعى لتصعيد هذا الانتماء على مستوى التصور الذهني المتنكر ـ عبثا أو غضبا ـ للواقع. يقول أمين معلوف: "نميل في أغلب الأحيان لأن نتعرف على أنفسنا في انتمائنا الأكثر عرضة للخطر"(الهويات القاتلة، ص27). ما يعني أن هذا التحديد/ التعصّب يبقى في حدود كونه مجرد رد فعل، وليس فعلا أصيلا، وبالتالي، ليس دائما، إذ الأصيل والدائم هو ما يعيشه الإنسان واقعا متواصلا بحدثه اليومي، الحدث الذي يؤكد ـ بتراكمه ـ حقيقة واقعيته، بقدر ما يؤكدها أنه حدث يتجاوزه كفرد إلى بقية أفراد انتمائه الحميمي (أفراد أسرته/ عائلته) أولئك الذين سيحققون ويؤكدون له ـ بشكل غير مباشر، وبمحض وقائع المعاش وتفاصيل الضرورات الحياتية ـ واقعية انتمائه الأصيل لِمُحَدّد مادي (الوطن)؛ بقدر ما هو ـ وبشكل غير مباشر ـ سيؤكد هذا الأمر لهم؛ لتتحول السلوكيات الإرادوية المشتركة إلى واقعة انتماء تلقائي بديهي لهذا الواقع المادي المُؤَطِّر والمُكَيّف والمُحَدِّد لواقعة الحياة ذاتها.

مع هذا، فللاستثناء وجود دائم. غير أنه استثناء يؤكد القاعدة ولا ينفيها أو يخترقها بحال. في ظروف خاصة، ومع ثلة قليلة، قد ترتفع مستويات الأدلجة لِتتحوّل الأوهامُ (مقولات الأيديولوجيا وشعاراتها الصاخبة) إلى حقائق تطمس حقائق الواقع الصلبة، ولِتتحوّل حقائقُ الواقع (واقعية الأوطان مثلا) ـ بفعل قوة الوهم الأيديولوجي ـ إلى أوهام لا تستحق عناية المؤدلجين.

يقول المفكر اللبناني التفكيكي/ علي حرب عن علاقة الإسلاميين المؤدلجين بأفكارهم من جهة، وبالواقع من جهة أخرى: "فهؤلاء يُعطون الأولوية للإسلام المتعالي على المسلمين المقيمين في أجسادهم، المنخرطين في دنيويتهم. أقصد أن الأولوية عندهم للنص والعقيدة والشريعة والحزب على الوجود والحياة والمعرفة والمجتمع والحاضر"(الاستلاب والارتداد، ص110).

إذن، التنوع الطائفي ـ بكل مستوياته ـ لا ضير منه، بل هو مصدر ثراء، وبوابة انفتاح، ومسار تسامح واقعي يصنع ضروراته في الواقع؛ شرط أن يتم الوعي به من حيث هو كذلك؛ وشرط أن يبقى في حدوده، بعيدا عن توظيفه ـ بالسلب أو بالإيجاب ـ في المسارات الاحترابية الواقعية، أو في المنابذات العقائدية التقليدية ذات المنطق التحيّزي المتجذر في عقائد الولاء والبراء التي تدفع إليها المذاهب القائمة على أوهام الاصطفاء.

في تقديري، ثمة خطوات فكرية وعملية من شأنها أن تجعل من هذا التنوع إضافة، في الوقت الذي تحد من خطورة تحوله إلى انقسامات حادة، قد تتطور لصراعات وحروب أهلية تنشر عدواها على شكل صراعات عابرة للأوطان. ولعل أهم هذه الخطوات ما يلي:

1ـ الحفر المعرفي في أصول هذا التشكّل الطائفي، في محاولة للكشف عن اللاّمقدس فيما يظنه أتباع هذا التنوع مقدسا. أي تظهير وإبراز الدنيوي في ما يبدو دينيا، وأن صراع المصالح القديم بات يُطرح اليوم وكأنه صراع الدين الأزلي. يقول الباحث التونسي/ محمد الحداد: "هل نحتاج إلى التذكير ثانية بأن نقمة المسيحية الغربية على المسيحية الشرقية لم تكن بأقل من نقمتها على الإسلام، كما أن عنف العثمانيين ضد المسلمين الشيعة أقوى من عنفهم ضد المسيحيين"(الإسلام ونزعات العنف، ص47). والمقصود أن أصحاب الدين الواحد قد يقودهم التنافس على رأس المال الرمزي أو المادي (لوحدة أو تقارب المجال في الرمزي أو المادي، أو فيهما كليهما) إلى أن يكون العداء بينهم أشد من العداء لمن يقع خارج إطار المعتقد الديني العام الذي ينتمون إليه جميعا.

إن مما يرفع حدة الانقسام، ومن ثم العنف الطائفي، هو توهم امتلاك الحقيقة المطلقة، لا في أصل الاعتقاد فحسب، وإنما حتى في التفاصيل المذهبية، بل وفي الوقائع التاريخية التي تستند إليها هذه التفاصيل أيضا. ومن حيث يتوهم الطائفي أنه يمتلك الحقيقة الربانية المطلقة، فسيتوهم بالضرورة أن الآخر المختلف معه معاند لهذه الحقيقة، وأنه ـ أزلا وأبدا ـ يكيد لها، ويشتغل ـ تآمرا ـ على الإضرار بأصحابها الأنقياء الأتقياء!

ولا شك أن تعرية كل ذلك، وكشف زيفه، أو ـ على الأقل ـ بث الريب فيه، من شأنه أن يحد من صلابة التعصب، ويحول بينه وبين إمكانية أن يتحول إلى اصطفاف صراعي، قد يبدأ على هيئة صراع فكري، لينتهي إلى صراع دامٍ في الواقع.

2ـ التصدي لأوهام التفسيرات والتبريرات المشحونة بتصورات طائفية؛ خاصة تلك التي يتبرّع بها المتعصبون التقليديون الغارقون في أوهام عقائدهم المتخشبة المتوارثة منذ عصور التخلف والانحطاط. فرسم حدود الوقائع (الملتهبة/ الساخنة التي تشتعل بها عواطف الجماهير)، على أساس المُحَدِّد الطائفي، وكأنه صانع الحدث أساسا؛ من شأنه أن يعمّق الوعي الطائفي، ويدفع به إلى مستويات أعلى وأشد عنفا؛ فضلا عن كونه تزييفا غبيّاً لحقائق الواقع.

3ـ تمتين العلائق الوطنية الجامعة التي تنتظم كل صور التنوع والاختلاف. ففي ظل الانقسامات الطائفية في المشرق العربي، وفي ظل قابليتها ـ بفعل جهالات المتعصبين ـ للاشتعال حروبا دامية، تبقى الدولة الوطنية هي ضامنة الأمن والاستقرار والسلام الاجتماعي. فالـ"الفرد/ المواطن" هو الواقع المادية/ الحقيقية على المستوى الإنساني، كما أن "الوطن" هو الواقعة المادية الحقيقية على المستوى التنظيمي، وربط الأول بالثاني مدنيا ـ بتجاوز (وليس بإلغاء) كل صور الانتماء الأخرى ـ هو ما يحقق المساواة على أساس واقع محسوس؛ بالقدر الذي يؤسس الانتماء على ذات الأساس.

4ـ فتح قنوات التواصل الاجتماعي بين الطوائف/ الأعراق/ الأديان على كل المستويات، بما في ذلك التزاوج بين المختلفين دينيا ومذهبيا وعرقيا، خاصة وأن تكوين "الأسرة المتنوّعة" هو أشد صور التقارب/ التواصل وأعمقها تأثيرا، كما هو أشد صور التسامح وأصدقها وأكثرها موثوقية. فأن تَخْرج لنا في المشرق العربي أجيالٌ مُخْتلطة، يكون الفرد فيها متعدد الانتماءات الطائفية والعرقية، كأن يكون ـ مثلا ـ من أب شيعي وأم سنية أو العكس، ومن أب مسلم وأم مسيحية أو العكس...إلخ، هو ما سيجعل الصفة الدينية/ المذهبية/ العرقية تتوارى إلى الخلف بعيدا؛ بتلاشي الحدود الفاصلة بينها في نهاية المطاف.

أعرف أن هذا قد يكون حُلُما بعيد المنال، خاصة أن التزاوج داخل الدين الواحد قد يبدو اليوم متعذرا لمجرد الاختلاف المذهبي أو حتى القبلي المحدود، وقد زاد هذا الانكفاء السلبي في السنوات الأربعين الماضية. لكن، فتح ثغرات عميقة (ولا أعمق من التزاوج الذي يعني أعلى درجات القبول، كما يعني خلق أجيال جامعة لأكثر من هوية) في حصون هذه التحيّزات الهُويّاتية، وتذويب صلادتها، هو ـ في تصوري ـ شرط أولي وضروري لتحقيق تسالم مجتمعي بعيد المدى.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.