ماكرون وبايدن
ماكرون وبايدن

الخطوة غير المسبوقة، في استدعاء باريس لسفيرها في واشنطن، هي تعبير عن الغضب للإساءة التي تعرّضت لها فرنسا في إلغاء أستراليا المفاجئ لصفقة الغواصات التقليدية من فرنسا، والتي كانت قيمتها تبلغ عشرات المليارات من الدولارات.

جاء هذا الإلغاء في إطار الاستفادة الفورية لأستراليا من الإعلان المفاجئ لحلف "أوكس" الذي يجمعها اليوم والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، ليزيد الإعلان من المرارة في باريس، ذلك أن التحالف الجديد، المعني بتعزيز الأمن والاستقرار في المحيطين الهادئ والهندي، قد قام للتوّ بين هؤلاء الحلفاء الغربيين، دون دعوة فرنسا إلى المشاركة، أو حتى دون اطلاعها المسبق على المفاوضات التي أودت إليه، رغم أن لفرنسا حضور هام في كل من المحيطين، بشكل محافظات وأراضٍ، والتي وإن كانت بأمسها مستعمرات وجزر نائية، هي اليوم "فرنسا المهجر"، أي أنها متساوية في الحقوق والسيادة مع فرنسا القارية.

من السهل الإمعان بالحديث على أن العلاقات بين الدول قائمة على المصالح، وأن هذه المصالح لا تتبدل مع تداول الرئاسات، وأن ما جرى لفرنسا يندرج في إطار التخفيض المتواصل لواشنطن لترابطها مع حلف شمالي الأطلسي، الذي أمسى يفتقد التأطير وربما الجدوى، وتخلي الولايات المتحدة عن دورها كمظلة أمنية للدول الأوروبية، أو حتى، لدى من يرغب برؤية ذلك، في إطار الانهزام الأميركي المفترض، أو أقلّه التراجع إزاء ذلك العملاق التاريخي الصاعد، وهو ربما الصين، أو روسيا، أو إيران، أو فنزويلا، أو ضاحية بيروت الجنوبية.

الواقع، للتأكيد مجدداً، هو أن القوة العظمى الوحيدة في العالم تبقى الولايات المتحدة، ومصالحها، باتفاق التوجهات المختلفة داخلها، هو بتثبيت منظومة الاستقرار العالمي، انطلاقاً من قناعة أن الازدهار ليس معادلة صفرية، وأن صعود الصين، وغيرها كالهند، اقتصادياً، هو أمر حاصل ولا يتعارض مع الاستقرار العالمي، شرط أن يكون صعوداً هادئاً، وألا تعتريه رغبات متسرعة لدى بعض الجهات الحزبية والعسكرية في الصين لصرف فائض القوة الاقتصادية نفوذاً مسلحاً.

الخلاف، داخل واشنطن، هو في تقييم الجموح الصيني، وما إذا كان يغلب عليه طابع الجشع التجاري وحسب، أو ما إذا كان الحالمون بالمغامرات العسكرية أكثر نفوذاً، كما يتبدى من بعض المواقف والأعمال، من بناء الجزر الاصطناعية في بحر الصين الجنوبي إلى تهديد تايوان، وتقويض استقلالية هونغ كونغ الاقتصادية، أو القمع الإبادي للأويغور في تركستان الشرقية، أي شينجانغ الصينية.

المصلحة الموضوعية للولايات المتحدة، في سعيها إلى احتواء السلبي وتشجيع الإيجابي في الصين هي في التحسب، على حدة، لغلبة كل من الوجهين. أي التفاعل مع الصين والتعاون معها حيث التقييم يظهر غلبة الجانب الإيجابي، وتطويقها وردعها حيث القراءة تكشف عن تصاعد السلبيات.

الأدوات التي تسعى الولايات المتحدة إلى توظيفها في التحسب للسلبيات عديدة، ملتبسة، متداخلة، بل متضاربة إلى حد ما.

المسعى الأميركي إلى إيجاد دور جديد لحلف شمالي الأطلسي يجعل من الصين موضع اهتمام اعترضته مواقف أوروبية ممتعضة وممتنعة، ولا سيما منها ما جاهر به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن التعاطي مع الصين لا يحتاج أن يكون من موقع التصادم. بل ربما يرى البعض بأن إهمال واشنطن لباريس اليوم هو المعاقبة لهذا الموقف.

لا يمكن تجاهل هذه الإمكانية، ولكن إن كان الأمر كذلك، فقد لا يصح الافتراض بأن هذه المعاقبة جاءت بقرار فصيح من الرئيس جو بايدن، بل قد يكون منشؤها مستويات متدنية. عودة إلى هذه النقطة بعد قليل.

الولايات المتحدة كانت قد أعادت ترتيب انتشار قواتها عالمياً لترفع من الدمج بين القيادات المعنية بالمحيط الهادئ والمحيط الهندي، وهذا بحد ذاته إشهار واضح حول طبيعة تعاملها مع الصين، في حساب الحالة الأكثر سوءاً. أما فيما يتعدى الخطوات الأحادية، ونظراً إلى الصعوبات في الدفع بحلف شمالي الأطلسي باتجاه التركيز على الصين، فإن اعتماد الولايات المتحدة هو على التوافق في الرؤى مع دول الجوار الآسيوي، ومنها "الآسيان" جنوب شرقي القارة، لتقوية التحالفات العسكرية معها، فرادى وتجمعات، ولإنشاء المحافل الجديدة، مثل "الكواد" أي الرباعية، مع الهند واليابان وأستراليا، وهي الدول الأكثر عرضة للتضرر من التهديدات الأمنية الصادرة من الصين، ومثل "أوكس"، بطابعه الأكثر دقة، والذي جرى الإعلان عنه مؤخراً.

"أوكس" ليس دون سوابق. "أنزوس" جمع، ولا يزال وإن خفّت مفاعيله، الولايات المتحدة مع أستراليا ونيوزيلندا. ثم أن "الشقيقات الخمس" (الولايات المتحدة، كندا، المملكة المتحدة، أستراليا، نيوزيلندا)، نظراً للخلفيات اللغوية والتاريخية والبنيوية المشتركة بينها، قد شهدت مستويات تنسيق مرتفعة خلال العقود الماضية، وصولاً إلى اتهامات في تسعينيات القرن الماضي، تنفيها جميعاً، بأن الأجهزة الاستخباراتية في هذه الدول، التي يحظّر عليها مراقبة مواطنيها، وفق التشريعات الداخلية الصارمة، قد تعاونت لتجاوز الحظر بمراقبة مواطني "الشقيقات" ثم التبادل المنتج للمعلومات فيما بينها. الرد كان ولا يزال بأن الحاجة إلى هذه المناورات المزعومة منتفية، إذ بوسع كل جهاز الاستحصال من المؤسسات القضائية في بلاده على ما يحتاج إليه من أذون.

نيوزيلندا تعتمد منذ فترة غير وجيزة منحى سلميا في علاقاتها الخارجية، وتذهب باتجاه تحجيم العسكرة. لا عجب أن يكون "أوكس" قد استثنى نيوزيلندا، ولا عجب أن تكون رئيسة وزراء نيوزيلندا قد سارعت إلى التأكيد بأن الغواصات المتولّدة عن هذا التحالف الجديد غير مرحّب بها في المياه الإقليمية النيوزيلندية.

المصلحة العليا للولايات المتحدة، في مواجهة الصين، تقوم على ترميم الشراكة الأطلسية، وهذا ما كان ظاهراً في الخطوات المتعددة لإدارة الرئيس جو بايدن، ولا سيما في الزيارة التي قام بها وزير الخارجية أنطوني بلينكن في حزيران الماضي، نزيل باريس في سابق عهده والمتحدث بلغة فرنسية مقبولة، حين أكّد ضمناً وجهاراً، بأن زمن إهمال الحلفاء قد ولّى، وبأن دونالد ترامب حالة شاذة في تفريطه بهذه العلاقة العزيزة على الولايات المتحدة، حكومة وشعباً، إذ هي تعبير عن تلاقي في المصالح ووحدة في القيم.

هي حقيقة صادقة أن التحالف الأطلسي هو أقرب ما يكون إلى التوافق في المصالح والقيم على وجه الإجمال. غير أنه ثمة خلافات حقيقية بين واشنطن والعواصم الأوروبية بشأن التعامل مع كل من موسكو وبكين وطهران. جميع هذه الخلافات تتعلق بموازنة المصالح، وجميعها قابلة للتسوية، بل أن مواطن الخلاف توظّف أحياناً لخدمة الجانبين.

الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق مع إيران، لكنها بقيت ضمناً تعوّل على الاستمرار الأوروبي فيه لضبط التململ الإيراني وتجنب التصعيد. وبدورها كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا اعتمدت على حاجتها إلى عدم الإضرار بعلاقتها مع الولايات المتحدة لتفسير تلكؤها إزاء خطوات وعدت بها إيران.

ليس صحيحاً أن دونالد ترامب كان حالة شاذة في الإساءة إلى الحلفاء، وفرنسا بالتحديد. المسألة هنا ليست الخلاف الطويل الأمد بين الولايات المتحدة وفرنسا، في تمنّع هذه الأخيرة عن القبول بعلاقة غير ندية، منذ أيام شارل ديغول. ولا عدم تجاوب باريس مع رغبات واشنطن العسكرية، كما في الاعتراض على الحرب في العراق عام 2003. هذه قضايا مبدئية ومواقف سياسية يمكن لعلاقة التحالف أن تستوعبها دون الإضرار بالثقة أو بالقناعة بأن ما يجمع يفوق ما يفرّق.

ما تذكره باريس، ومعها العديد من العواصم الأوروبية، هو تفريط الرئيس الأسبق باراك أوباما بالأمن الوطني لهذه الدول حين قرّر إهمال المأساة السورية وتركها للشركاء المتنافسين، ولا سيما دول الخليج وتركيا، وما آلت إليه هذه المأساة من هجرة جماعية أعادت رسم الخارطة السياسية الداخلية في العديد من الدول الأوروبية، وأتاحت المجال لليمين الصلب لتعزيز مواقعه، بل قد تكون قد أسهمت في خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.

وربما الطامة الكبرى كانت في سلوك الحائز على جائزة نوبل للسلام، بطل الاستثنائية الأميركية، باراك أوباما، حيث أنه، بعد إشعار مرتفع النبرة بأن العقاب قادم لارتكاب النظام القاتل في دمشق مجزرة بالسلاح الكيماوي، وبعد اصطفاف كل من لندن وباريس تأييداً للعقاب وتحضيرهما لسلاحهما الجوي استعدادً للضربة المرتقبة، تنزّه أوباما اللطيف باتجاه موسكو، فتوافق معها على مقايضة التخلي عن قرار المعاقبة بوعود أن تشرف روسيا على ضبط سلاح الجريمة، أي لا عقاب ولا من يحزنون، مفاجئاً حلفائه بأدائه الفذّ.

هل كان بوسع أوباما الاتصال بالفرنسيين والبريطانيين ليعملوا على تخفيض التوقعات داخلياً كي لا يظهروا بمظهر الغافل عن قرار "الكبار"؟ طبعاً، ولكنه لم يفعل، جهلاً أو غروراً لا فرق.

واليوم يعاود رئيس أميركي آخر الكرّة. هل كان بوسع جو بايدن تنبيه الفرنسيين إلى حاجته الشروع بـ "أوكس"، ومفاوضتهم حول كيفية التعويض عن خسارتهم المالية، أو مقايضتهم بمصالح لهم في مواقع أخرى؟ طبعاً، ولكنه كذلك لم يفعل. لماذا؟ قد يسعى البعض إلى قراءات متعمقة للرؤى والمصالح البعيدة المدى للولايات المتحدة. على أن الأقرب للصواب، من وجهة نظر من يتابع أداء الإدارات المتعاقبة وأجهزة الحكومة في واشنطن، أن الأمر يندرج في إطار الإهمال وقصر النظر، وإذا كان ثمة رغبات كيدية، فهي لدى بعض الموظفين في بعض الدوائر هنا وهنالك، ارتقت بفعل الإسراع والتسرع إلى مستوى القرار. ومن المبالغة افتراض أكثر من ذلك.

ما حدث يضرّ موضوعياً بالمصلحة الأميركية العليا. لا فائدة أبداً من استعداء حليف بحجم فرنسا. وإذا كان ترامب الرئيس السابق لا يعبأ بضرر من هذا النوع خدمة لمصلحة انتخابية ضيقة، فإن الاشتباه بأن جو بايدن يعمد إلى توظيف الإساءة لفرنسا للظهور بمظهر القادر على الإهانة، كما كان يطيب لترامب أن يفعل، مستبعد جداً من حيث الحسابات الموضوعية.

هي هفوة أميركياً، ولكنها إساءة كبيرة فرنسياً، تتطلب جهود تصحيح كبيرة، وتكشف مجدداً أن الولايات المتحدة بعيدة كل البعد عن مقام الإله المتحكم بكامل التفاصيل، وهو الدور الذي يرتئيه لها بعض خصومها. أما من يأمل بأن يكون هنا انفراط عقد التحالف الغربي ونهاية الزمن الأميركي، فلا شك أن عليه التحلي بالصبر الجميل، إذ تعددت أسباب هذا الأمل على مدى الأعوام وبقيت نتيجته واحدة.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.