تظاهرات لأنصار "النهضة" في تونس
تظاهرات لأنصار "النهضة" في تونس

في أواخر شهر يوليو الماضي اتخذ الرئيس التونسي، قيس سعيد، قرارا قضى بتجميد البرلمان ورفع الحصانة عن جميع النواب وإقالة رئيس الوزراء هشام المشيشي من منصبه بعد احتجاجات شعبية عنيفة، وبينما أكد البعض قانونية الخطوة فقد اعتبرها آخرون انقلابا على الدستور والمبادئ التي أرستها ثورة الياسمين.

وبينما اقتصر المؤيدون للخطوة والمخالفون لها على استخدام اللغة والأدوات والوسائل السياسية للتعبير عن مواقفهم، فقد سعت مختلف أذرع جماعة الإخوان المسلمين للخروج بالموضوع من إطاره الأرضي (الدنيوي) ومنحه صبغة سماوية تنقله من مجال الخطأ والصواب السياسي إلى نطاق الحلال والحرام الديني.

أصدر الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين فتوى دينية تُحرِّم الخطوة التي اتخذها الرئيس التونسي، جاء فيها أن الاتحاد (يفتي بحرمة الاعتداء على العقد الاجتماعي الذي تم بإرادة الشعب التونسي، وينظم العلاقة بين الرئاسة ومجلس النواب ورئاسة الوزراء ويحافظ على مكتسبات الشعب في الحرية وسيادة القانون ورفض الاستبداد والدكتاتورية والتضحية بدماء البررة من الشعب التونسي).

وأضافت الفتوى (ويؤكد الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين على خطورة تلازم ثلاثية "الاستبداد والفوضى والانقلاب غير الشرعي" الذي لن يحقق للشعوب الحرة أي وعد من وعوده الكاذبة، وأن التجارب القريبة تخبرنا بذلك فلا رفاهية ولا خير في انقلاب).

الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مؤسسة تتبع للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، مقرها العاصمة القطرية الدوحة، أسسها الشيخ يوسف القرضاوي في عام 2004 وظل يترأسها حتى عام 2014 حيث تم استبداله بالمغربي أحمد الريسوني.

لا شك أن نقل الخلاف الدنيوي (المدنس) حول خطوة الرئيس التونسي إلى المجال السماوي (المقدس) يعكس الوصفة النموذجية التي تتبعها جماعة الإخوان المسلمين في سعيها لاستخدام الدين مطية لتحقيق المآرب السياسية، وقد دأب الاتحاد العالمي للعلماء على إظهار مواقف متضاربة تجاه القضية الواحدة.

إن جماعة الإخوان التي تقف اليوم ضد قرار الرئيس التونسي وتقول إن (الانقلاب على إرادة التونسيين والمؤسسات المنتخبة واتخاذ إجراءات أحادية أمر خطير ولا يجوز شرعا ولا أخلاقا ولا عرفا)، هي ذات الجماعة التي نفذت الانقلاب العسكري على الحكم الدستوري في السودان عام 1989.

ولن يحتاج الألمعي الحصيف لبذل جهد كبير كي يدرك أن تباكي الاتحاد العالمي على ما حدث في تونس لا يقصد به وجه الله ولا ينبع من إيمان حقيقي بأن الحرية قيمة مطلقة يجب أن يتمتع بها جميع البشر بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية أو الأيديولوجية، وأن هذه القيمة لا تقتصر فقط على الموالين لجماعات الإسلام السياسي.

ويعلم القاصي والداني أن الجماعة أقامت في السودان نظاما شموليا قابضا استمر لمدة 30 عاما، استند على شرعية العنف وقوة السلاح، ومارس أبشع أنواع جرائم التعذيب والاعتقال التعسفي والقتل داخل المعتقلات والسجون، فضلا عن الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان التي راح ضحيتها آلاف المواطنين في مناطق الحرب في جنوب كردفان ودارفور والنيل الأزرق.

وعلى الرغم من السجل المخزي لنظام الإخوان في مجال حقوق الإنسان وكبت الحريات والاضطهاد، فقد ظل الاتحاد العالمي صامتا عن المطالبة بتفريغ السجون ومعتقلات الأجهزة الأمنية السرية من سجناء الرأي والمعتقلين السياسيين، واستمر في دعم النظام السوداني الذي يشاركه ذات التوجهات الأيديولوجية والسياسية.

ومن الجلي أن الفتوى عندما تقول (نحن مع حرية الشعب الكريم وكرامته وننتظر منه أن يقول رأيه، كما يجب على الجيش التونسي أن يظل وفياً لقرار الشعب حيادياً يدافع فقط عن الشعب لا ينال من كرامة أي تونسي كما حصل في زمن بن علي) فإنها تنسى ما فعله الإخوان في السودان وكيف كانت ردة فعل كبارهم!

لم تراع الجماعة حيادية الجيش، حيث قامت بذرع خلاياها داخل القوات المسلحة السودانية منذ فترة مبكرة من عمرها كما اعترف بذلك زعيمها الراحل حسن الترابي، وكما وصفها مؤرخ الجماعة حسن مكي بالقول : (طورت الحركة قدرات المجاهدة القتالية وتدبير القوة وبنت على رصيدها من المجاهدين الذين تدربوا في ليبيا ما قبل المصالحة الوطنية وبشتات خلايا الإسلاميين في الجيوش والأجهزة العسكرية، حيث أصبح للجنود وضباط الصف وحداتهم وكذلك للضباط، وكان تنظيما مستحكما ليس فقط لا يعرفه عامة وصفوة الإخوان، بل أن جماعات هذه الخلايا العسكرية لا يعرف بعضها بعضا إلا اجتهادا).

وكانت نتيجة هذا العمل المخطط القيام بالانقلاب العسكري على الحكومة الشرعية التي كانت الجماعة جزءا منها وممثلة في برلمانها بالكتلة الثالثة من حيث عدد النواب، ومع ذلك فإن الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين الذي لم يتورع عن توصيف ما حدث في تونس بالانقلاب، لم يجرؤ على تسمية الانقلاب العسكري في السودان باسمه الحقيقي، إذ عمد مؤسس الاتحاد، يوسف القرضاوي، إلى الالتفاف والتمويه، فقال في كلمته التي ألقاها في رثاء حسن الترابي:    

(وبعد انسداد الأفق السياسي في السودان، كان لا بد أن يقوم أحد الأقوياء في البلد بالسيطرة على مقاليد الأمور وكان الدكتور الترابي أكثرهم تصورا وإدراكا للموقف وخطورته، وأكثر قدرة على التحرك بسرعة، فبادر إلى ذلك، واختار مجموعة من العسكريين على رأسهم عمر البشير لهذا الأمر)!

ها هو القرضاوي يصوِّر الانقلاب كأنه عمل وطني وبطولي أنقذ البلاد من انسداد الأفق السياسي، وهو حديث يجافي حقائق الواقع، وقد أثبتت التجربة العملية أن انقلاب الجماعة قد تولد عنه أسوأ نظام سياسي حكم البلاد منذ نالت استقلالها من المستعمر البريطاني عام 1956.

وتستمر الفتوى الإخوانية قائلة :( إن حماية العقد الاجتماعي والحفاظ على الحريات وحقوق الشعب فريضة شرعية على جميع مكونات الشعب التونسي وأن الحفاظ على المؤسسات الدستورية واجب وطني، كما أن إعلان حالة الطوارئ المفتوحة لا يجوز لما فيها من انتهاكات جسيمة لمصالح العباد والبلاد).

لم نسمع من الإتحاد العالمي حديثا عن "الحفاظ على الحريات" في السودان، بل على العكس من ذلك فقد دأب على تقديم دعمه المطلق للطاغية المخلوع، عمر البشير، عبر البيانات والزيارات المستمرة للسودان، حيث كانت وفود الاتحاد تجد ترحيبا كبيرا من رأس النظام الاستبدادي وجماعة الإخوان، ويتم استضافتها في الفنادق الفاخرة ويغدقون عليها الهدايا بينما غالبية الشعب الساحقة تعاني ويلات القهر والسجون والحروب.

أما حالة الطوارئ، التي تطالب فتوى الإتحاد العالمي بعدم اللجوء لها في تونس، فقد كان الطاغية السوداني وزبانيته يطبقونها لسنوات طويلة دون أن يجد ذلك أي شجب أو إدانة من الجماعة وأذرعها المختلفة، وكان آخرها إعلانه في فبراير 2019 فرض الطوارئ لمدة عام في محاولة يائسة للإمساك بزمام الأمور عندما كانت الشوارع تغلي ونظامه الفاسد يلفظ أيامه الأخيرة.

يتضح بجلاء من السرد أعلاه أن مواقف الإخوان تتسم بالتناقض وعدم الاستقامة في التعامل مع القضايا المبدئية المتعلقة باحترام الشرعية الدستورية والحفاظ على الحرية وسيادة القانون، وأنهم يستخدمون المبررات الدينية لنقل الخلاف من الأرض إلى السماء ليدغدغوا مشاعر الشعوب حتى تتحقق أهدافهم السياسية. 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.