الصلاة وقراءة القرآن بأحد المساجد
الصلاة وقراءة القرآن بأحد المساجد

الشرع الإسلامي، حسب تعريف رجال الدين، هو ما شرّعه الله على المسلمين على لسان نبيّه عبر "القرآن والحديث"، وبهذا التعريف وضعوا القرآن والحديث في مرتبة واحدة مع أن عملية تدوين الحديث بشكل محترف لم تبدأ حتى القرن التاسع الميلادي-الثالث الهجري أي بعد أكثر من قرنين على وفاة الرسول على يد مجموعة من "علماء" الحديث أشهرهم البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وجميعهم من ولاية خراسان التي تبعد آلاف الكيلومترات عن مكة والمدينة حيث عاش الرسول.

وكانت طريقة عمل هؤلاء هي التجوّل بين النواحي والمدن لجمع الأحاديث "النبوية" التي كانت متداولة في أيامهم ومقابلة رواتها وتدوين ما سمعوه على طريقة حدّثنا فلان عن فلان من جيل إلى جيل أقدم حتى تصل إلى الصحابة الأوائل، وهي طريقة أقرب إلى حكايات الشعوب لا يستطيع علم التاريخ الحديث الوثوق فيها، لأن التاريخ كعلم يستند على موجودات مادية من منقوشات ومنحوتات ومخطوطات يمكن تحديد عمرها الحقيقي بوسائل علمية دقيقة، وفوق كل ذلك فإن ما كتبه أغلب "علماء" الحديث هؤلاء لا توجد نصوصه الأصلية بل ما نقل عنها بعد أكثر من قرن على وفاتهم.

ومن الأمور التي جعلت مهمة كتابة التاريخ الإسلامي على أسس علمية أمرا بالغ الصعوبة عدم وجود آثار ماديّة من المراحل المبكرة للإسلام من بدايات الدعوة حتى كامل فترة الخلفاء الراشدين، وكذلك لا يوجد عن فترة الخلافة الأموية سوى بضعة قطع عملة معدنية ونقوش كتب عليها اسم أحد الخلفاء دون تقديم أي معلومات عن طبيعة الحياة في تلك الحقبة.

ويستمر الوضع على هذا الغموض حتى أوج الخلافة العباسية التي تركت آثارا مادية مقبولة، ولذلك يبدو مستغربا أن تعطى كتب الحديث هذه أهمية معادلة للقرآن، إلى درجة أن رجال الدين ألغوا بعض آيات القرآن لتناقضها مع هذه الأحاديث التي توافق أهواءهم، وانتهى الأمر إلى إيجاد دين آخر مختلف جوهريا عن إسلام القرآن.

فلو كان المسلمون يعتمدون على القرآن لكان عليهم أن يؤدّوا الصلاة ثلاث مرات في اليوم.. "وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفى من الليل" هود 34، أي كما هو واضح تماما من نص الآية هناك صلاة في الصباح وثانية قرب الغروب وأخيرة أول الليل، وكانت هذه الصلوات تؤدّى في المنازل، وتقتصر على مجموعة من الأدعية يوجهها المؤمن إلى الله شاكرا وحامدا له على ما أعطاه، أو طالبا منه تلبية أمر ما مثل شفاء مريض أو المساعدة في حل مشكلة، وقد تتضمن هذه الصلاة تلاوة آيات صغيرة من القرآن خاصة الفاتحة أو قصار السور.

 وكانت الصلاة حسب هذه الطريقة علاقة خاصة بين الإنسان وربه لا علاقة لأحد بها، "ولا تجهر بصلاتك".. الإسراء 110، وليس لها وقت دقيق لتأديتها أو ملابس أو شروط محددة سوى نظافة الشخص، وكان يقوم فيها فرد واحد أو بالمشاركة مع عائلته أو أصحابه، وكان هناك أيضا في مناسبات معينة صلاة جماعة تؤدّى في المساجد التي يشير اسمها إلى أن الصلاة فيها تتيح إمكانية السجود لمن يرغب، وينادى على هذه الصلوات من قبل رجال يرسلهم ولاة المدينة لإحياء مناسبة دينية أو بحث موضوع ما، ومن المتوقع أن تكون صلاة الجماعة هذه أكثر طولا في مدتها وأن تتضمن قراءات وأدعية أكثر.

بينما في المقابل قال رجال الدين أن الله فرض على المسلمين عبر الحديث والسنّة النبويّة خمس صلوات في اليوم الواحد تتضمن ما مجموعه 17 ركعة وسجدة، وأضافوا إليها 12 ركعة وسجدة تحت مسمّى السنن المؤكدة و8 أخريات كسنن غير مؤكدة، وتضمنت الصلاة حسب قولهم ترتيبا حرفيا وكلاما محددا يقال في كل مرحلة من الصلاة بحيث حوّلوها إلى تكرار آلي لكلمات لا يتم التفكير فيها أو التمعّن في معانيها، وعبر تقديس مفهوم السنّة النبوية والتي تعني التمسك الحرفي بما كان يقوم فيه الرسول حسب تصورهم بقيت الصلاة الإسلامية تؤدّى إلى اليوم على بساط ممدود على الأرض أطلق عليه فيما بعد اسم "سجاّدة" لإمكانية السجود عليها، بينما أباحت بقية الديانات مع تطوّر الحياة إمكانية الصلاة جلوسا على المقاعد.

وكذلك لو كان المسلمون يعتمدون على القرآن لكان صيامهم تطوعيا واختياريّا ويقتصر على بضعة أيام في السنة، "أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدّة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وإن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون" البقرة 184، ومن ضمن هذه الأيام أول أيام شهر رمضان "فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، فجعل رجال الدين من الصيام فرضا إلزاميا ولمدة شهر كامل.

ولو كان المسلمون يعتمدون على القرآن لما كان على المرأة المسلمة أن ترتدي هذا الحجاب السائد اليوم، بل كان على نساء المؤمنين أن "يدنين عليهن من جلابيبهن" الأحزاب 59، أي الانتباه لفتحة الثوب العلوية أثناء الإنحناء للأمام مما قد يجعل الجسد مكشوفا، وأن "لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن" المؤمنون 31، أي لنفس الغاية من الممكن ضرب الخمار على فتحات الثوب، وهذه دعوات أقرب للنصيحة حتى "يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما"، وليس من السهل معرفة كيف تحولت هذه الآيات حسب فهم رجال الدين إلى فرض طرازات متزمّتة من الثياب لا يقرّها عقل أو منطق ولا تتناسب مع متطلبات حياة المرأة.

وكذلك لو كان القرآن هو مصدر التشريع لما كان الخمر محرّما، لأنه حسب القرآن "ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا" النحل 67، "ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس" البقرة 219، "إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون" المائدة 90، مع دعوة المؤمنين لعدم أداء الصلاة وهم سكارى، وفي جميع الآيات لا توجد أي إشارة إلى تحريم الخمر بل الدعوة إلى تجنّب الإفراط في تناوله، وتأكيدا على ذلك لا توجد في القرآن أي عقوبة على شارب الخمر بينما تجرّأ رجال الدين على القرآن ولم يكتفوا بتحريم الخمر بل وضعوا له عقوبات.

وكذلك لو كان رجال الدين يحملون ما يكفي من الاحترام للقرآن وهوسا أقل بالمرأة والجنس لكانت عقوبة الزنا الجلد، "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" النور 2، ووضع القرآن شروطا صعبة جدا لإثبات الزنا مثل وجود أربع شهود على الواقعة، بل فرض عقوبات على من يتهم متزوجات بالزنا دون دليل لا تختلف كثيرا عن عقوبة من قام بفعل الزنا نفسه بالإضافة إلى عدم قبول شهادته بعد ذلك أبدا، بل أدخل رجال الدين من أجل الزنا عقوبة لا وجود لها في القرآن أصلا وهي الرجم، وفرضوا نفس العقوبة على الخروج من الإسلام أو عدم الالتزام بطقوسه، رغم أن القرآن يقول "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" الكهف 29، ووضعت أحاديث لتبرير عدم وجود حدّ الرجم في القرآن من الصعب أن يقبلها عاقل مثل أن آية الرجم قد أنزلت على الرسول لكن لم يتم تدوينها في المصحف، أو أن آية الرجم كانت مدوّنة على ورقة ولكن ماعز أكلتها وفي الحالتين لا يجب أن يلغي حكمها..!

أي أن المسلمين لو اكتفوا بالقرآن كمصدر لشريعتهم لكان وضعهم غير بعيد عن أتباع الديانات الأخرى، ولما كانوا مختلفين اليوم عن بقية البشرية بمظهرهم وملابسهم وعاداتهم وعباداتهم، ولكن يبدو أن هذا لا يناسب رجال الدين المسلمين، ولذلك كانوا ومازالوا يقبلون أي بدعة تحمل مزيدا من التشدد، بينما يرفضون ويكّفرون أي إعادة قراءة للتراث تجعل الدين أكثر يسرا وتأقلما مع متطلبات الحياة والعصر.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.