خلال التصويت بالانتخابات المغربية
خلال التصويت بالانتخابات المغربية

قبيل رحيل العاهل المغربي الحسن الثاني، وبعد عقود من صراع سياسي لم يخلُ من العنف أحيانا، استقبل الملك في قصره في فبراير 1998 المعارض البارز عبد الرحمن اليوسفي ليكلفه بتشكيل أول حكومة "تناوب توافقي" في البلاد.

كان قرار الملك باكورة "ربيع المغرب" وبداية التحولات الديمقراطية التي أكمل مسيرتها الملك محمد السادس بعد توليه العرش عام 1999، إثر وفاه والده.

التفاهمات والتنازلات التي قدمها الملك الراحل الحسن الثاني جاءت بعد "سنوات الرصاص" التي شهدت استبدادا، ومطاردات، وسجنا، ونفيا للمعارضين السياسيين، قاد أبرزها وزير الداخلية الأسبق الذي ذاع صيته إدريس البصري.

وخلال أول حكومة تناوب، قادها حزب المعارضة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، زرت المغرب، وكنت محظوظا بلقاء مع الوزير الأول (رئيس الحكومة) اليوسفي، واستمعت بإصغاء بالغ لتصوراته لتوطين الديمقراطية في بلاده بعد سنوات من المعاناة والاضطهاد.

خلال الأيام القليلة التي أمضيتها في الرباط عشت حالة النشوة التي عاشها المغاربة في تنسم رياح التغيير والديمقراطية، وانغمست في نقاشات وجدل مع وزير الثقافة حينذاك محمد الأشعري، وأول وزير لحقوق الإنسان في تلك الحكومة محمد أوجار.

كان على قادة حزب الاتحاد الاشتراكي الذي قضى العديد من زعاماته سنوات من عمرهم في السجون والمنافي أن يتكيفوا مع فكرة الوصول للسلطة، وأن يبرهنوا على قدرتهم، بالشراكة مع الأحزاب الأخرى، على إدارة البلاد، وإيجاد حلول لمشكلاتها وتحدياتها، فإطلاق الشعارات في صفوف المعارضة ليس كالعمل في ماكينة الحكم، والصراع والصدام مع "المخزن" وهم حاشية القصر والأجهزة الأمنية.

لم يطلْ مكوث اليوسفي في الحكم، ففي عام 2002، ورغم فوز حزب الاتحاد الاشتراكي بالانتخابات إلا أن الملك محمد السادس اختار تعيين إدريس جطو رئيسا للحكومة، فاعتزل اليوسفي الحياة السياسية، ومات خلال جائحة كورونا، ودفن في مقبرة الشهداء في الدار البيضاء إلى جانب أبرز رموز الحركة الوطنية المغربية، عبد الله إبراهيم، ثالث رئيس وزراء للمغرب بعد الاستقلال.

قاد اليوسفي حكومة التناوب التوافقي برئة واحدة (استؤصلت رئته في عملية جراحية)، وكان يدرك أن الديمقراطية المغربية التوافقية تعيش أيضا برئة واحدة، وقد تتعرض لسكتة قلبية في أي لحظة، فالرئيس مهما كان قويا، والحزب مهما كان ضالعا ممتدا بالمجتمع، فإن القصر يظل مُحكما بخيوط السلطة في يديه.

قبيل الربيع العربي الذي حمل "أحزاب الإسلام السياسي" إلى السلطة في تونس ومصر، وسقوط نظام القذافي في ليبيا، وانهيار حكم الرئيس علي عبد الله صالح في اليمن، واشتعال المواجهات في سوريا، حملت صناديق الاقتراع قبل عقد من الزمان إسلاميي المغرب إلى سدة الحكم.

لم يكن حزب العدالة والتنمية نسخة طبق الأصل لـ "الإخوان المسلمين" في البلدان العربية، فقد تمتع بالحكمة والفطنة، وقدم نموذجا براجماتيا في الملعب السياسي، فحافظ دائما على شعرة معاوية مع القصر، ولم يدخل في صدامات مبكرة مع "المخزن"، وكان طيعا مرنا في تمرير أجندة الملك، وأوامره.

الاختبار الأقسى الذي مر به حزب العدالة والتنمية كان الانتخابات السابقة 2016، فتباهيهم بالفوز الكاسح وحصدهم 125 مقعدا في البرلمان لم يمكن زعيمهم وأمينهم العام السابق عبدالإله بن كيران من النجاة من شرك "البلوكاج السياسي" وفشله لأشهر طويله في التوافق مع الأحزاب لتشكيل حكومة، مما دفع الملك للتدخل، وإقصائه واختيار سعد الدين العثماني من نفس حزبه لرئاسة الحكومة، مما أحدث وقيعة وانشقاقا داخل حزب العدالة والتنمية، وربما كانت ضربة استبعاد بن كيران صاحب الكاريزما والحضور الطاغي في الشارع بداية تداعي الحزب شعبيا، وخسارته المذلة للانتخابات الأخيرة.

أشد التنبؤات تشاؤما لم تكن تتوقع ما حدث في الانتخابات، كان الرهان على انحسار شعبية الإسلاميين مُرجحا، فالظروف الإقليمية والدولية لم تكن مواتية او داعمة لهم، وأداؤهم في الحكم في سنوات قيادتهم الأخيرة "عراهم" أمام المجتمع، فهم لم يجلبوا من اسمهم لا العدالة، ولا التنمية للمغاربة.

كانت نتائج الانتخابات مثل الزلزال، وبمثابة سقوط لآخر قلاع ربيع الإسلام السياسي في العالم العربي، فحزب العدالة والتنمية لم يحتل المركز الثاني، أو الثالث ليظل يملك هامشا للمناورة السياسية، وإنما حل في ذيل قائمة الأحزاب في البرلمان مما يضعه خارج السلطة.

حصد الحزب 13 مقعدا، وصعد حزب التجمع الوطني للأحرار بقيادة عزيز أخنوش ليتصدر المشهد ويحوز على 102 مقعدا، يليه حزب الأصالة والمعاصرة بـ86 مقعدا، الاستقلال 81 مقعدا، والاتحاد الاشتراكي 35 مقعدا، والحركة الشعبية 29 مقعدا، والاتحاد الدستوري 18 مقعدا، وهو ما يضعه خارج حلبة المنافسة، ولن يلتفت له الحزب الحاكم ليسترضيه.

حين يؤرخ لحقبة امتدت لعقد تحت حكم الإسلاميين في المغرب، ستتعدد الروايات والتحليلات لأسباب هزيمتهم وخسارتهم، وقد يتقدمها أنهم أصبحوا جزءا لا يتجزأ من ماكينة السلطة، قايضوه على مبادئهم، ولهذا لم ينجحوا في الدفاع عن الديمقراطية، وترسيخ نهج حقوق الإنسان، وحتى شعاراتهم تنازلوا عنها طوعا حين قبلوا بالتطبيع مع إسرائيل، وحين اقتربوا في إصلاحاتهم الاقتصادية من خبز الناس وقوتهم.

وفي التفاصيل بقع سوداء كثيرة في ثوب سلطة حزب العدالة والتنمية، ففي حراك 20 فبراير لم يقف بن كيران مع شباب الحراك، ولم ينتصر لمطالبهم الثورية، واختار الحديث عن الخط الثالث، وفي العلاقة مع "رجالات المخزن" كان الولاء والتناغم السمة الأبرز للعلاقة.

يرفض أمين عام الحزب المستقيل سعد الدين العثماني الاعتراف أن سقوطهم بالانتخاب كان عقابا لهم، وغاب عن ذاكرته أن قيادي الحزب تعرضوا خلال حملاتهم الانتخابية للتأنيب والاحتجاج، وحتى محاولات الاعتداء تعبيرا عن غضب الناس على سلوكهم وأدائهم السياسي والاقتصادي.

يُضاف لكل ذلك، مرر حزب العدالة والتنمية "فرنسة" التعليم بالضد من أفكارهم، ودافعوا وبرروا تقنين زراعة "مخدر القنب"، وفي أزمة فيروس كورونا سحبت الإدارة منهم، فاستسلموا لسلطة الملك ورجالاته.

بلا شك استطاعت "حكومة الظل" أن تستنزف رصيد الإسلاميين في معارك الحكم وتكشف عوراتهم، ومثلما فشل حزب الاتحاد الاشتراكي في الاستمرار في قيادة السلطة، تجرع حزب العدالة والتنمية من نفس الكأس، وأثبت الإسلاميون أنهم أكثر قدرة واحترافا على لعب دور الضحية، والتعايش مع مظلوميتهم في المعارضة، أما الحكم فقصة أخرى لم يتقنوا لعبتها وأبجديتها بعد.

بعد أكثر من 20 عاما على تجربة "التناوب التوافقي" يعود صديق الملك، عزيز أخنوش لقيادة الحكم، ويفقد "اليسار والإسلاميين" حضورهم في مقدمة المشهد السياسي، ويصبح السؤال مُلحا؛ ماذا حققت "الملكية الدستورية" على الطريقة المغربية؟ و"أمير المؤمنين" -المسمى الدارج للملك في المغرب- بقي الحاكم الفعلي للبلاد وإن تبدلت الحكومات، وتُلخص جريدة "نيويورك تايمز" الوضع حين تساءلت إن كانت تركيبة الحكومة الجديدة ستحدث تغييرا في النظام السياسي، لتصل إلى نتيجة أن القرار السياسي في المغرب لا يصنع في البرلمان، وإنما تصنع السياسات في القصر الملكي.

انتهى ربيع الإسلام السياسي في العالم العربي بخسارة حزب العدالة والتنمية للانتخابات بالمغرب، وباستحواذ رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيد على السلطة منفردا، والتجربة القاسية تفرض على الإسلاميين -ليس شماتة- أن يعترفوا بإخفاقهم قبل فوات الأوان، عوضا عن سردية المؤامرات لإقصائهم.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.