وُلِدتُ في نهاية السبعينيات ونشأت في حي شعبي وسط الدار البيضاء.
خلال ثمانينيات وحتى منتصف تسعينيات القرن الماضي، أذكر أننا كنا نذهب للشواطئ بملابس البحر دون أن يُطرَح الموضوع للنقاش بتاتا.
كان السؤال الوحيد الذي نطرحه نحن البنات فيما بيننا هو: "هل لديكِ بيكيني بقطعة واحد أم بقطعتين؟". لم يكن سؤال البوركيني أو السباحة بالملابس مطروحا في أي مرحلة عمرية (اللهم لبعض النساء المسنات). حتى أمهاتنا، ومعظمهن كن تقليديات وغير متعلمات، كن يرتدين لباس البحر بشكل طبيعي لا يطرح أي تساؤل أو استغراب.
في حصص الرياضة المدرسية، أذكر أن أخواتي الأكبر مني سنا، خلال فترات الدراسة الإعدادية، كن يمارسن الرياضة بشورت قصير دون أن يطرح الموضوع أي إشكال.
الحجاب في المغرب كان شيئا نادرا جدا، وكان المغاربة يطلقون كلمة "إخوانية" على الفتيات المحجبات دون وعي مباشر بالربط الذي تصنعه الكلمة بين الحجاب وجماعة الإخوان المسلمين.
إلى غاية البكالوريا سنة 1996، لا أذكر أنني، خلال كل مساري التعليمي في مدارس عمومية وسط أحياء شعبية، درست عند أستاذة تلبس الحجاب.
أذكر أيضا أنه، خلال دراستي الإعدادية والثانوية وحتى الجامعية، كان أكل البنات خلال رمضان أمرا طبيعيا في الفصل الدراسي أو ساحة المؤسسة التعليمية، وداخل العديد من الأسر. اليوم، حتى مع وجود عذر شرعي، أصبحت معظم النساء يستحين من الأكل خلال رمضان!
ثم.. لا نعرف ما الذي حدث لكي يغزو الحجاب شوارعنا وكلياتنا ومدارسنا، ولكي يُطرَح موضوع الحجاب والبيكيني كموضوع "نقاش مجتمعي" ولكي نكتشف فتيات شابات ونساء ناضجات يسبحن في البحر بالبيجاما!!
أصبحت الفتيات اللواتي ينتمين لمستويات اجتماعية معينة، مضطرات لدفع مبالغ كبيرة فيما يسمى بالشواطئ الخاصة حتى يستطعن الاستمتاع بحمام شمس دون مشاكل. أما فتيات الطبقات الشعبية، فعليهن أن يهجرن البحر أو أن يسبحن بملابسهن.. لتفادي العنف اللفظي والجسدي أحيانا.
أفقنا فجأة على مغرب مختلف عن مغرب طفولتنا ومراهقتنا وشبابنا، ووجدنا أنفسنا نشارك في نقاشات لم تكن مطروحة، ليس لأنها وليدة تقدم علمي أو صناعي أو قيمي فَاجَأنا، بل بالعكس، لأنها نتيجة تقهقر مخيف.
هل مثلا عاش آباؤنا وأمهاتنا في زمن وجغرافيا تجهل الإسلام، لنكتشف الدين الجديد في العشرين سنة الأخيرة؟ هل أمهاتنا اللواتي كن يتناولن وجباتهن بشكل طبيعي خلال فترة الدورة الشهرية في رمضان، كنا كافرات أو ربما مدافعات شرسات عن الحريات الفردية؟ أم أنهن كن يتصرفن بالفطرة التي تجعلن يستفدن من رخصة شرعية للإفطار يفهمها الزوج والأبناء بشكل عادي؟ هل آباؤنا وأمهاتنا الذين كانوا يرافقوننا للشاطئ كانوا بلا أخلاق؟
هذا التقهقر القيمي لا يجب أن يجعلنا نغفل عن تحول جديد في المجتمع. إن المراقب الموضوعي سينتبه أن التغيير بدأ يعود للواجهة منذ حوالي سنتين، لكن في الاتجاه المعاكس. عادت شوارع المدن الكبرى تعرف حرية نسبية في اللباس وعادت ملابس البحر تدريجيا لشواطئنا.
هذا الصيف تحديدا، في معظم الشواطئ، كانت أغلبية النساء ترتدين ملابس البحر بشكل طبيعي ومرتاح. في الفضاءات العامة، رغم وجود التحرش والعنف، إلا أن تغيرا واضحا في الشكل يمكن أن ينتبه له الملاحظ الموضوعي. ولعل هذا ما يفسر بعض الخرجات المسعورة للمحافظين، كمثال ملصقات طنجة التي خصصنا لها مقالا على هذا المنبر.
السلفيون والمحافظون والمتأسلمون ينتبهون للتغير الحاصل ولعودة تدريجية لنوع من الحرية في الملبس، فيسعون لاستعادة بعض الوصاية بأسلوب عنيف؛ وما عنفهم في النهاية إلا ترجمة لخوفهم من "انفلات الأمور من زمام تحكمهم"، وإلا، لو كان أسلوبهم في الحياة هو السائد في المجتمع، فلن يحتاجوا للدعوة له!
لهذا، فالأمل مشروع فعليا. من يدري.. قد ترتدي بناتنا ملابس كالتي كانت ترتديها جداتهن.. ملابس لا تخنق حريتهن!

